صراع المتشابهين: إسرائيل وإيران.
ثمة حروب تبدأ من تشابهٍ خفيّ في النفوس، من انجذابٍ غامض بين أطرافٍ تتقاسم البنية ذاتها وإن اختلفت الشعارات، فالصراع في جوهره بين صورتين متقابلتين من الشرّ نفسه، تتجاذبان حتى الاصطدام وتلتقيان عند لحظة الاشتعال لتؤكدان أن المتشابهات مهما تنكّرت لا تملك إلا أن تتعارف ثم تتصارع. حين ننظر إلى مشهد “التورط في الحرب” بوصفه نتيجة تتضح الفكرة أكثر؛ فالدول التي تنزلق إلى النزاع كثيرًا ما تكون مدفوعة بنمط قيادي يرى في الصدام وسيلةً لإثبات الوجود، أو لتصدير أزمات الداخل إلى الخارج، أو لإعادة تشكيل صورته أمام جمهوره. هنا تتقاطع الخطوط وتصبح القيادتان، ولو بدتا متخاصمتين، متشابهتين في البنية الذهنية: كلاهما يبحث عن المعركة وكلاهما يجد في التوتر وقودًا للاستمرار، وكأنهما يلتحمان في الشرّ ذاته، بوصفه سلوكًا سياسيًا قائمًا على صناعة الأزمات. إن القول بأن “المتشابهات يتجاذبن” قاعدة يمكن إسقاطها على العلاقات الدولية، فالأنظمة التي تقوم على منطق التصعيد والتوتر وإعادة إنتاج الخصوم، لا تستطيع أن تعيش في بيئة هادئة لأنها تفقد مبرراتها. لذلك فإنها تبحث، بوعي أو بغير وعي، عن طرف يشبهها في البنية حتى لو كان خصمًا، لأن الصراع بينهما يصبح مفهومًا ومغريًا وممتدًا. في هذا الإطار، يمكن قراءة العلاقة المتوترة بين إسرائيل وإيران بوصفها مثالًا صارخًا على تشابهٍ شر يقود إلى صراع. ثمة قواسم مشتركة في طريقة إدارة التوتر: تصعيد مستمر، توظيف للصراع في تثبيت الشرعية الداخلية، واستدعاء دائم لفكرة الخطر الخارجي كوقودٍ سياسي. كلا الطرفين في لحظات كثيرة يسعى إلى الفعل وإلى خلق بؤر توتر جديدة، وكأن الاستقرار حالة غير مرغوبة لأنها تُفقد مبررات الصراع. في المقابل، فإن غير الشبيه ينفر ولا يتجاوب. هذه قاعدة أخرى تفسر كثيرًا من مواقف الدول والمجتمعات التي تختار الحياد أو التهدئة. فإذا كان مستوى الوعي مختلفًا يصبح التفاعل عسيرًا والصراع غير مجدٍ. كيف يمكن لطرفٍ يسعى إلى الاستقرار أن يتجاوب مع طرفٍ يتغذى على الفوضى؟ وكيف يمكن لمن يرى في البناء أولوية أن يدخل في لعبة الهدم؟ هنا لا تكون الحكمة ضعفًا، انها وعيًا بطبيعة الاختلاف وإدراكًا أن عدم الانسجام يلغي جدوى الاشتباك. إن هذا النمط من التفكير يفسر لماذا تترك بعض الدول ساحات الصراع دون أن تنخرط فيها، وتختار أن تنشغل بمسارات أخرى، اقتصادية أو تنموية أو إنسانية. فهي تدرك أن الدخول في جدلٍ لا ينتهي مع طرفٍ لا يشبهها لن يفضي إلى نتيجة، هذا الأمر سيستنزفها. وحين لا يجد الطرف الآخر استجابة يبحث عن خصمٍ بديل، وعن ساحةٍ أخرى، وعن صراعٍ جديد يحقق له التفاعل الذي يريده، كما هو حاصل في الحرب بين إسرائيل وإيران. في هذا السياق يبرز نموذج معمر القذافي بوصفه مثالًا تاريخيًا على القيادة التي كانت تبحث عن الصراع، لقد حاول مرارًا أن يمدّ خيوط الصدام إلى دول الخليج، غير أن هذه المحاولات لم تلقَ الاستجابة التي كان يتوقعها. وكان ذلك تعبيرًا عن مستوى مختلف من الوعي السياسي، وعن إدراك أن الدخول في سجالات مفتوحة مع نمطٍ كهذا لن يؤدي إلا إلى استنزاف متبادل. في تلك المرحلة كانت دول الخليج تمضي في اتجاه مغاير تمامًا، حيث كان التشابه بينها قائمًا على قيم التعاون والتكامل وتعزيز المصالح المشتركة. لم يكن هذا التشابه باعثًا على الصراع، لأن البنية هنا مختلفة: بنية تبحث عن البناء، وليس عن الصراع. ولذلك شهدت تلك الفترة مشاريع طموحة، مثل مجرد فكرة توحيد الجواز، إلى العملة الموحدة، إلى تعزيز الهوية المشتركة، كان التشابه هنا ينتج انسجامًا لا تنافرًا. وهذا يقودنا إلى فكرة محورية: إن نوع التشابه هو ما يحدد النتيجة. فحين يكون التشابه قائمًا على النزعة إلى الهيمنة أو على البحث عن الأزمات فإنه يقود إلى التصادم. أما حين يكون قائمًا على التعاون وعلى الرغبة في الاستقرار فإنه يقود إلى التلاحم. وهنا تتضح المفارقة: الشرّ يتشابه فيدفع نحو الحرب، والخير يتشابه فيدفع نحو السلام. غير أن الخير والتنوير في هذا السياق، لا يعنيان الضعف كما قد يتوهم البعض. فالدولة التي تختار عدم الانخراط في الصراعات لا تفعل ذلك لأنها تدرك كلفة تلك الصراعات وتفهم أن الدفاع عن النفس لا يقتضي الانجرار إلى كل معركة. إن القوة هنا تتجلى في القدرة على ضبط النفس وعلى اختيار المعارك بعناية وعلى حماية الشعوب والمصالح دون الوقوع في فخ الاستنزاف. يمكن تبسيط هذه الفكرة من خلال مثال حياتي بسيط: حين يعتدي شخص عليك وتقوم بالإبلاغ عنه، فإنك تترك القانون يأخذ مجراه. لا تتحول المسألة إلى مطاردة شخصية لا تنتهي، لأن ذلك سيستنزفك دون جدوى. أما إذا انزلقت إلى هذا المسار فإنك تدخل في دائرة ردود الأفعال التي لا تنتهي، حيث يصبح الصراع غايةً في ذاته لا وسيلةً لتحقيق العدالة. وهذا بالضبط ما يحدث على مستوى الدول، فالحروب مشاريع استنزاف بشري واقتصادي هائل. ميزانيات هذه الحروب قد تصل إلى مئات المليارات، بل إلى تريليونات الدولارات، وهي أرقام تعادل ميزانيات دولٍ كاملة لسنوات طويلة. وحين تتورط دولة في مثل هذا النزاع فإنها تبحث عن شركاء يخففون عنها العبء. هنا تتضح محاولة “استدراج الآخرين” إلى الصراع. فأمريكا وحليفتها إسرائيل الغارقة في الحرب مع إيران تدرك أن الاستمرار مكلف، فتسعى إلى توسيع دائرة المشاركة، سواء عبر التحالفات أو عبر الضغط السياسي أو حتى عبر إثارة المخاوف. غير أن دول الخليج العربي التي تمتلك رؤية واضحة لمصالحها، ووعيًا بكلفة الانخراط، تدرك أن الدخول في مثل هذا الصراع قد يعني التضحية بمستقبل شعبها واقتصادها. دول الخليج العربي تعتمد على عنصرين أساسيين في استقرارها: الأمن والتدفق المالي، أي خلل في هذين العنصرين ينعكس مباشرة على قدرتها على الاستمرار في مسارات التنمية. وإذا دخلت في حربٍ مكلفة فإنها تخاطر باستنزاف مواردها، وربما بالدخول في دوامة من الديون التي تمتد لسنوات طويلة. إن ضخ مئات المليارات في صراعٍ لا نهاية واضحة له يعني ببساطة تأجيل مشاريع التنمية وتقليص الاستثمارات، وربما المساس بالصناديق السيادية التي تمثل ضمانة المستقبل، والأسوأ من ذلك أن هذه الحروب لا تضمن نتائج حاسمة، ما يعني أن الكلفة قد تستمر دون عائدٍ واضح. من هنا يصبح الامتناع عن الانخراط في مثل هذه الصراعات قرارًا استراتيجيًا، لا موقفًا عابرًا. إنه تعبير عن وعيٍ بأن الحفاظ على الأمن والتدفق المالي هو أولوية، وأن الدخول في حربٍ استنزافية قد يقوّض هذين الأساسين. لذا من يحاول جرّ الآخرين إلى الصراع إنما يسعى، بشكل أو بآخر، إلى توزيع كلفة أزمته، ولا يسعى إلى تحقيق استقرارٍ مشترك. الحروب تكشف أكثر مما تخفي، إنها تفضح طبيعة القيادات وتُظهر التشابهات التي قد لا تبدو واضحة في زمن السلم. وحين نرى أطرافًا تتجه إلى الصدام باستمرار، فإننا ندرك أن بينها قواسم مشتركة، فالمتشابهات تتجاذب وفي كل الأحوال تعكس بعضها البعض. أما من يختار طريق البناء والاستقرار فإنه يعيد تعريف الصراع. فهو يدرك أن أعظم انتصار قد يكون في تجنب المعركة التي لا جدوى منها، وفي حماية شعبه ومقدراته، بدل الانشغال بما يمكن أن يُهدم.