الشيخ محمد ناصر العبودي في مرآة ابنه..

سبعون عاماً من العمل و 300 كتاب في المعرفة.

لو دخلت مكتبة تريد كتابا، واجهك جناح مختص بكتب الرحلات، جمع حوالي مئة وعشرين عنوانا، وتصفحت أحدها فلفت نظرك شكل أسلوبه القصصي، والوصف الدقيق للبلدان التي يحكي عنها مستندا إلى قراءات واسعة وفيه تفاصيل تحتاج عينا خبيرة تلون المشهد ولا تخرجه عن السياق، يشوقك الكتاب، ولكنك تلتقط غيره عن رحلة أخرى فإذا هو ينافس رفيقه في الجماليات، تحتار، تنتقل إلى جناح آخر، هذا جناح المعاجم عدد المعاجم فيه لا يقل عن مئة، هذا معجم متعدد الأجزاء عن عائلات مدن القصيم بريدة وعنيزة والرس، ثم تجد معاجم عن الأصول الفصيحة للألفاظ العامية، وآخر عن الفصول الفصيحة للأمثال العامية، وثالث عن الألفاظ الدخيلة، ورابع عن جغرافيا المكان في القصيم، تحتار أكثر، تنتقل إلى جناح ثالث أو رابع فيه ما لا يقل عن خمسين كتابا في الإيمانيات، والسير الذاتية، هذه مذكرات الفتى النجدي في عدة أجزاء وتلك مذكرات عن سبعين سنة في الوظائف الحكومية، وكتابين في المقامات أحدهما تحول إلى مسلسل تليفزيوني من خمس عشرة حلقة، تزداد حيرتك ، كل كتاب يناديك، وتكاد تقرر أن تقرأها جميعا، ثم تعلم أن عمرا كاملا سينقضي دون أن تأتي على كل الكتب ، فتقرر أن تختار بناء على اسم المؤلف، تعاود البحث فتجد صاعقا، كلها لمؤلف واحد، اسمه محمد ناصر العبودي عاش في قرننا الحافل بالمغريات. وما إن يعود إليك الرشاد حتى تدور برأسك التساؤلات، تفترض أن هذا الرجل كان معه جوقة من الوراقين يملي عليهم، فيكتبون ويصححون ويراجعون ويعلقون ثم يرسلونها للطباعة، وبعدها يوزعونها للبيع وللإهداء، ولكنك تجد أن ذلك كان جهد الرجل وحده، وكل ما افترضته أوهام، وهنا تتوقع أن يكون الرجل قد قضى حياته راهبا في محراب الكتب، ينفق عليه آخرون، ولم يكن له زوجة ولا ولد ، فتكتشف أن عقلك زين لك الوهم، فهذا الرجل عمل في وظائف مهمة، وكان يحمل مسؤوليات كثيرة في التأسيس للمؤسسات المهمة التى عمل بها، وظل يعمل سبعين عاما حتى بلغ الثامنة والثمانين، لكن زوجته تصالحت مع ضرائرها من الكتب، واكتفت بأنه لم يجعل لها ضرائر من النساء، بل كان لا يشجع التعدد، وفوضها منذ اللحظة الأولى لزواجهما بأن يكون معها مفتاح مخزن الأرزاق، غيره من رجال القصيم لا يفعلون ذلك حرصا على ضبط الاستهلاك، أعفته من مسؤوليات كثيرة نحو الأولاد ونحو البيت، فكانت تزرع الحديقة وتختار الأثاث… وهكذا، وكان الرجل حفيا بزوجته يدللها ويثني عليها، وقد جاءته بعدد من الأولاد والبنات، منهم مؤلف هذا الكتاب الذي كان الأول على زملائه يوم تخرج من قسم الترجمة في الجامعة، وإنك إذ تقرأ الكتاب تجد أن الولد سر أبيه؛ فالكتابة تتجلى فيها حرفة الأدب والنقد والفكر، وله غيره ولدان تأهلا تأهيلا عاليا، وعدد من البنات أكثر من واحدة منهن حصلت على الدكتوراة في مجالها، لم يكن الرجل، كما روى ابنه، مقصرا في تربية أبنائه، ولكنه كان يفوض متابعة كل واحد منهم إلى من سبقه مباشرة، ويحرص على قضاء المناسبات الاجتماعية معهم، واصطحابهم في إجازاته، ثم عمل على أن يجاوروه في السكن عندما تأهلوا. بل إنه رثى ابنتين له إحداهما توفيت بعد الولادة مباشرة والأُخرى توفيت وعمرها خمسة عشر يوما، وكان رثاؤه مؤثرا. أهم أسرار نجاحاته حُسن رعايته لوقته، فقد كان زاهدا في المناسبات الاجتماعية الكثيرة التى يدعى إليها بحكم مركزه الوظيفى الرفيع ، رغم أن الآخرين يتنافسون عليها، وخاصة أنها تشكل إحدى بوابات الارتقاء الاجتماعي والوظيفي، وكان لا يلبي من الدعوات إلا ما لم يمكنه الاعتذار عنه، وكان يفضل أن يراسله طالبو الحاجات فيرد عليهم بالمراسلة كي يتفادى إضاعة الوقت في الزيارات ، وبلغ من التزامه بالكتابة يوميا أن أحد أصفيائه ذكر أنه لا يأنس به في السفر، لأنه بعد أن ينتهي من جولاته السياحية أو الدعوية، يعود فلا يقضي الوقت مع رفاقه في المفاكهة، بل يتفرغ للكتابة في سجل ما مر عليه في يومه من أحداث.. إلخ. ولكنه بعد تقاعده فرغ أمسيات يوم الاثنين لاستضافة الأصدقاء والمحبين، وقد فاض بهم مجلسه حتى كادوا يقيمون لهذه المناسبة يوما ثانيا في الأسبوع. ولد محمد ناصر العبودي في بريدة، والتحق بالكُتاب ليحفظ القرآن، ورتب له والده أن يأخذ دروسا في التجويد على يد عالم من جيرانهم، ثم التزم بالدراسة على أحد أشهر علماء نجد، وكان يرافق أستاذه في اجتماعياته، وكان هذا العلم كفيلا بإيصاله إلى أن يكون قاضيا، وهو مركز مرموق دائما، ولكنه بعد أن شعر بالاكتفاء من العلوم الدينية، مال إلى الأخذ بالعلوم العصرية واعتاد مطالعة المجلات وتملك جهاز مذياع سرا، فقد كان أحد العيوب عند مجايليه، وتعلم اللغة الإنجليزية رغم أنها لم تكن مرغوبة عند الناس. خشي أستاذه أن ينتهي أمره إلى أن يزدريه العوام لكنه استمر في طريقه، وحيث إنه قد وجد أن عليه أن يقوم بشأن أبيه وأسرة أبيه، فقد أصبح مدرسا، ثم عُين مديرا لمدرسة ابتدائية، بعدها أصبح مديرا للمعهد العلمي الذي كان الثاني في السعودية، وهو معهد على مستوى المرحلة الثانوية، من يتخرج منه يصبح مدرسا أو يكمل في التعليم الجامعي، كانت الوظائف تأتيه ولم يكن يسعى إليها، تم اختياره ليكون من الفريق المؤسس للجامعة الإسلامية في المدينة، عمل أمينا عاما ثم وكيلا، كانت الجامعة حافلة بالتوجهات الفكرية والسياسية المتنافسة، لم يستقطبه أحد منهم، فقد كان مخلصا للكتابة والبحث، بعدها تم اختياره أمينا عاما لمنظمة الدعوة الإسلامية التي كانت تنظم المساعدات السعودية لمراكز العلم في العالم الإسلامي، وهيأ له هذا زيارة بلدان كثيرة، ولعل البلدين الوحيدين في العالم اللتين لم يكتب عنهما في رحلاته هما كوريا الشمالية، فقد كانت مغلقة أمام الزائرين، وقطر لأنها كانت نسخة من نجد ولم تكن ممرا لرحلات الطيران التي مر بها عبر العالم. أصبح بعدها الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي، وكان معظم أولاده قد استقلوا بحياتهم فقضى ثلاثين عاما في مكة منفردا معظم الوقت يزور عائلته في الرياض في نهاية الأسبوع، ويسكن الفنادق القريبة من الحرم حتى يؤدي الصلاة في الحرم ما استطاع إلى ذلك سبيلا، لم يكن يخرج من بيته إلا للصلاة، ويقضي باقي الوقت في القراءة والبحث. أتاح له ما وصل إليه من مركز وظيفي متميز مزايا مهمة لكنه لم يستغلها كما كثيرين في شؤونه الخاصة، السكرتير والسائق لا يلجأ إليهما في غير شؤون العمل. كان موقعه الوظيفي يتيح له السفر عبر رواق التشريفات في المطارات، ورغم كثرة أسفاره لم يسافر عن طريقها، والسفر عن طريق رواق التشريفات يتيح لصاحبه أن يصل إلى المطار فيقوم موظفو المطار بعمل كل إجراءات السفر ثم يوصلونه بسيارة خاصة الى الطائرة. كما كان من حقه أن يكون له ولأفراد عائلته جوازات دبلوماسية، وهذا يسهل السفر عبر العالم، لكن الرجل لم يلتفت لذلك مطلقا، كان يتجنب التوسط لأحد من أجل وظيفة خشية أن يُحرم أحد الأكفياء من مركز مستحق، وقد أتاح الله له يسارا، فخصص بعض أملاكه لتكون وقفا على أقاربه المحتاجين، وكان له مزرعتان في القصيم يأخذ ما يكفيه منهما ويهدي الباقي للأصدقاء والأقارب وللمحتاجين. وقد خصص مالا يُصرف على طباعة كتبه ونشرها لكنها لم تف بالغرض لغزارة إنتاجه، وقد ساعدته دوائر حكومية وثقافية في طباعة بعض كتبه إلا أنه لا زال يحتفظ ببعض ما لم يتسن له نشره. وقد حاول أبناؤه أن يؤسسوا دار نشر خاصة به، لكن القانون لم يسمح، فأحد المؤهلات كانت تنقصه، التأهيل الجامعي، تخيل أن رجلا ولد قبل موقعة السبلة، وكُتبت عن أعماله رسائل دكتوراه، ليس مؤهلا لافتتاح دار نشر! نسأ الله له في عمره فعاش متمتعا بقدراته أكثر من تسعين سنة، السنوات الثلاث الأخيرة في حياته شهدت بعض الاضطراب في قدراته الذهنية، لكن ما بقي منها كان كافيا للتواصل مع أهل بيته. يصف ابنه مراحل حياته الأخيرة ومحطاته في المستشفيات وصفا مفصلا مفعما بالشجن، والموت الجسدي نهاية كل حي، لكن مثل هذا الرجل لا يموت - وقد ترك هذه الثروة من الثقافة والفكر- إلا إن قصر به مجتمعه، ليت عارفي فضله يقومون بطباعة كل إنتاجه وتسويقه ورقيا وإلكترونيا، كل إنتاجه قادر على تجاوز امتحان الزمن، وإن كنت لا أدري عن معاجمه الخاصة بعائلات القصيم، ففي عالم أصبح الترحل عبر جنبات الوطن وعبر الكرة الأرضية سمة غالبة تضائل اهتمام الناس بأصولهم، أثارت كتبه عن عائلات القصيم بعض الحساسيات غير المنطقية، لم تكن أسبابها مقصودة ولا نجمت عن تقصير من الرجل، لكنها منعت طباعة بعض ما أنجزه من أعمال، رغم أن الرجل كان يصحح كل ما اقتضى التصحيح بناء على معلومات مستجدة وصل إليها بعد إنجاز أعماله. كان الرجل سابقا لعصره، وقد أثرت عليه بعض الضوابط المجتمعية غير الصحيحة، فقد اضطر إلى التخلي عن التصوير المصاحب لرحلاته، رغم أن ذلك كان سببا لإخراج كتبه بشكل أفضل. كان الرجل سعيدا بحياته وخاصة في نوعية عمله في رابطة العالم الإسلامي، الذي أتاح له فرصة ثمينة للاطلاع على أحوال المسلمين في العالم، وأدى إلى إنشاء العديد من المراكز الإسلامية الدعوية والخيرية. وكما قال ابنه فإنه كان سعيدا حتى وصلت رياح التغيير فتوقف أكثر هذا العمل بسبب أحداث سبتمبر ٢٠٠١، وقد وفر هذا العمل الكثير من القوة الناعمة للسعودية في العالم، عز على الرجل أن يرى عملا ضخما من التعاون والتنسيق والدعم بين الجمعيات الإسلامية والسعودية - التي تلتزم بالوسطية- ينهار، في الوقت الذي أنفق عمره في بنائه. رحم الله هذا الرجل الذي قام في حياته بأعمال تنوء بها العصبة أولو القوة من الرجال، إن رصيده عند ربه وما تركه من رصيد من العلم والمعرفة سيظل شاهدا على الرجال الاستثنائيين القليلين جدا في كل العصور.