جدَّتي والقمر وثلج أمريكا.

روت لي جدَّتي أنَّ رجلًا قَدِم إلى قريتنا من قريةٍ اسمها (ثاه)، ولما جنَّ اللَّيل ظهرَ القمر منيرًا في سماءٍ صافيةٍ، فتنهَّد الرَّجل، وعجبَ وقال: (اثر امقمر عندكم مثل في ثاه) بمعنى (القمر عندكم شبيهٌ بقمر قرية ثاه). فدهشة (رجل ثاه) هي دهشتي نفسُها عندما سمعتُ في حصَّة الفيزياء أنَّ القمر يكتسبُ نوره من أشعَّةِ الشَّمسِ المنعكسةِ على سطحهِ، إلَّا أني بقيتُ يومَها صامتًا؛ إذ لم أجرؤ على كشف جهلِي بهذه العوالم. قادتني هذه المفارقات إلى البحث عن زاوية الرُّؤية للقمر، فليس ما رآه (رجل ثاه) خارجًا عن المألوف؛ ممَّا يؤكد وحدة الكون الَّتي هام بها الأدباءُ، ومنهم الشَّاعر (إيليا أبو ماضي): قمرٌ واحدٌ يطلُّ علينا وعلى الكُوخِ والبناءِ الموطَّد النُّجومُ الَّتي تراها أراها حينَ تختفِــــى وعندَما تتوقَّد فالشَّاعر في قصيدتِه (الطين) يسخر من تجبُّر الإنسان وتعاليه على غيرِه؛ إذ المشتركات الَّتي توحد البشر أكثرُ من تلكَ الَّتي تفرقهم: فسماؤُنا واحدةٌ، وأرضُنا واحدةٌ، وشمسُنا وقمرُنا مسخرانِ لخدمتِنا دونَ تمييزٍ، وما نختلفُ فيه هو زواية الرؤية فحسبُ. في ليلةٍ من ليالي الشتاء في أمريكا كانتِ الأرض مكسوةً بالثُّلوج، وعندَما سطعَ ضوء القمر على رقعةِ الثَّلجِ، انبعثَ نورٌ لم أشهد مثلَه في حياتِي، بياضُ الثَّلج مع سطوعِ القَمر، مشهدٌ فاقَ كلَّ عبقريةٍ يمكنُ أن يبرعَ فيها إنسانٌ، والمفارقة أنَّه جاءني اتصالٌ من السعوديَّة حينها، وكانَ الوقت عندهم ظهرًا؛ ولأني كنت مأخوذًا بمشهدٍ فاتنٍ، نقلتُ للمتَّصل دهشتِي ممَّا أراهُ من فتنةٍ أخَّاذةٍ، فردَّ عليَّ بأن لا شيء عنده سوى الشَّمسِ الحارقةِ. إذًا هي زاوية الرُّؤية التي تُفرقنا، لا حقيقة الأشياءِ من حولِنا!!