الأنثروبولوجيا وتراثنا الخبيء.

من أكثر ما يؤلمني أن نملك قصصًا وأشعارًا وشخصيات تركت إرثًا إبداعيًا حقيقيًا، ثم تبقى حبيسة صدور الرواة، لا تجد من يُدوّنها أو يدرسها أو يُعيد إحياءها. هذا التراث الخبيء ليس مجرد ذكريات تستحق الحفظ، بل هو مادة خام لفهم هويتنا وطريقة تفكيرنا وعلاقتنا ببيئتنا، وهذا بالضبط ما يعنى به علم يُسمى الأنثروبولوجيا. الأنثروبولوجيا باختصار هي “علم الإنسان”، تدرس الإنسان في سياقه الثقافي والاجتماعي، وتُعنى بكل ما شكّل طريقة عيشه وتفكيره وتعبيره. وقصصنا وأشعارنا وشخصياتنا التي نمت وترعرعت في هذه البيئة هي في صميم اهتمامها، غير أننا لم نُقدّم لهذا العلم ما يستحقه من اهتمام منهجي حتى الآن. وكل كتابة ونتاج يقف على ملامح حياة الناس: أسلوب عيشهم، بيئتهم الاجتماعية، مقولاتهم، سردياتهم، وما يروونه من أشعار وأمثال، فيه شيء من الأنثروبولوجيا الثقافية، وهي مجرد مثال من حقل واسع. ليس من قبيل ادعاء وصلٍ بليلى، لكنني أرى في كتاباتي عن بعض شعراء النبط، وعن أدوات الطبابة والعطارة القديمة، وعن الفنون الشعبية كالكسرة والزير والسامري في كتابي “في حضن المسيل”، وما سجلته مع رواد الأدب في المدينة المنورة، شيئًا من الطرح الأنثروبولوجي الثقافي. كُتّاب كُثر يعملون في هذا الحقل وكتابات عديدة تدور في فلك الأنثروبولوجيا، وجاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية الذي وافق مجلس الوزراء على تأسيسه، ليجمع هذه الجهود المتفرقة ويعطيها إطارها العلمي ووهجها المستحق. ويُنتظر من خلال هذه المنصة أن نقدم سرديتنا وروايتنا وثقافتنا التي نعرفها ونشعر بها وعشنا ملامحها وسمعنا عنها من الأجداد، بكل ما تحمله من عادات وتقاليد وممارسات اجتماعية وتجارب إنسانية عاشها أهل هذه الأرض عبر القرون. ولا يمكن أن يكون الارتهان فقط لمصادر كتبها الآخرون لأنها في معظمها منقولات رحالة مروا مرورًا عابرًا وكتبوا عبر خلفياتهم وأيديولوجياتهم، وليس أجدر من ابن المكان في الكتابة عنه. نعم، سيكون هذا المعهد منصة موثوقة لكتابة ثقافتنا وتسجيل حكاية إنسان هذه البلاد المترامية الأطراف والمتنوعة التضاريس جغرافيًا وبشريًا، وإن نظمها خيط الحب والولاء لهذه الأرض الغالية.