فلسطين ٣٦: العدوى البريطانية قبل المرض اليهودي
الدراما التاريخية للمخرجة آن ماري جاسر تروي قصة فلسطين في العام 1936 و1937 من خلال أعين الفلسطينيين على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية ومواقعهم المتعددة. ومع ذلك، إذا كان لابد من اختيار شخصية واحدة باعتبارها البطل الرئيسي فسيكون يوسف، يلعب دوره الممثل كريم داود عناية، شاب من قرية ريفية يعمل في القدس في بداية الفيلم، تحت إدارة أمير (ظافر العابدين). أمير صاحب صحيفة فلسطينية، حيث تكتب زوجته خلود عاطف (ياسمين المصري) بحرارة عن القضية الفلسطينية تحت اسم مستعار هو أحمد كنعاني. من المثير للانتباه في هذا الفيلم هو غياب الشخصية اليهودية، الغزاة الصهاينة في هذا الفيلم يشبهون الزومبي في أفلام نهاية العالم، آفة مستمرة تصيب فلسطين لكنها ليست جوهر المشكلة، لعل في ذلك قدر من الحقيقة، فالفيلم يركز أساسا على الاحتلال البريطاني الذي مهد وسهل عمليات الإبادة والتطهير العرقي التي قادها الصهاينة. من اللحظة التي نشاهد فيها اللقطة التاريخية لبرميل مليء بالأسلحة المهربة يسقط مفتوحا أمام عمال الميناء الفلسطينيين، ثم نعرف في المشهد التالي أن المهربين لن يتعرضوا لأي ملاحقة قانونية. يدرك المشاهد أن بريطانيا، لو كانت عادلة، أو على الأقل لو كانت قسوتها وانضباطها تطبق على الجميع بشكل متساو، لما وجد الكيان الصهيوني الذي نراه اليوم. في الحقيقة هذه المعلومة لا تغيب عن المحتل الحالي، فبحث سريع عن الخصم الرئيس في الفيلم، أورد وينغيت (روبرت أرامايو) تظهر كيف يمدحه الاسرائيليون وينعتونه بالبطل. يوجّه الفيلم أيضا نظرة نقدية للجماعة الإسلامية، التي كانت تعمل بطريقة تشبه طريقة السلطة الفلسطينية الآن، حيث اعتمدت في تمويلها على الصهاينة، وروجت لرواياتهم وفي النهاية لم تكن سوى حبلا إضافيا يوضع على عنق الفلسطينيين. من الأمور التي أكد عليها الفيلم هي الوحدة العربية التي تجاوزت الانتماءات الدينية، حيث حمل المسلمون والمسيحيون السلاح جنبا إلى جنب لحماية فلسطين، حقيقة حرصت بريطانيا على إخفائها في صحافتها الوطنية. يقدم فلسطين 36 قراءة متعددة الطبقات للمجتمع الفلسطيني في اللحظة التي يتضح فيها أن لا أمل في إنصاف بريطاني يوقف التطهير العرقي الصهيوني. الريف والمدينة، المسلم والمسيحي، وحتى الشخصيات البريطانية، تقارن وتتقابل في نسيج سردي غني. فمثلا، يظهر توماس هوبكنز (بيلي هاول) رجلا نزيها يرغب بصدق في خير الفلسطينيين، لكن الحكومة البريطانية التي يعمل لصالحها لا تزيد إلا قمعا لهم، لتعلن في النهاية دعمها الصريح لضم الأراضي الفلسطينية لصالح اليهود. يحدث ذلك في الوقت الذي تقيم فيه الجماعة الاسلامية، المشار لها سابقا، حفلات عشاء فاخرة يحضرها أورد وينغيت نفسه ضيفا مكرما. دعوني أكرر، هذا فيلم لا يعرف المجاملة، وقد نجح ممثلوه في بعث تاريخ القهر والمقاومة إلى الحياة بصدق وجمال لافتين.