ثمة نمطٌ من الكتابة السردية لا يكتفي بأن يُقرأ بالعينين، بل هو كتابةٌ تُتلقى بالأعصاب العارية، وتتسرب عبر المسام، وتستقر في تلك الزوايا المعتمة من الذاكرة التي نخشى عادةً نبشها. هكذا ينسج الروائي اليمني أحمد زين، المقيم في المملكة العربية السعودية، مشروعه الأدبي الذي يشبه عملية حفرٍ جيولوجي في طبقات الألم الصخري، أو السير حافياً على حواف هاوية سحيقة. لم يكن أحمد زين يوماً كاتباً عابراً في المشهد السردي العربي؛ فمنذ أعماله التأسيسية مثل «تصحيح وضع» و«قهوة أمريكية»، مروراً بروايته الصادمة «حرب تحت الجلد»، ووصولاً إلى «ستيمر بوينت» التي استدعى فيها أرواح عدن الكوزموبوليتانية، و«فاكهة للغربان» التي لامست القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية عام 2021، كان زين يشيد بصبرِ وإتقانِ مدونةً سرديةً مسكونةً بالهامش، وبالكائنات البشرية المنسحقة تحت عجلات التحولات التاريخية الكبرى. بيد أن عمله الأحدث، «رماية ليلية»، الصادر عن منشورات المتوسط (ميلانو 2024)، يمثل منعطفاً حاداً ونضجاً فنياً لافتاً. هنا، يبدو وكأن الكاتب قد اتخذ قراراً حاسماً: ألا يكتب عن الحرب كما تعرضها الشاشات الباردة في نشرات الأخبار، بل كما نشم رائحة بارودها في كوابيسنا، وكما يحملها المنفيون ثقلاً غير مرئي في حقائب سفرهم التي لا تُفرغ أبداً. إنها ليست مجرد رواية عن الحرب، بل هي مرثية للذين فروا بأجسادهم ناجين، بينما بقيت أرواحهم هناك، عالقةً في شباك “رماية ليلية” عبثية لا تتوقف. فلسفة “اللا كراهية” واللا جدوى منذ السطور الأولى، يضعنا أحمد زين أمام المفارقة الوجودية الكبرى للحرب الأهلية، مستعيراً صرخة الشاعر الإيرلندي وليم ييتس: «لا أكره الذين أقاتلهم، ولا أحب من أحرسهم». هذه العتبة النصية تتجاوز كونها استهلالاً تزيينياً؛ إنها “شيفرة” العمل ومفتاحه التأويلي. نحن هنا بإزاء حربٍ فقدت معناها الأخلاقي والسياسي، حربٌ عدمية يقتل فيها اليمني أخاه دون دافعٍ شخصي للكراهية، ويحرس فيها أمراء الحرب واللوردات دون ذرة محبة أو ولاء حقيقي. يشرع زين أبواب روايته بمشهدٍ يحبس الأنفاس، دافعاً بالقارئ قسراً إلى قلب الجحيم، حيث نجد مجنداً يخط رسالةً ملغزةً إلى قتيله، أو ربما هي رسالة إلى ذاته المتشظية في المرآة: «سرعان ما أطبقت يداك على عنقي، وصرت تجذبني. لم تمهلني دقيقة واحدة، لأستوعب كيف رجعت إليك قوتك. وكان الدم يرتفع إلى أعلى صاعداً من أحشائك، حتى ليكاد يخنقك». هذه اللغة الجسدية المباشرة، التي تمزج ملوحة العرق بلزوجة الدم، وهذا الاشتباك الذي يحول القتال إلى تلاحم حميمي مميت، هو ما يميز بصمة زين السردية. إنه يرفض توصيف المعركة بلقطات بانورامية من “الأعلى”، بل يختار “مسافة الصفر”، حيث يرى الجندي في حدقتي خصمه «تصميماً غريباً، سرعان ما يتحول إلى يأس صريح». في تلك اللحظة، يتوحد القاتل والقتيل في مأساة واحدة، وتذوب الفوارق الأيديولوجية أمام حقيقة الموت العارية. ليلى: فقاعة المنفى واغتراب الروح بتقنية المونتاج السينمائي الذكي، تنتقل الرواية من “طين” الخنادق في الداخل المشتعل، إلى “رخام” الفنادق البارد في الخارج. هنا تبرز شخصية “ليلى”، المذيعة التي تعمل في محطة إذاعية تابعة للمؤسسة في المنفى. ليلى ليست مجرد شخصية ورقية، بل هي تجسيد لـ “حالة” شعورية ونفسية معقدة؛ هي الصوت الذي يبث أملاً مفبركاً عبر الأثير، بينما يعشش الخواء واليأس في داخلها. تعيش ليلى ما يصطلح عليه في علم النفس بـ “عقدة الناجي”، لكنها نجاةٌ مشوهة ومنقوصة. إنها محاصرة داخل “فقاعة زجاجية”؛ مكان معزول عن العالم الخارجي، وعن الوطن المستعر، وحتى عن ذاتها الحقيقية. يبرع أحمد زين في تصوير حياة “المنفى الفندقي” بقسوة فنية بالغة: هؤلاء الذين يديرون رحى الحرب من الغرف المكيفة الفارهة، بينما تتساقط القذائف العشوائية على الرؤوس العارية في الأسفل. يشعر القارئ بضيق تنفس ليلى، وبرغبتها المكبوتة في تهشيم الزجاج الذي يفصلها عن الواقع، لعلها تتنفس هواءً حقيقياً ولو كان ملوثاً بالدخان. في مقابل حرارة ودموية المشهد الافتتاحي، تأتي مشاهد المنفى باردة، معقمة، وموحشة بامتياز. تتجول ليلى في شوارع المدن الغريبة كطيف، تبحث عن ملامح وجه تألفه، أو عن صدى لصوتها الذي تشعر بتبدده في الفراغ. إنها تكثيف درامي لمأساة المثقف اليمني الذي وجد نفسه فجأة مجرد ترسٍ صغير في آلة دعاية ضخمة، يبيع الكلام المنمق لشعبٍ لا يملك ترف الشراء، بل يشتري الموت يومياً. رسائل من الجحيم: أنسنة الجماد وتشييء البشر لعل الخيط السردي الأكثر توتراً وجمالاً في نسيج الرواية هو خط “المجند/القناص”. هذا الصوت القادم من قاع الذاكرة المكبوتة، سواء كان ينبعث من مصحات نفسية، أو من غرف تحقيق معتمة، يكتب رسائل يعلم يقيناً أنها لن تصل. يصف هذا المجند المشهد القيامي المحيط به بلغة شعرية موغلة في السوداوية: «نظرتُ إلى بعيد، فرأيت غيوماً سوداً تسبح خفيضة. وخلتني سأمسك بها. لو أنني كنت أقف فوق إحدى تلك التبات، التي كنا نتقدم ناحيتها. وسيتبين لي أنها ليست غيوماً، إنما عربات محترقة، راحت تنزف الدخان، الذي توالى في تشكيلات منفرة». إن تحويل “الدخان” إلى كائن “ينزف”، و”العربات المحترقة” إلى كائنات حية تتألم وتلفظ أنفاسها، يكشف عن قدرة أحمد زين العالية على “أنسنة” الجماد، وفي المقابل “تشييء” البشر وتحويلهم إلى أرقام في زمن الحرب. المجند هنا يرى العالم بعين “كاميرا” محمولة مهتزة، ترصد التفاصيل الميكروسكوبية المرعبة: «غير بعيد كانت الجوارح ترتفع في تحليق كسول، ثم تحط على بقايا حيوانات نافقة، مع صيحات قبيحة تنم عن سأم». حتى الجوارح، طيور الموت والخراب، تشعر بالملل والروتين من وفرة الجثث! أي وصف أبلغ من هذا لتبيان رتابة الموت وعبثيته؟ نساء في مهب العاصفة: فايزة وسلوى إلى جانب ليلى والمجند، يضيء زين مساحات سردية أخرى عبر شخصيتين نسائيتين فارقتين. الأولى هي “فايزة”، المرأة التي قررت مواجهة العبث بعبثٍ مضاد وأكثر شراسة. فايزة هي الوجه الآخر لليمن؛ الوجه الذي يرفض الانكسار الصامت ويختار “المقاومة بالجسد”. تتحرك في أروقة الفنادق والمقاهي، تغوي ساسة الحرب وتجار الأزمات، ليس حباً أو رغبةً، بل نوعاً من الانتقام السري. علاقتها بهم تشبه علاقة القناص بضحيته: باردة، محسوبة بدقة، وقاتلة في جوهرها. تطرح شخصية فايزة أسئلة أخلاقية شائكة وجريئة: هل تبقى للفضيلة مكان في عالم يتاجر بدماء الأبرياء؟ تجيب فايزة بسلوكها الصادم: الفضيلة الوحيدة المتبقية هي البقاء، ولو كان الثمن تشويه الذات. ولا تكتمل لوحة الخراب دون “سلوى”، الفتاة التي تنوء بحمل وزر انتمائها السياسي والفكري السابق. يرسم زين ملامح هذه الشخصية بحياد فني مدهش؛ فهو لا يشيطنها، بل يقدمها كإنسانة تورطت في تروس التاريخ، وتحاول الآن الفكاك من ماضيها الثقيل. حكايتها تكشف كيف تتسلل الأيديولوجيا لتلوث براءة الأحلام، وكيف يمكن لـ”قليل من الخيانة” أن يترك ندوباً أبدية في الروح. سلوى هي مرآة المجتمع المنقسم عمودياً وأفقياً؛ حيث الأخ يشي بأخيه، والصديق يتحول إلى سجان، وتصبح الثقة ترفاً لا يملكه أحد. بلاغة التيه وجماليات الكتابة تتميز لغة أحمد زين في «رماية ليلية» بأنها لغة “مشهدية” بامتياز. إنه لا يخبرنا عن الحرب خبراً، بل يجعلنا نلمس خشونتها ونتذوق مرارتها. نلمس ذلك بوضوح في المشاهد الختامية، حين تزور الشخصية النسائية (التي تتداخل ملامحها بين ليلى وأخريات) المشفى في أجواء خانقة: «كانت شمس بعد منتصف الظهر قاسية، وأخذ الحر يغمر جسمها بالعرق، ويتسلل الماء المالح إلى عينيها فيؤثر في رؤيتها للأشياء، ولا تعود تتبين مبنى المشفى». هذا التشويش البصري هو السمة العامة والحالة الذهنية لشخصيات الرواية كافة. كلهم يسيرون في ضباب كثيف، يبحثون عن يقين مفقود. في المشفى، يستمر البحث عن ذلك المجند الذي يكتب بلا توقف. الكتابة هنا تغدو فعل مقاومة ضد المحو؛ المجند يكتب لكي لا ينسى، ولكي يحمي عقله من الجنون التام. وبالمثل، يكتب أحمد زين لكي يحفظ ذاكرة الوجع اليمني من التلاشي والذوبان في زحمة الأخبار العاجلة والمتلاحقة. لماذا نحتفي بـ «رماية ليلية»؟ إن التقدير الذي حظيت به رواية «رماية ليلية»، والذي تُوج مؤخراً بإدراجها ضمن القائمة الطويلة لفرع “الآداب” في الدورة العشرين (2025–2026) من جائزة الشيخ زايد للكتاب، وفق الإعلان الرسمي الصادر بتاريخ 27 نوفمبر 2025، ليس مجرد احتفاء بالموضوع السياسي؛ فالكثيرون كتبوا ويكتبون عن الحروب. لكن الاحتفاء هنا موجه في المقام الأول لـ “كيفية” الكتابة وللأسلوبية الفنية المغايرة. أحمد زين لا يصرخ في نصه، ولا يتباكى، ولا يعتلي المنابر ليلقي خطباً وعظية. إنه يهمس، لكن همسه ثقيل وموجع يخترق طبلة الأذن؛ يرينا ببراعة كيف تحول “المؤقت” (المنفى، الحرب، الفندق) إلى حالة “دائمة”، وكيف أصبح اليمني كائناً يعيش “في حقائب السفر” وجودياً ومادياً. تكمن فرادة «رماية ليلية» في أنها رواية متعددة الطبقات؛ إذ يمكن قراءتها كوثيقة إدانة صارخة للحرب وتجارها، ويمكن تفكيكها كدراسة نفسية معمقة لآثار الصدمة أو تلقيها كنص أدبي رفيع يلعب بمستويات الزمن وتقنيات السرد الحديثة. لقد نجح الكاتب في تحويل “شظايا” الواقع المتناثرة إلى “فسيفساء” فنية متقنة الصنع. حتى العنوان، «رماية ليلية»، الذي يحيل ظاهرياً إلى التدريب العسكري، يتحول داخل المتن الروائي إلى استعارة كبرى للحياة في ظل الخراب؛ كلنا أهداف متحركة في ليل بهيم، والرصاصات تأتي طائشة من حيث لا ندري، ومن أناس “لا يكرهوننا” بالضرورة، لكنهم مأمورون بالضغط على الزناد. ختاماً، «رماية ليلية» ليست مجرد إضافة كمية لرفوف المكتبة العربية، بل هي “وثيقة شعورية” لجيل كامل دُفعت أحلامه قسراً إلى المحرقة. إنها عمل أدبي يدعونا لأن نتوقف قليلاً عن الإحصاء البارد للجثث، ونبدأ في عدّ “الأرواح” التي ماتت وهي لا تزال تتنفس، وتمشي في الأسواق، وتنام في الفنادق. أحمد زين لا يكتب ليمتعنا، بل ليوخز ضمائرنا، وهذا أسمى وأنبل ما يمكن للأدب أن يفعله. إنها رواية تستحق أن تُقرأ بقلب مفتوح، وعين دامعة، وذاكرة متيقظة تأبى النسيان.