سعادةٌ كالشمس.

لعلَّ السعادة كلمة السر التي يعرفها الجميع وينساها؛ ذلك أنّها حظُّ النفس من طول التربية، رضًا وسلام داخلي، ومنهج خيرٍ لا يقبل المساومة تجاه المحسن والمؤذي والمزعج، وتجاه حقوق النفس ذاتها؛ فـ ﴿قَد أَفلَحَ مَن زَكّاها﴾ تلك النفس التي يترك طول العمل على تربيتها وصيانتها الأثر، كل الأثر فيها. تبهرني الآية وما قبلها وما تلاها، وكيف تصبُّ في معنى اسم السورة (سورة الشمس)؛ حيث الإشراق والاشتعال والإحراق. لسنا بعيدين من تلك الرحلة… من جريان الأمور حولنا دون حيلة، لكننا نملك الخيار في رسم بعض معالم الطريق بطول الانتباه والمقاومة حتى تستقيم النفس. إنها النفس يا سادة! شُعلة الطريق لو أردناها شعلة... وكم تبهرني السورة، وكم ستبهرني مزيدا كلما أمعنتُ النظر فيها! في العمل، في (دوام) أحوال لا تدوم! تحرقني أنفسٌ أخرى، أشك أحيانا بوجود روح لها، أو أنَّها مرتعٌ خلفيٌّ لشرور أفلتت من أي تربية… لا أعلم كيف أصف الأمر كما هو؛ لكنه كانزعاجكَ من شمس الطريق، وحين تتمرّد عليك بأشعتها مزيدا ومزيدا داخل السيارة؛ حيث ضعفك المطلق الذي تعوزه الحيل، ووقتك الضيق المحشور في المركبة أكثر منك... زجاجُ النوافذ يصيب الشمس بالجنون على ما يبدو لتهدِّدَ بالإحراق. تشعرُ بفوران الشمس في دماغك؛ فتنقلب من جهة إلى أخرى حسب ما تحنُّ الظلالُ وتمدُّ لك يدًا حيِيَّة. نصيبك منها أن تحمي نفسك فقط، أن تبتعد، وتحاول النجاة من فظاظتها المستمرة…  تعرفُ جيدا أنَّ المسألة وقتٌ وحسب، وأنَّ الأمر خارج تماما عن سيطرتك، وأنَّ الطبيعة في جزئها الحارق مسلَّمَةٌ… والغروب آتٍ لا محالة… أو ظلٌّ سينقذك قليلا… وهي كمشكلتي أمام تلك الأنفس المزعجة، المحترقة في أعماقها من لا شيء، إلا لأنَّ أحدًا ما يمشي في طريق جادٍّ، قد يكون الطريق عينه الذي أخذوا ناحية منه، وصار لهم مُتنفَّسًا بعد أن ركنوا إلى نفسٍ شقيَّة لا يكسر حدَّتها وقتٌ ولا ظلٌّ. من حُسن حظي أحيانًا أنني أُعمّم مقولة للجاحظ، وأُلقي بالأحلام والآمال والأفكار أيضًا في الطريق، أُتبِعُها بالمعاني المطروحة للجميع كما رأى. أقول: «من حُسن حظي» لأنّ الطريق حقٌّ مشاع، ولا حرَّاس عليه، وتلك الأنفس حُرّاس رواذل شخصيَّة جدا لا ترعوي عن الإسفاف، يتبارون في إعلانات مجانية لعداءات وهميّة، يحاولون إحراق غيرهم بها من مسافات بعيدة، مسافاتٍ لا تصلها شبكات الاتصال نفسها بهذا الإصرار الأحمق. إنَّكَ لا تملك من أمرك شيئا ما دُمتَ عابِرًا، يستظلّ العابرُ بمدَدٍ نبويّ يؤكد على عُبُوره الخَيِّر؛ فَلَكَ الطريقُ والظلُّ والشجرة، وأعداءُ الظلال خصومُ الإنسان نفسه والأشجار والحياة، وهم أعداء للطريقِِ الذي تركه لك الجاحظُ كله قبل ما يربو عن ألف عام. تنسى تلك الأنفس أنها تحمل جحيمها الاختياريّ داخلها؛ حيث تمتنع الظلال عن كينونتها معهم، ولا طريق لهم منهم… ينسون في ظلِّ احترافِ دور الجحيم الأرضي أنَّهم لم يقترفوا السعادة مطلقا، وأنَّ الشمس بنسختها اللطيفة بعيدة عن العالم الذي يعيشون فيه؛ حيث اختفت فيه السعادة للأبد، ولا كلمة سريَّة أو جهريَّة تدلُّ عليها.