الخيال / الفنتازيا تدريب على رؤية العالم .

في عالم الأدب، يُعتبر النوع الفانتازي أحد أبرز الوسائل لاستكشاف المجهول والغريب، حيث يبني عوالم خيالية تعتمد على عناصر غير موجودة في الواقع ، وفقاً لتعريف الأدب الفانتازي، فهو ( أدب يقع في عالم خيالي، غالباً ما يكون بدون أماكن أو أحداث أو أشخاص من العالم الحقيقي ) ، ويركز على العناصر الخارقة مثل، الكائنات الخيالية، والعوالم البديلة، الأبطال الخارقين، والوحوش ) ، هذا التعريف يؤكد على جوهر الفانتازيا: إثارة الدهشة والشك في الواقعية، مما يجعل القارئ يستسلم لخيال الكاتب مع يقين داخلي بعدم حدوث هذه الأحداث في الحياة اليومية ، إلا أن الفنتازيا في العالم العربي، تأخذ منحى مختلفاً تماماً عندما تدور حول الجن، العفاريت، والسحر ، عناصر مستمدة من الخلفية الدينية والشعبية الإسلامية والعربية ، هنا، لا تكون هذه الروايات خيالية بحق، بل تتحول إلى مصدر للخوف والرعب، لأنها تتعامل مع كائنات يؤمن بها الجمهور كحقيقة غيبية، مما يتعارض مع جوهر الفانتازيا ويساهم في تعزيز الخرافات والتخلف الثقافي. ليست المشكلة في وجود الجن والسحر والعفاريت ضمن الرواية، بل في غياب الوعي الكافي بما تفعله هذه الصور في العقل الجمعي. هذه الروايات لا تثير الشك أو الدهشة الخيالية، بل الخوف، لأن القارئ يؤمن بإمكانية حدوث هذه الأحداث ، كيف يمكن أن تُسمى فانتازيا إذا كان الجمهور يقتنع بوجودها؟ هذا التناقض يجعل هذه الروايات أقرب إلى الرعب منها إلى الخيال الإبداعي، ويفقدها جوهرها كأدب يحفز على الابتكار بعيداً عن اليقينيات. يمكن أن تكون الفانتازيا في بعض الحالات ، استباقية لواقع مستقبلي يتحقق مع مرور الزمن، مما يبرز الفرق الجوهري بين الخيال الإبداعي الذي يحفز التقدم ، والروايات التي تعتمد على الخرافات الراسخة ، في الخيال العلمي الغربي، على سبيل المثال، تنبأت روايات وأفلام عديدة بتقنيات وأحداث أصبحت حقيقة، لأنها تنبع من عقول مدربة وواسعة الآفاق، قادرة على استشراف الممكن بناءً على معارف علمية ، ففيلم “Contagion” (2011) لستيفن سودربيرغ، الذي يصور انتشار فيروس قاتل يؤدي إلى إغلاق عالمي وكارثة صحية، تنبأ بدقة مذهلة بجائحة كورونا في 2020، بما في ذلك الإجراءات مثل الحجر الصحي والتدابير الطبية ، كذلك، روايات إيزاك أسيموف مثل I, Robot” (1950) تحدثت عن روبوتات ذات عقول اصطناعية تقوم بمهام يومية وجراحات طبية، وكانت تبدو مستحيلة في عصرها، لكنها أصبحت واقعاً اليوم مع تطور الذكاء الاصطناعي والروبوتات الجراحية مثل نظام (دا فينشي ) الذي يجري عمليات دقيقة ، وفي رواية جول فيرن (باريس في القرن العشرين ) (1863)، تنبأ الكاتب بسيارات تعمل بالبنزين، أسلحة دمار شامل، وحتى تغير المناخ، وهي أفكار كانت تبدو خيالية لكنها تحققت مع الثورة الصناعية والتحديات البيئية الحديثة ، هذه الأمثلة تؤكد أن وجود فكرة في ذهن شخصاً ما ، خاصة إذا كان ذهناً مدرباً على العلوم والابتكار ، يعني إمكانية تحقيقها على أرض الواقع، حيث يصبح الخيال محفزاً للعلماء والمخترعين ، كما أن العقل المُدرب قادر على قراءة تحولات الحياة وتطورها ، بخلاف ذلك، الروايات العربية التي تدور حول الجن والعفاريت لا تستبق المستقبل بل تعيد إنتاج خرافات قديمة، تعتمد على عقول محصورة في الغيبيات، مما يعيق التقدم بدلاً من دفع عجلته إلى الأمام . هنا، يصبح الخيال مختبراً للمستقبل: يدرب العقل على سؤال ( ماذا لو؟ ) ، خيال يوسّع أفق الفعل البشري ويحفز على الابتكار والتفكير النقدي . في المجتمعات التي تنتشر فيها روايات الجن والعفاريت كحقيقة غيبية، يظهر نمط آخر من التعامل مع الواقع المتغير، حيث يتم رفض الأحداث أو التقنيات الجديدة التي كانت تبدو خيالية سابقاً، وتحويلها إلى مؤامرات أو أعمال شيطانية، بدلاً من الاعتراف بها كثمرة للعقل البشري الإبداعي ، هذا النمط يعكس عدم قدرة العقل الذي يتعاطى مع الخرافات على استيعاب التغيير، مما يؤدي إلى تفسيرات تآمرية . في غياب ثقافة التفكير المركب، يميل الوعي الجمعي إلى اختزال الأحداث الكبرى في جهة واحدة، لأن تعدد الأسباب (علمية، اقتصادية، سياسية، بيئية، أخطاء بشرية) أكثر إرباكاً من فكرة المؤامرة الواحدة ، هذا النمط التفسيري يعيق الاستفادة من الابتكارات، ويعزز الخوف من (الآخر ، سواء غربياً أو غيبياً ) مما يجعل المجتمعات أكثر عرضة للعزلة الثقافية والتخلف . الفارق ليس في الذكاء، بل في نموذج تفسير العالم ، الخيال الذي يدربنا باستمرار على وجود قوى غير مرئية تتحكم بالمصائر، يجعل من السهل أن نرى في كل تحول كبير (فاعلًا خفياً ) أما الخيال الذي يدربنا على الاحتمال والتعقيد، فيجعل سؤالنا : كيف حدث هذا ؟ في السياق العربي، يظهر تناقض لافت: من جهة، جهود رسمية وتعليمية لمواجهة الخرافة، تعزيز التفكير النقدي، تقنين أعمال الشعوذة، وحملات توعية ضد استغلال الناس عبر تفسير الأحلام أو فك السحر ، ومن جهة أخرى، ازدهار سرديات أدبية ودرامية تضخم حضور الجن والسحر كفاعلين يوميين في الحياة ، هذه السرديات عن قصد أو غير قصد تغذي مناخاً ثقافياً يمنح خطاب المشعوذين ومفسري الأحلام قابلية تصديق أعلى، خاصة في مجتمعات تربط بعض الظواهر النفسية أو الاجتماعية بالتلبس أو السحر. الاستمرار في هذا التناقض سوف يعزز من الارتباك الثقافي، بينما يمكن للأدب أن يكون أداة تنوير فاعلة وعميقة وطويلة المدى . في هذا الجانب ، يبرز دور الكاتب كعامل حاسم في تشكيل الوعي الجماعي، حيث يمكن أن يكون جزءاً من الصورة الكاملة للمجتمع أو مساهماً في تعزيز خرافاته ، إذا كان الكاتب ذو وعي ضعيف، يعتمد على الجن والعفاريت في أعماله تحت مسمى الفانتازيا أو الخيال ، فهو ربما ينتمي إلى ملايين الناس الذين يؤمنون بقدرة هذه الكائنات الغيبية على تدمير حياة الأفراد ، لكنه يمتلك ملكة الكتابة التي تحول أفكاره إلى أعمال تؤثر على الجمهور ، تاريخياً، في الأدب العربي القديم، كان الشعراء مثل الأعشى (توفي بعد 625 م) يدعون أن إلهامهم يأتي من (جني صديق ) يُدعى مشحل، أو كما في قصص أخرى حيث يُعتقد أن الشعراء يتلقون إلهامهم من ( إخوة الجن ) ، مما يعكس دمج الخرافات في الإبداع الأدبي ويعززها كجزء من الثقافة ، كذلك، في ألف ليلة وليلة ، التي تُعتبر مصدراً للقصص الخرافية، يُنظر إليها كمجموعة من الخرافات المصنوعة ، حيث يُستخدم الجن لشرح الظواهر الغامضة، مما يعزز المعتقدات الشعبية بدلاً من محولة تفسيرها وتفكيكها ، هذا النهج يجعل الكاتب، عن قصد أو غير قصد، مشاركاً في نشر الجهل، خاصة في مجتمعات تجعل من الكائنات الغبيه والسحر والعين ، مصدراً لأمراضها وشماعة لفشلها ، أما الناقد، فيجب أن يتجاوز أدوات النقد التقليدية مثل اللغة، البنية، والانتشار، ليتبنى نظرة أوسع تركز على التأثير الاجتماعي للأعمال ، وذلك من خلال تبني نهج لتقييم الأدب كعامل يشكل الوعي الجماعي ، بهذا، يصبح النقد مسؤولاً عن توجيه الأدب نحو التنوير، محاسباً الكتاب الذين يعززون الخرافات ، أو يكرسون نموذج الفاعل الخفي في تفسير العالم .