تأملاتٌ هادئةٌ في «شرفات».
[ الجزء الثالث ] من عادةِ بعضِ الملاحق الثقافية إتاحة المجال لكاتبٍ ما أو ناقدٍ ما كي يتناول مواد الملحق السابق بالنقد والتحليل والمتابعة وتسليط الإضاءات الكاشفة على المعتدل والمائل والرصين والذابل من آراءٍ أو حواراتٍ أو نصوص. هنا أردتُ تمثّلَ تلك التجربةِ الجميلة ، محاولًا إلقاء الضوء على بعضِ ما نُشِرَ في « شرفات » والاشتباك مع بعض الآراء والأفكار والنصوص التي وجدتُني معنيًّا بها وقد مسَّتْ في أعماقي وترًا ما فاستجَبْتُ لما اقترحَتْهُ عليَّ من دندنات. على أملِ أن يتواصل هذا التنزه الهادئ في بساتين « شرفاتنا » الوارفة في أعدادٍ قادمةٍ أخرى بإذن الله.. 1 في العدد السابع من “ شرفات “ كتبَتْ هلا الوقداني في مطلع نصها “ هروبٌ متعمّد “ : “ هربتُ من الشعر لأنه كان يعرفني جيّدًا يعرفُ قبلتي النهمةَ وعناقي الشاسعَ ونظرتي الراقصةَ ولمستي المخملية “ انحزتُ قليلًا إلى هذا المطلع ، ومضيتُ أتلو النصَّ كاملًا ؛ طمعًا في العثور على جمرة القصيدة ووهج الشعر الذي قالت هلا إنها هربتْ منه ! في سياق قراءتي لهذا النص كنتُ أمنّي النفسَ بالقبض على شعريةٍ جديدة ، وعلى صورٍ مغايرةٍ ومدهشة ، وعلى مضمونٍ يقفزُ عاليًا فوق أسوارِ ما تواطأنا عليه وعلى بوحٍ متفردٍ ومتجاوزٍ لما قِيلَ قبلًا ، بيد أنّي وجدتُها تقول : “ كان يعرف ألمَ دمعي المنضبط وقسوة يأسي الواثق وإصرار قصيدتي المنسية “ هنا لم أجدْ ما كنتُ أمنّي النفسَ به ، أو ما كنتُ أبحثُ عنه في هذا النص من شعر مختلف عن السائد والمتفق عليه ، وهنا تساءلتُ بهدوء : لماذا أصرَّتْ هلا على ما يشبه القافية في ختام المقطعين السابقين ( المخملية / المنسية ) ما دام النصُّ يميلُ إلى أن يكونَ من سلالةِ “ قصيدة النثر “ ولا ينتمي إلى شجرةِ قصيدة التفعيلة ؟ هذا السؤالُ يفتحُ الكثيرَ من الأسئلةِ منها هذا السؤال : كيف يغامرُ أحدُنا بالدخولِ إلى فضاءِ الكتابةِ الشعرية وهو لا يدركُ الفرقَ بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر ؟ أو بين القافية في النص الشعري القريب من تخوم قصيدة التفعيلة والسجع الذي كان حاضرًا بكثرةٍ في الكتاباتِ العربية القديمة ؟ وبصراحةٍ أقول : كنتُ حَسُنَ الظنِّ عندما وصفتُ هذا النصَّ بأنه يكاد يميلُ إلى “ قصيدة النثر “ ، لكنّي عندما قرأتُ هذا المقطع تحديدًا : “ كان يقيسُ المسافةَ الصعبةَ بيننا ويحسبُ العمرَ العنيدَ بدوننا ويبصرُ ظلامَ المستحيل فينا “ وصلتُ إلى يقينٍ قاطعٍ مفادُهُ أن نصَّ هلا الوقداني هذا لا يعدو كونه محضَ “ خاطرة “ ، وأنه لكي يكونَ مؤهلًا للانتماء إلى شجرةِ الشعر يحتاجُ منها إلى شغلٍ كبيرٍ ومُضْنٍ على مستوى اللغة ، وعلى مستوى الصورة ، وعلى مستوى المضمون الذي بدا لي مضمونًا مستهلكًا وقد طرقَ بابَهُ الكثيرون منذ أزمنةٍ بعيدة. 2 في نصِّهِ عن “ الغبار “ يؤكدُ الشاعرُ المبدعُ عبدالوهاب أبوزيد على أن المبدع الحقيقيَّ بوسعِهِ أن يبتكرَ من التافهِ والعابرِ والبسيطِ وما ليس يُكْتَرَثُ بهِ جمالًا آسرًا وإبداعًا عميقًا يديرُ إليهِ الأعناق. “ فصوصُ الغبار “ - نَصُّ عبدالوهاب المنشور في العدد الثامن من “ شرفات “ - أسرني كثيرًا لفكرتِهِ في المقام الأول ، هذا إذا كان ثمة شعرٌ ينهضُ على الأفكار ، فشاعرنا حين كتبَ نَصَّهُ رأى في “ الغبار “ مادةً إبداعيةً تعني فيما تعنيه الفَنَاءَ والهَبَاءَ والعدمَ والانطفاء، فالعدمُ هو الحقيقةُ العميقةُ المؤكدةُ المقابلةُ لهذا الوجودِ الذي يؤولُ إلى فَنَاءِ..فناءٍ للإنسانِ والكونِ والطبيعةِ والكائنات ،فمن اليقينِ أنَّ كلَّ هذا وسواه موعودٌ بالفَناءِ في نهايةِ المطاف ، وأنّ هذا الوجودَ في تجلياتِهِ جميعًا يبصرُ نفسَهُ عَدَمًا ونِثَارًا وتلاشيًا في مرايا الغياب ، يتكدَّسُ في مفردةٍ صغيرةٍ من ستةِ حروفٍ هي “ الغبار “. هذا الغبارُ على حقارتِهِ وانطفاءِ قيمتِهِ هو “ رسائلُ الموتى التي لا يقرؤها أحد “ ، لكنَّ الشاعر الجميل عبدالوهاب التفتَ عميقًا إلى تلك الرسائل و استطاع أن يقرأها وأن يفكَّ رموزها التي ربما غمضتْ أو التبسَتْ على أكثرنا نحن معشر القراء . هذا الغبارُ التافهُ الذي بلا قيمةٍ أضحى ذا قيمةٍ وذا لغةٍ مقمرةٍ أيضًا وتحديدًا حين تحدّثَ بلسانهِ الفصيحِ صديقُنا عبدالوهاب في هذا النص الجميل حيث الغبار هنا يفصحُ عن ماهيتهِ وعن حقيقةِ وجودِهِ هكذا : “ أنا الغبارُ لا أحدْ سوايَ.سوفَ يَرِثُ الوجودَ والفناءَ للأبَدْ “. الغبارُ - كما يفصحُ عن نفسِهِ وكما تعبّرُ عنه لغةُ عبدالوهاب البسيطةُ والعميقةُ معًا - هو الوريثُ الوحيدُ لهذا الوجودِ حين يستحيلُ عدمًا وعلامةً كبيرةً دالَّةً على فناءٍ أبدي : “ أنا الغبارُ سيّدُ المراثي ، وسادِنُ المرايا ووارثُ الورى أنا الذي لفرطِ ما رأيتُ لم أعُدْ أرى وانطفأتْ كالشمسِ مقلتايا “ بهذه الفرادةِ اللغويةِ الأصيلةِ يدندنُ عبدالوهاب ببراعةٍ مؤكدًا فكرةَ الانطفاء من دون تفلسفٍ كبيرٍ أو حذلقةٍ عمياء ، ومن دون رطانةٍ كتلك الرطانةِ التي يلوذُ بها ذوو المواهب الشحيحة في كتابةِ نصوصهم ظنًّا منهم أنهم ينجزون إبداعًا عميقًا مغايرًا وهو في الحقيقةِ محضُ هباءٍ مغلقٍ على نفسه وعلى المتلقي ويضربُ حول معناه أسوارًا عاليةً وحصونًا منيعة ؛ وهو لهذه الأسباب - وأعني هنا الإبداع المسكون بالغموض - لا يلمسُ وترًا في القلبِ ولا يمكثُ في الأرض. “ أنا الغبارُ سيّدُ المراثي ، وسادِنُ المرايا ووارثُ الورى أنا الذي لفرطِ ما رأيتُ لم أعُدْ أرى “. ثمة جمالٌ ساحرٌ يكمنُ في هذا المقطع جعلني أتلذذُ بقراءتهِ مراتٍ عديدة ، وكنتُ - والحال هذه - أبدو كمن أصيبَ بمسٍّ أنيق ، أرددُ هانئًا وممتلئًا بهذا الجمالِ الذي لم نَعُدْ نقبض عليه إلا نادرًا في فضائنا الشعريِّ المدجج بالكثيرِ من الزيفِ والنصوص الهزيلة. إن عبدالوهاب هنا ينتصرُ للشعر البسيط العميق الذي يعيد إلى الذائقةِ ذلك الجوهرَ الثمينَ الذي يلمعُ في الوجدان ويتألق في الزمن. يقولُ شاعرُنا على لسان هذا الغبارِ الفصيح : “ أنا الذي أغيبُ إنْ غُيِّبْتُ كي أعودْ كأنني الفناءُ ، أو كأنني الخلودْ “ في هذه الغنائيةِ العذبةِ يكمنُ عمقٌ مدهشٌ يعيدُ إلى الغنائيةِ وقارَها الجميل ، كذلك يكمنُ هنا إيقاعٌ آسرٌ أخذني من أطرافِ أصابعي إلى ضفافِ شعرٍ يعتني بالمعنى والمبنى معًا وتركَ في أعماقي أثرًا رائعًا كأثرِ غيمةٍ مليئةٍ على شرفةِ الوقت أو كأثرِ فراشةٍ مشاغبةٍ ترفرفُ على غصنٍ صغيرٍ لريحانةِ القلب ، بل حلَّقَ بي هذا المقطعُ الذي نأى عن الثرثرةِ بعيدًا ، تلك هي مهمةُ الشعرِ كما أدركْتُها من تجربتي القرائيةِ الطويلةِ : أنْ يمنحكَ أجنحةً كثيرةً أنيقةً كي تطير. إن هذا الفَنَاءَ المتمثلَ في “ الغبار “ الذي يحملُ رسائلَ الموتى يجعله عبدالوهاب شعرًا خالصًا صافيًا كنبع ، شعرًا نجا من الشعار الذي انتصرَ في كثيرٍ من القصائدِ في ساحتنا المحلية و العربية على الشعر ، كما نجا من سطوةِ الأدلجةِ وهلاوسِ الغموضِ غير المبرر الذي يجعل النصوصَ محضَ طلاسم تكرّسُ عدمًا على عدمٍ وتُرَاكِمُ عتمةً فوق عتمة. هنا في هذا المقطع يعيد عبدالوهاب إلى الشعر فتنتَهُ الجميلةَ الأولى التي تقيمُ طويلًا في حدائقِ الروحِ وفراديس الوجدان : “ إنْ أردتمْ تأمُّلَ غايةِ ما تنتهون إليه وأسرارها ، حدّقوا في عيوني. أو أردتم قراءةَ ما خَطَّهُ قبل أنْ يترحَّلَ أسلافُكم من رسائلَ ما جفّفَ الموتُ أحبارَها ، فقفوا واقرأوني. (...) أنا الساخرُ الأبديُّ المقهقهُ من حلمكم بالخلودْ. كلُّ مَنْ مَرَّ منكم ومَنْ سوفَ يومًا يمرُّ بهذا الوجودْ واردّ من معيني “. بعد هذا الجمالِ الكامنِ في هذا المقطع أعلاه ، وفي سائر النص ، هل أبالغُ إذا قلتُ إن عبدالوهاب يعيد إلينا عبر هذه الترانيم العذبةِ نضارةَ السيّاب ، وفرادةَ محمود البريكان ، ونداوةَ فوزي كريم وسواهم ؟ من دون أن يستنسخَ تجاربهم ، ومن دون أن يكون صدًى ذابلًا لهم ، أو ظلًّا باهتًا لقاماتهم المديدة. أخيرًا أقول : ما كتبتُهُ هنا ليس مدائحَ فارغةً لعبدالوهاب وغباره الجميل ، فعبدالوهاب ليس بحاجةٍ إلى شهادتي ، فهو صوتٌ شعريٌّ أصيل ، ومثقفٌ منفتحٌ على ضفافِ تجارب شعرية عربية أصيلة ، ومترجمٌ بارعٌ منفتحٌ كذلك على ضفافٍ إبداعيةٍ أخرى عند أقوامٍ آخرين اقتربَ من عوالمهم وقرأهم بلغتهم الطازجة وأفادَ مما يقولون ومما يكتبون. 3 في العدد الثامن من “ شرفات “ - وهو من أكثر الأعداد تميزًا وثراءً - لفت انتباهي مقالٌ رائعٌ لعهود عريشي بعنوان “ الفيلم السعودي نورة قفزةٌ سينمائية “. في هذا المقال عرفتُ عهودًا على المستوى الشخصي والفكري معًا ، فهي سيدةٌ مستنيرةٌ تتوقُ للحرية ، وهي كذلك منحازةٌ للفضاءاتِ المفتوحةِ في الحياة ، وهي تقفُ بثباتٍ ضد الغلق والمنع والحَجْر والتضييق ، وهي تقف في صفِّ الاستنارة بمعناها الجوهري الواسع ، وما استنارةُ المرأةِ التي كانت تعاني من قيودٍ كثيرةٍ في مجتمعنا إلا جزء يسير من تلك الاستنارة الاجتماعية العريضة التي تهجسُ بها عهود..فهي مع حرية الرأي والتفكير والمشاهدة والقراءة وضد ثقافة القطيع وضد أن يكون الفردُ محضَ عودٍ في حزمةٍ أو محضَ غصنٍ عاطلٍ في شجرةٍ هزيلة. في تناولها لفيلم “ نورة “ - الذي كان يُعْرَضُ في صالات السينما لدينا والذي عُرِضَ في مهرجان البحر الأحمر السينمائي وشارك في مهرجان “ كان “ ونالَ تنويهًا خاصًّا من لجنة المسابقة - لمستُ وعيًا عاليًا وأصيلًا وعميقًا في انحيازها لمضامين ذلك الفيلم ولمحتواه الذي يقف في صف “ نورة “ - وهي هنا ترميزٌ ذكيٌّ للمرأة السعودية الباحثة عن النور في واقعٍ كان يمعنُ في التجهم والعبوس والرؤى الداكنة. في ذلك التناول تحدثتْ عهود عن “ نورة “ المحجوبة عن حراك الحياة وعن المباهج المشروعة ، فهي “ تجلس خلف شبّاكها الليليِّ تتصفحُ مجلتها التي أخفتها عن الأعينِ نهارًا وتسمع أغنيتها التي تحب بعيدًا عن الأسماع ،تختلس مسراتها الصغيرة تحت جنح الليل وتحلم ، وأكبر أحلامها أن ترى الحياة بالألوان ، وأن تكون لها صورة ، وأن تشاهد فيلمًا أو أغنيةً لكنها اكتفت بالاستماع إلى شرائطها المهترئة بعد أن تُطفأ الأضواءُ وينام الجميع “. حين فرغتُ من قراءة مقال عهود عريشي قررتُ أن أطاردَ طيوفَ مقالاتِها الأخرى التي لم تتحْ لي الفرصةُ لقراءتِها ومعرفةِ منطلقاتها الثقافية وينابيعها الفكرية ومرجعياتها الجمالية. هنا - وبعد قراءةِ ما كتبَتْ - اكتشفتُ أنها لا تصدرُ في كتاباتها من فراغٍ بل من قراءاتٍ مختارةٍ بعناية ، وأنها قارئةٌ جيدةّ تحسنُ اصطفاءَ ما تقرأ ، فهي قارئةٌ لكوكبةٍ مضيئةٍ من الكُتّابِ أذكر منهم نيتشه ، وكازنتزاكيس ، وهرمان هسه ، وإريك فروم ، وتسفايغ وسواهم. عهود ليست قارئةً فحسب ، بل هي كاتبةٌ متمكنةٌ من أدواتها ومن رؤاها ، تكتبُ عمَّا وعمَّنْ قرأتْ بحصافةِ من يحملُ توقًا كبيرًا إلى المعرفة والثقافة واصطياد النور ، أقولُ هذا بعد أن قرأتُ مقالها الطويل الجميل عن “ كازنتزاكيس “ المنشور في “ اليمامة “ ، إنها على وعي كاملٍ ودرايةٍ عميقة بعوالم كزانتزاكيس صاحب “ زوربا “ و “ تصوّف “ و “ المسيح يُصلب من جديد “ ، وفي مقالها الذي بعنوان “ كازنتزاكي ما بين زوربا والإنقاذ الإلهي “ تناولتْ الحسَّ الصوفيَّ لديه وتحدثت عن شغفه بالحرية ، ذلك الشغف الهائل الذي يتجلى في كتاباته وفي مقولاته الذائعة إذْ يصرخُ بصوتٍ عالٍ : “لا أمَّلُ شيئًا ، لا أخافُ شيئًا ، أنا حُرٌّ “. إن ثيمة “ التحرر “ - أو “ الحرية “- تسكنها عميقًا ، ولهذا تجدها حاضرةً في جُلِّ تنويهاتها وإضاءاتها عن الآخرين أو عن كتبهم وأفلامهم وأغانيهم ، إنها مثلًا ترى أن هرمان هسه - الحاصل على جائزة نوبل - يرى أن “ الفناءَ هو الوجهُ الآخر للتحرر ، وأن الإنسان لا يولدُ حقًّا إلا حين يواجه الخوف في اللحظة التي يتساوى فيها الموتُ مع الحياة “. وفي موضوعة “ الحرية “ وإلحاحاتها نجدها تحفرُ عميقًا في كتابات “ إريك فروم “ ، خصوصًا وهو يتناولُ فكرة “ الخوف من الحرية “. بالرجوع إلى مصادر ثقافة عهود عريشي تأكد لي أنها ليست قارئةً للكتب السردية أو الفكرية فقط ، بل هي قارئةٌ للسير الذاتية أو الغيرية أيضًا أو مشاهِدَةٌ لها في تجلياتها الإبداعيةِ الأخرى حين استحالت أعمالًا سينمائية. يدعم كلامي هذا تناولُها لفيلم “ ستيليوس “ وهو سيرةٌ ذاتيةٌ جميلةٌ وممتعةٌ عن الفنان اليوناني الذي يحمل الفيلمُ اسمه..تصفه عهود بأنه “ صوتٌ مندفعٌ نحو الحياة ، مفعمٌ بالشجن لدرجة أنك لا ترغب في أن يتوقف عن الغناء ، كيف لا وهو الذي تحمل أغانيه الألم الإنساني ، وعذابات الهجرة ، والظلم الاجتماعي ، والحب الحزين “. في كتابةٍ لها عن كتاب “ عالم الأمس “ لتسفايغ ، أسرتني رؤيتها عن “ أوربا التي آمنت بالعقل والثقافة والإنسان وهي تتراجع ، إذْ بَدَتْ كما لو أنها مسرحٌ للجنون والخوف والكراهية “ وأن حضارتها “ يمكن أن تنهار دون ضجيج “. أسرتني أيضًا إضاءتُها عن هذا الكتاب لذي لا يحملُ “ حنينًا إلى الماضي ، بل هو مواجهةٌ قاسيةٌ مع فكرةِ أنَّ الإحساس بالأمان قد يكون وهمًا مؤقتًا وأن المنفى ليس جغرافيًّا ، بل هو منفى نفسيٌّ وأخلاقي “. عهود أيضًا ذات ثقافةٍ سينمائيةٍ عريضة ، يتجلى ذلك بوضوح في كتاباتها المدهشة عن أفلامٍ بديعةٍ وعميقة ، في زاويتها “ تأملات سينمائية “ في مجلة “ اليمامة “. أشير هنا تحديدًا إلى كتابتها عن فيلم “ قراءة لوليتا في طهران “ المقتبس من كتاب مذكرات شهير للكاتبة الإيرانية أذار نفيسي ، وهو يروي تجربتها الحقيقية مع مجموعة من طالباتها في طهران خلال فترة اجتماعية وسياسية شديدة الاضطراب ، الفيلم يتناول نساءً يجتمعن سرًّا لقراءة ومناقشة الأدب المحظور في إيران ، مثل رواية “ لوليتا “ لديمتري نابوكوف و” غاتسبي العظيم “ لفرنسيس سكوت فيتسجيرالد ، في محاولةٍ منهن لفهم الذات والعالم بعيدًا عن الرقابة والقيود..وهنا تصبح قراءةُ الكتب فعلَ مقاومةٍ على المستوى الفردي والجمعي معًا. في إضاءتها عن فيلم “ نورمبرغ “ أدار رأسي وعيُها بما تشاهدُ وتقرأ ، خصوصًا حين قالت : “ الفكرة التي يطرحها الفيلم في المشهد الأخير ليست عن النازية بوصفها حدثًا تاريخيًّا بل بوصفها إمكانيةً كامنةً في الإنسان ، فالطبيب النفسي هنا لا يدافع عن المتهمين بل يسحبُ الجريمةَ من راحة الاستثناء الألماني ويعيدها إلى قلب الطبيعة البشرية ، فالشر في هذا المنظور لا يولد من الوحشية وحدها بل من العقل حين ينفصل عن الضمير ، وبهذا المعنى النازيةُ ليست شذوذًا بل تنظيمًا عقلانيًّا للقتل “. أخيرًا أقول إن الكتابةَ المميزة كما هي كتابة عهود عريشي هي حصادُ قراءةٍ عميقةٍ ومشاهدةٍ متأمِلَةٍ وإنصاتٍ مغايرٍ لمنجزاتٍ مغايرة. الكتابةُ المميزةُ لا تنهمرُ فجأةً من ثقبٍ في سقفِ البيت ، أو من فجوةٍ في مرايا السماء. 4 في العدد الثامن من “ شرفات “ أيضًا - وتحديدًا في باب “ نقاشات “ - كتبَتْ نورة السحيمي مقالًا رائعًا طربتُ له ، بعنوان “ نحو حماية الفن من الانزلاقات الخطرة “. في هذا المقال أعادتنا نورة إلى حوارٍ أثارَ الكثيرَ من الجدلِ والغضب وهو الحوار الذي أُجرِيَ مع أكاديميٍّ من بلادنا متخصصٍ في التاريخ..هي لم تذكرْ اسمَهُ ، وأنا تسرّبَ من ثقوبِ ذاكرتي المُجْهَدَة. هذا الأكاديميّ - الذي هبطَ علينا من ثُقْبٍ في سقفِ التاريخ حيث غبار المعارك وصليل السيوف ورايات النصرِ التي في المخيّلة وأنين الهزائمِ التي في الواقع - ضَلَّ طريقَهُ إلى الشعرِ فراحَ يتسلّى بالحديثِ عنه متوهمًا أنَّ حديثَهُ هذا هو حديثُ العارفِ الواثقِ مما يقول ! وهو هنا أرادَ ان تكونَ له حصةٌ سخيةٌ من الضوءِ في زمنِنا هذا ، زمنِ الزيفِ والوهمِ والخِفَّةِ والعتمةِ الثقافيةِ الضاربة ، زمنِ البحثِ عن الشهرةِ والذيوعِ ، وهي في الحقيقةِ “ أضواءٌ فاسدةٌ “ كما وصفَتْها الساردةُ التشيلية “ إزابيل الليندي “ صاحبةُ “ الحب والظلال”. فجأةً ، هذا الذي ملأ الدنيا وشغلَ الناسَ قرّرَ أن يُسْقِطَ الشاعرَ العربيَّ الكبيرَ نزار قباني من عَرْشِ الشِّعْرِ بجرةِ قلمٍ هزيلٍ و بتصريحٍ عابر ، قائلًا : “ نزار ليس شاعرًا “ ، هكذا من دون أن يمتقعَ وجهُهُ بحُمْرَةِ الخجلِ ، ومن دون أن يتريث قليلًا أو “ يشكَّ “ - مجرد شك - في مقولتهِ المليئةِ باليقينِ الضريرِ ، مقولتِهِ التي لا تحتكمُ إلى أيِّ معيارٍ نقديٍّ حقيقيٍّ أصيل. في مقالها قالت نورة بصدقٍ نبيلٍ : “ توجعتُ بشدّةٍ حينما قالَ مقدمُ اللقاءِ لضيفهِ : وكأنك إذا أسقطتَ شاعرية نزار أسقطتَ معها شاعرية بدر بن عبدالمحسن ومحمد الثبيتي وغيرهما “ ، وأضافت : “ شعرتُ بطعنةٍ في خاصرةِ الإبداع ، وشعرتُ بأن الشعورَ قد قُتِل “ ، ووصفتْ نورة رأيَ هذا الأكاديميّ الباحثِ عن الشهرة بأنه “حُكْمٌ بإعدام الشاعريةِ بكلمةٍ واحدةٍ انطلقتْ كالرصاصةِ القاتلة “. أنا منحازٌ لمقال نورة السحيمي ؛ لأنها محقّةٌ في قولها هذا الذي تفصحُ فيه عن إحساسٍها العميقِ بالوجع ؛ لأسبابٍ كثيرةٍ أهمها أنَّ هذا الرأيَ السريعَ الجائرَ الذي أطلقه هذا الرجلُ في هذا الهواءِ المستعمَلِ كطلقةٍ مجانيةٍ ما هو إلا حكمٌ طائشٌ صادرٌ عَمَّنْ يجهلُ الشِّعْرَ ، وهو حكمٌ لا يصدرُ عن حِسٍّ جماليٍّ أو مرجعيةٍ نقدية. أن تنسفَ قامةً شعريةً كبيرةً وعاليةً كنزار بحفنةٍ من الكلمات التي لا قيمة لها إنما هي محاولةٌ جائرةٌ لحصدِ الذيوع المجانيِّ في زمن “ الترند “ الفارغ على حسابِ تاريخٍ طويلٍ من الجمال الذي كرّسَهُ نزار على مستوى الشعر والنثر والأغنية ، ليس فقط على مستوى دمشق وليس على مستوى القُطْرِ السوري فقط بل على مستوى الوطن العربي الكبير الممتد من الدمعةِ للدمعة. تجربةُ نزار ليست حكايةً صغيرةً مُسَرَّبَةً خِلْسَةً من ثقبِ باب، بل هي تجربةٌ شعريةٌ ثريّةٌ ومبدعة ، يكفي أنها حررتْ القصيدةَ العربيةَ البيتيةَ من تلك اللغةِ الرتيبةِ المحشورةِ في مخازنِ الغبار ، ويكفي أنها أنقذَت النصَّ البيتيَّ من تلك الصورِ المُستَهْلَكَةِ و من الاجترارِ الذي أفسدَ الشعرَ والذائقة. أخيرًا أقول : أحببتُ مرافعةَ نورة السحيمي عن تجربة نزار قباني ، ودفاعَها عنه ؛ لأنه دفاعٌ نبيلٌ عن الجمالِ الذي يستحقُّ أنْ يبقى في الزمن وأنْ يمكثَ في الأرض.