كيف تعلّم الأستاذ أحمد أمين الإنجليزية؟
كان مُعلّمو الأستاذ “أحمد أمين” في مطلع شبابه يقولون دائماً: “أنّ مَن اقتصر على اللغة العربية يرى الدّنيا بعينٍ واحدة، فإذا عرف لُغةً أُخرى رأى الدّنيا بعينين”، ولهذا فكّر أن يتعلّم لُغةً أجنبية، وحار بين الإنجليزية والفرنسية، ثم فضّل الفرنسية اعتماداً على تعلّمه مبادئها في صِغره ولإتمامه دروسها إلى السنة الرابعة، عندما كان يدرس في مدرسة “والدة عباس باشا” المتميّزة في أوائل القرن العشرين، لكنه بعد فترة وجيزة أخفق في تعلّم الفرنسية، فرأى أن يُجرّب حظّه في الإنجليزية. وفي يومٍ من الأيام قابل أحد أصدقائه وجلسا في مقهى، وذهب الحديث فنوناً، إلى أن وجد صديقه يقول له إنه عثر على كتابٍ إنجليزي قيّم باللغة الإنجليزية بعنوان “التوحيد في الإسلام” Theology of Islam لمُستشرقٍ أمريكي اسمه “دانكن مكدونالد” Duncan MacDonald، وأخذ صديقه يُطري الكتاب ويحكي بعض آرائه. فشدّتْ مواضيع الكتاب “أحمد أمين”، وسأل صديقه إن كان يستطيع أن يذهب معه إلى مدرسة “برليتز” Berlitz ليُرتّب له دروساً في الإنجليزية - و”برليتز” مؤسّسة تعليمية تُركّز على الاندماج اللغوي الكامل والمُحادثة العملية والتعلّم التّفاعلي، بدلاً من الحِفظ الآلي - وأقسم أن يتعلّم، وأن يقرأ هذا الكتاب في لُغته الإنجليزية، وذهب إلى المدرسة ورتّب له دروساً ثلاثة في الأسبوع بمائة وخمسين قِرشاً. ثم أنه وُفّق إلى سيّدة إنجليزية في نحو الخامسة والخمسين من عُمرها، واسمها “مِسّ بور” Miss Power، كان مظهرها يوحي بالقوّة والسيطرة بالرغم من بساطة مظهرها، وكانت مُثقّفة ثقافة واسعة، إذ كانت تُجيد الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وكانت ذات رأيٍ تعتدّ به جريدة “التايمز” اللندنية The Times فتُرحّب بنشر مقالاتها. ثم هي رسّامة فنّانة، تأخذ أدواتها إلى سفح الهرم فترسم الصّور الزيتية لمنظر الأهرام وما يُحيط بها من المناظر الطبيعية الجميلة، وتقضي في رسمها الأيام والأشهر وتبيعها بثمنٍ كبير، ومع ذلك تقبل أن تُدرّس هذا الشابّ دروساً في اللغة الإنجليزية بجُنيهين كلّ شهر، وكانت لا تُعامله مُعاملة مُدرّسة لتلميذ، بل مُعاملة أُمّ حازمة لابنٍ فيه عُيوب كثيرة من تربيةٍ عتيقة! ويحدث أثناء الدرس أن يضع التلميذ الكتاب ويبدأ الحديث مع المُدرّسة في أي موضوع آخر يعرض لهُما، ويحدث أحياناً أن تقوم هي بدعوة بعض أصحابها الإنجليز من رجال ونساء إلى الشاي، وتدعوه معهم ليتحدّث إليهم ويتحدّثون إليه، فيسمع لهجاتهم ويتعوّد سمعُه نُطقهم، ويُصغي إلى آرائهم وأفكارهم. وتوثّقت الصّلة بينهما، حتى أنها لا تُعنى به من ناحية اللغة الإنجليزية وآدابها فحسب، بل كانت تُشرف على سلوكه وأخلاقه؛ فقد رأتهُ شابّاً في السابعة والعشرين يتحرّك حركة الشيوخ، ويمشي في جلالٍ ووقار، ويصرف حياته خاليةً من اللهو البريء بين دروسٍ يُحضّرها ودروس يُلقيها على طُلّابه ولُغة يتعلّمها.. لقد رأته المُدرَسة مُكتئب النفس ينطوي قلبه على حُزنٍ عميق، ورأته لا يبتهج بالحياة ولا ينفتح صدره للسرور؛ فوضعتْ له مبدأً هو: “تذكّر أنّك شابّ”.. تقوله له في كلّ مناسبة وتُذكّرهُ به من حينٍ إلى آخر. ثم أنها رأت أن له عيناً مُغمضةً، لا تلتفتُ إلى جَمال زهرة أو صورة أو طبيعة، أو جَمال انسجامٍ وترتيب، فوضعتْ له المبدأ الآخر، وهو: “يجب أن يكون لك عين فنية”.. فكان إذا دخل غرفة الدرس وبدأ يتكلّم في موضوعه مُباشرةً، صاحت فيه: ألم ترَ في الحُجرة أزهاراً جميلة تلفتُ نظرك وتُثير إعجابك، فتتحدّث عنها”؟ وهكذا لازم “أحمد أمين” هذه المُدرّسة أربع سنوات، استفاد فيها كثيراً من عقلها وفنّها، ولكنه لا يظنّ أنه استفاد كثيراً من تكرارها على سمعِه أن يتذكّر دائماً أنه شابٌّ! ذكر الأستاذ “أحمد أمين” أن فكرة كتاب سيرته الذاتية: “حياتي” نبتتْ منذ أول عهد الشباب، فقد كان يُدوّن مُذكّراته اليومية عن رحلاته، وعن حياته وأُسرته منذ أيام الزواج، ووجد أنه يُسجّل في المُفكّرات أهمّ أحداث السنة، التي أضافها إلى ما اختزنته ذاكرته منذ أيام الطفولة حتى الشيخوخة. ومن تلك اليوميات، نجد أنه كتب هذه الخاطرة: “لا تزال تجدّ بعض لحظاتٍ أقول فيها في نفسي: ليتني رُزقتُ more beautiful wife، وأرجو أن يهدأ فكري في هذا الموضوع وتقرّ نفسي”! .. كتبها الزوج بالإنجليزية كي لا تفهمها زوجته، التي لم تكن لها دراية باللغة الإنجليزية..! ولا شك أن كتابة هذه الخاطرة ثمرة طريفة من ثمار إجادة الأستاذ للغة الإنجليزية!