أيها الضمير.. ما أعدلك.

جميع الرسالات السماوية رفعت قدر الضمير الإنساني عاليًا فقد قال الله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ” الآية 135 - سورة النساء. حيث تدعو هذه الآية الكريمة إلى القيام بالقسط والعدل، مما يتطلب ضميرًا حيًا وحضورًا واعيًا ليشكل أساسًا متينًا لتحقيق العدل والإحسان في المجتمع. ولِعِظَم منزلة الضمير، أقسم الله تعالى بالنفس اللوامة التي هي الوجه الآخر للضمير، حيث قال “ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ” الآية 2 - سورة القيامة. وفي الإنجيل ورد “ طوبى لأنقياء القلب، لأنهم سوف يرون الله”. تناول الفلاسفة الضمير الإنساني من منظور فلسفي، فقد أشار الفيلسوف الفرنسي “رينيه ديكارت 1596 – 1650م” إلى ((أن فقدان الضمير يعني فقدان “الأنا”)) بينما يرى مواطنه الفرنسي “جان بول سارتر1905 – 1980م” ((أن الإنسان المنزوع الضمير يصبح بلا هُوِيَّة محددة ولا معنى واضح لحياته)). وأضاف الفيلسوف الإنجليزي “جون لوك 1632 – 1704م “ ((أن غياب الضمير يفرغ الإنسان من أبسط المعايير الأخلاقية والقواعد القانونية التي تحكم علاقاته بالآخرين)). أما المفكر الهولندي “باروخ سبينوزا 1632 – 1677م” فقد وصف الضمير بـ ((أنه رأس مال الإنسان الذي إذا استُنزف، فإن الإنسان يفقد القدرة على التحرك والحماية)). حينما تتغنى المجتمعات بالضمير، وتردده صُبحًا ومساء، يظل التحدي الحقيقي في ترجمة تلك الإشادات إلى سلوك صادق، وشعورٍ غير مُصطنع. فالضمير لا تصنعه الشعارات الفضفاضة، ولا تثبته النيات الحسنة وحدها، بل تبنيه الممارسات العملية في الواقع الاجتماعي. إن إحياء الضمير يتطلب إرادة شجاعة لإجراء جراحة نفسية يتصالح فيها الإنسان مع ذاته المتورمة، ويعترف بالتشوهات الخٌلٌقِية التي اعتورت إنسانيته. هذا التصالح يتطلب صدقًا مع النفس ونبذًا للنفاق والدجل، كما يستلزم الإكثار من لوم النفس بصدق بدلًا من مدحها بسماجة وغباء. الضمير هو ذلك النداء الخفي الذي لا يخضع للمساومة، وهو المحرك الداخلي الذي يدفع الإنسان بلا صخب تجاه التسامح النقي، ونحو العدل الرفيع الذي هو الروح الطاهرة التي نفخها الله وأودعها في جسد الإنسان كخليفة له على الأرض. إنه رأس المال الذي إذا استنزفه الإنسان بلا حساب، أضحى كائنًا من قش. بلا طاقة تحركه، ولا بوصلة توجهه، ولا درع يحميه. في 25 يوليو 2019، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم (73/329) الذي أعلن الخامس من أبريل من كل عام يومًا دوليًا للضمير. جاء هذا القرار تأكيدًا على أهمية الدور الذي يلعبه الضمير في بناء “ثقافة السلام بمحبة وضمير” والتي تهدف إلى تعزيز السلام والتسامح والإدماج والتفاهم والتضامن لبناء عالم مستدام يسوده الوئام. يستمد هذا اليوم أهميته من ديباجة “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” التي تنص على ((إن تجاهل حقوق الإنسان وازدراءها قد أفضيا إلى أعمال بربرية أهانت الضمير الإنساني، وأن الناس قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضًا بروح الإخاء)). هذا التأكيد الأممي يضع الضمير في قلب المسعى الإنساني لتحقيق السلام والتنمية المستدامة، معتبرًا إياه أساسًا للتعامل مع التحديات العالمية. الأسئلة التي تشاكسني، بل تحاصرني دائمًا: هل لدى الإنسان القدرة على فحص ضميره؟ وهل المرء قادر على بناء محكمة خاصة به؟ وهل يستطيع الإنسان أن يسترد ضميره الغائب؟ قد تكون الإجابة على هذه التساؤلات: نعم، ولكن بشرط أن يكون الإنسان صادقًا مع نفسه، فلا يخدعها. فالضمير هو المحكمة الذاتية التي لا تغلق أبوابها. وهو القاضي، وهو الشاهد في آنٍٍ واحد. إنه صديق لا يخدع، بل يحذر قبل الانقياد إلى المحكمة.. أيها الضمير ما أعدلك.