القراءة بعيون الإيمان.
يورد الثعلبي في كتابه (قتلى القرآن) أن رجلا سأل سلم الخواص: هل سمعت خبر وفاة علي بن الفضيل؟ كيف مات؟ قال: نعم. مرض فترة ثم تحسنت حالته قليلا. وفي تلك الأيام جاء رجل من البصرة معروف بحسن التلاوة، فذهب لزيارته قبل أن يصل إليه أبوه الفضيل. فلما علم الأب بقدوم هذا القارئ وذهابه إلى ابنه، أرسل في أثره رجلا ليمنعه من القراءة عليه. لكن القارئ كان قد بدأ التلاوة قبل وصول الرسول. فقرأ “ولو ترى إذ وقفوا على ربهم” ما إن سمعها علي حتى سقط وأطلق شهقة قوية خرجت روحه معها. يسرد الثعلبي هذه الحكاية على خلفية أدب الزهد. ففي هذا الأدب لا يُروى الحدث بوصفه واقعة تاريخية محايدة، بل بوصفه نموذجا يدل على منزلة دينية، لذلك يتكوّن بناء الحكاية من مجموعة من العناصر النمطية كالمريض الزاهد على حافة الموت، والقارئ حسن التلاوة، والآية الأخروية، والتأثر البالغ. تضع الحكاية الشخصيتين عليا وأباه الفضيل في نسب روحي معروف. فالفضيل أحد أعلام القرن الثاني من الهجرة. زاهد حتى أن لقبه هو عابد الحرمين. وفي هذا النسب الروحي لا تُقدم الشخصيات أفرادا معزولين، بل في حلقات انتقال روحيّ متصاعد. فحكاية توبة الأب الفضيل بن عياض كما يرويها الذهبي بدأت من قطيعة مع عالم المعصية عبر صدمة سماع آية قرآنية. وهي الآية التي أسست هذا النسب في لحظة مثلت انقلابا وجوديا أحدثه القرآن في قلب الأب القاسي فحوّله إلى قلب خاشع. ثم تأتي حكاية الابن بوصفها امتدادا لا بالوراثة البيولوجية فقط، بل بوراثة الحال؛ فكما كانت الآية سببا لميلاد الأب الروحي، أصبحت آية أخرى سببا لفناء الابن الجسدي. وهكذا يشكل ما حدث للأب والابن خطا دلاليا واحدا: في السلف يوقظ القرآن القلب من موت المعصية، ثم يبلغ عند الخلف مستوى من الرهافة والرقة تجعله لا يحتمل كثافة المشهد الأخروي عند سماع القرآن. وبهذا يبني السرد في الحكاية تصورا للتقدم الروحي عبر السلالة، حيث تنتقل التجربة من التوبة إلى الفناء، ومن الخوف الذي يردع إلى الحضور الذي يصعق، فيتحول النسب العائلي إلى رمز لسلسلة ترق في درجات التلقي عن الله. يمكن القول إن تلاوة القرآن شكلت لحظة فاصلة عند الأب والابن. لحظة تحول فيها القرآن من خطاب مسموع إلى حدث وجودي أفضى إلى حياة قلب الأب وموت جسد الابن. وأضافت محاولة الأب منع القراءة بعدا قدريا كما لو أن الإرادة البشرية تتراجع أمام التدبير الإلهي. وبهذا فخلفية الحكاية ليست سردا لوفاة، بل بناء نموذج يمثل فكرة مركزية وهي أن صفاء القلب يجعل الجسد عاجزا عن احتمال كثافة الحضور الإلهي عند سماع كلام الله. تمثل لحظة سماع الآية مركز الحكاية، ففي هذه اللحظة انقلبت التلاوة من صوت مسموع إلى حدث وجودي. فعلي بن الفضيل، وهو في حال مرض، يسمع قارئا حسن التلاوة يقرأ الآية. لم يتلق الآية بوصفها خبرا عن الآخرة بل كما لو أنها حضور مباشر لمشهد الآخرة ذاته. عندئذ خرّ مطلقا شهقة خرجت روحه معها. ما حدث إذن ليس تطوّرا مرضيا عاديا في السرد: مرض ثم تفاقم مرضه ثم مات. بل صدمة روحية مباشرة. فالموت لم يكن بسبب المرض، بل بسبب سماع الآية التي عجز الجسد عن احتمال كثافة معناها. تصوّر الآية لحظة من أشد لحظات الانكشاف الوجودي توترا تتمثل في الوقوف المباشر بين يدي الله. عندئذ يسقط كل حجاب، وكل ممكنات الإنكار أو أسباب الغفلة. فالآية لا تتحدث عن عذاب مادي أو نعيم محسوس، بل عن مواجهة الإنسان للحقيقة الإلهية. وهي مواجهة تمثل في مخيال المسلم ذروة الخوف والهيبة، لأنها تنقله من زمن الدنيا إلى زمن الآخرة الكاشف لمصيره. لذلك فالآية تستحضر الآخرة كما لو أنها تحدث في اللحظة (الآن) فتغدو أشبه بفتح مشهد غيبي. لذلك فالآية ملائمة لبناء الحكاية الدلالي، لأنها تختزل معنى الموقف كله في الانتقال المفاجئ من عالم المرض والجسد إلى مشهد المثول أمام الله، وهو الانتقال الذي تصوره الحكاية بكثافة إلى حدّ أن الجسد لم يحتمله. قد يرى المرء أن اختيار الآية وسياقها يشير إلى أن الحكاية موضوعة بالمعنى الحديثي أو مختلقة بالمعنى الأدبي. لكن الحكاية هنا مجازية. وهذا التناسب بين مضمون الآية (المواجهة الأخروية) ونتيجتها (الموت اللحظي) يدل على تركيب دلالي محكم يهدف إلى تجسيد فكرة دينية تتمثل في أن صفاء القلب يجعل الإنسان يشعر بالغيب كحضور، وتصبح الحكاية توظيفا سرديا بارعا للآية؛ لتؤدي وظيفة مجازية داخل البنية الوعظية، حيث تُبنى الحكاية لتُظهر قوة القرآن التحويلية لا لتوثّق سبب الوفاة تاريخيا. لا مجال إذن هنا لسؤال الصدق، لأن الحكاية تنتمي إلى نوع أدبي هدفه الإظهار المجازي، وليس التوثيق التاريخي. فالصدق التاريخي المتعلق بوقوع الحدث كما سردته الحكاية أمر يبقى معلقا، لأن كتب الزهد لا تلتزم بشروط التحقيق التاريخي؛ لأنها ترى أن هناك مستوى آخر هو الصدق المجازي أو الروحي، وهو الأهم في الخطاب الوعظي إذا يكفي أن تكون الحكاية صادقة في التعبير عن تصور طبيعة العلاقة بالقرآن، وعن تجربة وجدانية يعتبرها الوسط الزهدي ممكنة ومعبرة عن حالة مرتفعة من الرقة والخشوع. بهذا المعنى، لا يكون اختلاق الحكاية نقيضا للصدق، بل وسيلة لإيصال حقيقة داخلية بلغة المجاز. لذلك فالحكاية لا تُقرأ كخبر عن كيفية وفاة علي بن الفضيل بقدر ما تُقرأ كصياغة سردية صادقة في أفق ديني لفكرة هي أن الخطاب الإلهي قادر في تجربة الزاهد المثالية على أن يبلغ بالقلب مستوى يفوق طاقة الجسد. هنا يتحول الصدق من مطابقة الواقع إلى مطابقة المعنى الذي تريد الجماعة الدينية أن تراه متجسدا. تعرض الحكاية الموت بوصفه أثرا وليس قدرا. وهو عرض يتصل ببناء الحكاية المجازي. فعلى المستوى العقدي يمثل الموت قَدَرا إلهيا لا يخرج عن تدبير الله السابق. لا تنفي الحكاية ذلك، بل تغيّر زاوية النظر من السبب الغيبي للموت إلى السبب التجريبي في إطار تجربة روحية. فحين تورد الحكاية بأن عليا سمع الآية فشهق فمات، فالمقصود هو إبراز أن الخطاب القرآني بلغ من الشدة الوجدانية مستوى أحدث أثرا مباشرا في الجسد؛ كما لو أن الموت نتيجة لتجل روحي كثيف، وليس تطورا عاديا للمرض. هذا التحويل من القدر إلى الأثر هو أسلوب الحكاية التعبيري الذي يُظهر أن جسد علي بن الفضيل لم يحتمل ما انكشف لقلبه. وبهذا لا تلغى الحكاية القَدر، بقدر ما تحجبه خلف صورة مجازية تجسد عقيدة ضمنية مفادها أن الحقيقة الإلهية تتجاوز الطاقة البشرية، فيحضر الموت بوصفه استجابة لحضور المعنى. هناك توتر في الحكاية يتولد من تعارض مستويين يسيران معا حتى لحظة الانفجار. المستوى الأول مستوى التدبير البشري الهادئ، والمستوى الثاني مستوى الفعل الغيبي المفاجئ. فالأب يمارس حرصا أبويا ووجدانيا في آن، فيحاول منع قارئ القرآن من التلاوة، وكأن القراءة قد تحدث ما لا تُحمد عقباه، بينما الزمن يسير بسرعة في اتجاه معاكس. فرسول الأب لم يصل بعد، لكن التلاوة بدأت، والآية قرئت، والحدث وقع. هنا يتكثف التوتر بين الرغبة في التحكم والسيطرة، وبين لحظة قدر تنفلت من كل سيطرة. يزداد التوتر لأن المشهد هادئ في الظاهر. هناك مريض، وهناك قارئ. وحالة زيارة عادية لرجل مريض؛ ثم فجأة تنقلب اللحظة إلى صعق وموت. هذا الانتقال الفجائي من السكون والهدوء إلى المستوى الأقصى من الحدث هو قلب التوتر الدرامي الناتج عن تجاور الضعف البشري مع الهيبة الإلهية، ليظهر السرد هشاشة الجسد أمام كثافة المعنى، وعجز الإرادة البشرية أمام لحظة روحية لا يمكن توقيتها ولا إيقافها. يكرس هذا الغنى الدرامي وظيفة عملية وليس وظيفة نظرية. فالقرآن ليس معرفة تُعلم أو تُشرح، بل قوة حضور تُحدث أثرا مباشرا في الكيان الإنساني. القرآن كلام حيّ لا يتلقاه القارئ أو السامع بوصفه خطابا عن الغيب، بل فتحا للغيب في لحظة حاضرة، لذلك تتحول الآية إلى حدث وجودي. القرآن فاعل وليس مفعول به كما في قولنا (مقروء). فالقارئ لا يشتغل على القرآن، بل القرآن هو الذي يشتغل على القارئ: يهزه، يغيّر حاله، وربما يفنيه. القرآن وسيط تجلّ لا يُنظر إليه بوصفه رمزا يحيل، بل بوصفه كلاما حقيقيا تتكثف فيه القدرة الإلهية، لذا يصبح سماع القرآن أو قراءته تجربة وجدانية هائلة، وربما تجربة روحية خطرة. والمعنى أن علاقة القارئ المسلم مع القرآن من حيث المبدأ علاقة وجدانية تحويلية، وليست علاقة تفسيرية تحليلية. فالقصد من القرآن أن يُحدث خشوعا أو خوفا أو استسلاما إلخ، لا أن يُنتج مفهوما. بهذا يتشكل تصور المسلم للقرآن بوصفه هداية وحضورا، يتجاوز كونه كتابا لغويا إلى كونه فعلا إلهيا متجددا في الزمن، يطال القلب قبل العقل، ويحول الوجود قبل أن يقدم المعرفة. توضح هذه الحكاية معنى القراءة بعيون الإيمان؛ فالموقف السردي كله مبني في الحكاية على أن الآية ليست موضوعا لتأمل خارجي للسامع أو القارئ، بل خطابا موجها وجوديا إليهما. وعلي بن الفضيل لم يتعامل مع الآية بوصفها وصفا لمشهد أخروي، بل من حيث هي حقيقة آنية تخصه شخصيا، لذلك لم يسأل عما تعنيه، بل عاش جواب سؤال آخر يتعلق به وهو واقف بين يدي الله. وهنا يظهر جوهر القراءة بعيون الإيمان في افتراض صدق القرآن وفاعليته قبل أي فهم، وقراءته أو سماعه من دون مسافة نقدية. يعني هذا أن معنى القرآن لا يُنتجه القارئ أو السامع ولا يبنيه، بل ينكشف لهما عبر انكشافهما الداخلي. وفهمهما القرآن ليس عملية عقلية كأي قراءة، بل حدثا يصيب الكيان البشري كله. لذلك تتحول قراءة القرآن أو سماعه إلى تجربة، ومعناه إلى حضور، والقارئ والسامع إلى معنيّيْن بالكلام. ومن هنا يتبين أن هذا النوع من القراءة يجعل القرآن فاعلا يغيّر حال المتلقي، وأن غاية القراءة هو التحول الوجودي وليس الإدراك المفهومي؛ وهذا هو الفرق الجوهري بين قراءة القرآن وقراءة أي كتاب آخر.