قراءة في كتاب الدكتور منصور الحازمي (سالف الأوان)..
رفاق المرحلة في ذاكرة أستاذ الجيل.
أستاذ من أساتذة الجيل الروّاد ،أكاديميّ مرموق مؤصِّل لثقافةٍ عميقة وفكرٍ منير ، يتعدّى دوره هذا التوصيف العابر ، تجربته في النقد و التعليم والثقافة والإدارة والحياة العامة جديرة بالتدوين والتوثيق والدراسة ، ولكنه عازف – فيما يبدو – عن تدوين سيرته الذاتية ، ولكنه لم يبخل على تلامذته وأصدقائه من الإعلاميين بشيء من حديث عن أهم المنعطفات في حياته الاجتماعية والعلمية و الوظيفية في برامج تلفزيونية مثل (أيام من حياتهم) وما كان يقدمه محمد رضا نصر الله في برنامجه (ما بين أيديهم) وغيرها من المحاورات و المقابلات، وكان بودنا أن يتوفر على كتابة سيرته الذاتية موثّقة في كتاب لتستفيد من تجاربه الخصبة الأجيال القادمة والشادون في مضمار العلم والخائضون في عباب الحياة وشعابها؛ وهو الذي يحرص كل الحرص على التحديق في الواقع استشرافاً لملامح المستقبل ، ومن الشواهد البارزة على ذلك ماعنْوَن به كتابه ( في البحث عن الواقع) ضمن العديد من المؤلفات والدواوين الشعريّة التي لايتّسع المجال للحديث عنها ، ولكن هذا الكتاب على وجه الخصوص يشير إلى توجّه الدكتور الحازمي ورؤيته و منهجه بما ينسجم مع ما جاء في مقدمة كتابه الذي نحن بصدده؛ حيث يقول في هذه المقدمة” ولكنني أود أن أؤكد هنا أنني لآ أزال أبحث عن الواقع ، كما كنت منذ حملت القلم وخطوت أولى الخطوات ؛ فربما نستطيع أن نعثرعليه في آخر المطاف بعد كل هذا التيه و الضياع وهذا الصخب من جانب المنظرين و المتفلسفين “ (ص8) وليس هناك ما يشير إلى اهتمامه بتدوين مذكراته الشخصية أو سيرته الذاتية اللهم إلا من بعض إشارات وامضة في دواوينه الشعرية ، ولعل في كتابه (سالف الأوان) ما يمكن أن يغني بعض الغناء ؛ ففيه بعض المؤشّرات من خلال تناوله بعض الملامح من حياته وحياة أقرانه تحت عنوان (شخصيات) إذ يتحدّث عن الفن الأدبي القديم و ما يشير إلى علاقاته بأهم الأعلام الذين ذكرهم ،مستذكراً موضوع الإخوانيات “ ذلك الفن الذي اندثر ولم يكن كله صناعة أو توليفاً، كان بعضه على الأقل صادقاً يحمل في طيّاته حرارة الحب وصدق الانفعال” (ص137) وفي الفصل المذكور رسائل وجّهها لكلٍّ من أعلام الأدب و الثقافة من المشاهير و الروّاد : الأولى للشيخ عبد المقصود خوجة قائلاً “ من أنت بجانب هذا البحر الزاخر/ من أعيان القوم/ من أنت سوى النغم الساكن / في وتر مشدود / حرّكه عبد المقصود” ص 139 ثم خطابه المفعم بالمشاعر االذاتية تجاه الشيخ عبد المقصود الذي تذكّرت - وأنا أقرؤه - وصف الدكتور القصيبي (رحمه الله) له بأنه (وزارة ثقافة في رجل) و الثانية إلى الأديب الكبير الزيدان مخاطبا له بقوله “ أيها الشيخ الجاثم فوق مجد الكلمة، لكم ملأت بها الطرود و الصحائف وأبليت في سبيلها البلاء الحسن” (ص139 ) و من ثمّ رسالته إلى أبي مدين واصفاً إياه بالصّرامة والصّراحة والجِد وأنه الجندي المجهول (ص 140) ثم رسالته إلى عابد خزندار مشيراً إلى مزاملته له في دار البعثات السعودية بالقاهرة في أواسط الخمسينيات ، وتحريرهما لصحيفة حائطيّة كان خزندار (رحمه الله) رئيساً لتحريرها ، مخاطبا له بعد عودته من ذلك الكمون الطويل “ لقد رجعت أخيراً بكل دُرَر الأرض، ولكنها هذه المرة ليست ذهباً ؛ بل هي أثمن من الذهب، كنوز الأدب والفكر و الثقافة العالمية” (ص141)و الرسالة الرابعة إلى عبد الرحمن الأنصاري يخاطبه فيها بقوله “ يا صاحب الأوليّات إننا فخورون حقاَ بكلّ ما أنجزت؛ ولكننا لا نزال ننتظر الكثير” (ص142) والرسالة السادسة إلى عبد الله الشهيل التي يقول فيها: “ لعلك خير المتحّدثين عن الصداقة و الصديق ، وتذكّرت أبا حيان الذي لا تشبهه في النشاؤم و لكنك تشبهه في تفتيق القول و المقابسات ، والوفاء عملة نادرة” ورسالته إلى الدكتور عزت خطاب “ مفتاحك فيما أرى هو البحث عن السّر الذي يفتح مغاليق النّص “ وأنت ناقد نصوصيّ رغم أنف النصوصيّين” (ص 143) ثم رسالته إلى فهد العرابي الحارثي “ عرفت أن أجود أحوالك أنك لا تكتب إلا في أسوأ الأحوال ... إنك يا أبا محمد نجم المحافل الثقافيّة أنت أنت ماثل أبداً في قلوبنا ، حاضراً وغائباً” ص144 وررسالته التاسعة إلى مرزوق بن تنباك “ وأنت – يا أبا راشد تمتلك خيال القاصّ الشعبي رغم دفاعك عن الفصحى” ص145 ؛ أما العاشرة فقد أبدى فيها احتفاله بجملة من الأساتذة الذين لهم مكانتهم ودورهم في بناء صرح الثقافة في المملكة : محمد عبده يماني و رضا عبيد و عبد الله المعطاني وعبد المحسن القحطاني ومحمود زيني ومحمد سعيد طيب وعبد الله منّاع وفؤاد عنقاوي وأنهي حديث الوفاء ببيت الشاعر أحمد إبراهيم الغزاوي : عرفت من ذات نفسي غير ما عرفوا فمن بلوم إذا ما قمت أعترف ومما قد يقترب من دائرة السيرة الذاتيّه حديثه عن أصدقائه وزملائه تحت عنوان من أوراق قديمة واستذكاره لتجاربه الخاصّة معهم ، ومنهم محمد صديق العوضي ، ولم يكن في رسالته إليه ذكر لمناقبه ؛ وإنما بدا مُسترجٍعاً لمواقفه ، فهو يقول في معرض حديثه عن العوضي “ لم أسعد بصحبة العوضي طويلاً ، أو لم تسعده صحبتي على الأصح” وقد حفل حديثه عنه بمواقف لا يتسع المجال لذكرها ؛ ولكنها في مجملها تسلّط الضوْء على شخصيّته وسلوكه في الجامعة ، وتتضمن تحليلاً لنفسيّته ونقداً لاذعاً لمواقفه ولواقع كليّة الآداب بالجامعة في تلك الحقبة إذ يقول “ فقد كانت في أيام الطفرة عجوزا شمطاء نحاول ما وسعنا الجهد إخفاء تجاعيدها وسترعوراتها “ (ص151 ) وقدأثبت قصيدته في رثائها ، و مطلعها : قف بالديار على كلية القلم واسكب لديها دموع الحزن والألم وختم مقاله عنه بكلمة رثاء . وقد ذكر في فصلٍ تالٍ أستاذنا الدكتور شكري عيّاد (وقد تتلمذت على يديه طيلة سنين في جامعة القاهرة من عام 1964 إلى عام 1968 في مرحلة الليسانس) وأجريت معه حواراً بصحبة صديقي جهاد الكبيسي رحمه الله (في منزله) أثناء تفرّغي لإعداد رسالة الدكتوراه عام1982 نُشر في مجلة اليمامة ، وقد أشاد به الدكتور الحازمي مع ثلة من الأساتذة الذين عملوا في جامعة الملك سعود (محمد الشامخ وحسن الشاذلي فرهود) لدى وداعه لهم بعد انتهاء خدمتهم في الجامعة ، وقد أشاد بتواضع الدكتور شكري عياد و حسن استماعه و سعة صدره ، و وصفه بأنه مصدر إشعاع و توهُّج وتألُّق طوال السنوات التي قضاها في الجامعة ، وقد بدأ حديثه عنه وأنهاه ، وحريٌّ بالذكر أن أساتذة الدكتور الحازمي في جامعة القاهرة هم أساتذتي عدا طه حسين ؛ فشكري عياد وسهير القلماوي و عبد العزيز الأهواني ويوسف خليف وشوقي ضيف درسوني جميعا ،على الرغم من الفارق الزمني بيننا (عشر سنوات) أما الأستاذان الشامخ وفرهود اللذان فاجآه استقالتهما ، وهما في شباب الشيخوخة وشرخ الكهولة على حد تعبيره ، فقد تحدث في رسالته عن مسيرة مشتركة مع الشامخ (رحمه الله) منذ الطفولة والصبا في مكة المكرمة ، وفي القاهرة و الجيزة وفي لندن ثم في مَلزّ الرياض والجامعة ، وقد مضى يستذكر دور زملائه الثلاثة في قسم اللغة العربية مُلتقطاً بعض لوازم السلوك لديهم : مصطفى السّقا وأحمد الحوفي والشامخ ، وكان إبان ذلك في انتظار الابتعاث، ويستذكر استقباله للدكتورعزت خطاب في لندن ، وقد عرّج على ذكر الأستاذين حسن الشاذلي و حسن الشماع . ثم أتبَع حديثه في أوراقه القديمة عن الدكتور أحمد الضبيب مُشيداً بحكمته ورؤيته الثاقبة ، وقد أثبت في مقاله نصّ كلمة ألقاها مذكّراً بدوره وأوليّاته ومبتكراته ومصادماته (على حدّ تعبيره) باحثاً في واقع الكلية و الجامعة ، ما ضياً وحاضراً على نهجه الذي اختطّه باحثاً في الواقع ، وقد ختم حديثه بذكاء نافياً بعض الظواهر التي وصفها بالإشاعات مكذّباً لها بنبرة تتلامح فيها ملكة ساخرة : عن الترقيات العلمية في الجامعة والدراسات العليا ، لفتتني عبارته “ لاصحة لما يروّجه المغرضون من أنه “ما اجتمع الضبيب وأسامة إلا وعمت القتامة وازدادت الجهامة ، وضاقت اللوائح وزادت النوائح وعظمت الجوائح” ص171 وأثبت قصيدة بعنوان (الضُّبيْب) استهلها بقوله: حيِّ الضبيب مديراً واسمع القالا فباسمه ضرب الماضون أمثالا وفي ختامها وضع عنوانا فرعياً : التعليق ثم أتبعها (لا تعليق) ولعل من أكثر الفصول ارتباطاً بسيرة الحازمي الذاتية ما كتبه عن صديقه الدكتور أحمد خالد البدلي ، فيها حميميّة ساطعة ؛ إذ نبش في عمق التجربة الخاصة بعلاقاته التعليمية و الاجتماعية ونقلاته في مكة وذكرياته فيها وتدويناته عن المعهد العلمي و مدرسة تحضير البعثات ، و ذكرياته القاهريّة واللندنيّة و توصيفاته الشخصية وذكرياته الحميمة وتقصيه لملامح الحياة الجامعية في لندن ونظرة أهلها للغرباء وغوصه في صميم الحياة السيكولوجية وتقرّيه لتفاصيل دقيقة تتعلّق بعالم تلك الفترة اجتماعيا و وجدانيا وإنسانيا ؛ واستشامته لآفاق كانت منتظرة لصديقه الدكتور البدلي علمياً ، وكثير مما كان يمكن أن ينتظر من هذه القامة السامقة ، وإبحار في ماضي قامة بحجم الحازمي وهو في الستين من عمره المديد إن شاء الله. وتبحر بنا سفينته في محطّاته المختلفة عبر علاقاته الوشيجة بأصدقائه ، فنلتقي مرة أخرى به مع عَلَم آخر من أعلام تلك المرحلة وهو الدكتور عبد الرحمن الأنصاري تحت عنوان (الأنصاري زمالة وريادة ) وقد استعرض فيها محطات شتّى من علاقته بهذا العالم الجليل في الآثار الدكتور عبد الرحمن الأنصاري ، و لفت انتباهي حديثه عن أستاذي الدكتور خليل نامي (رحمه الله) الذي درّسني في مستهل التحاقي بكلية الآداب في جامعة القاهرة عام 1964 /19654 مساق تاريخ العرب القديم ، وقد بدا لي أن الدكتور الأنصاري امتداد لهذا العالِم الثّبْت ، وحديث الحازمي عن البحث المشترك معه فتح الباب أمامي على مصراعيه لأستشراف تلك الحقبة الزّاهرة من الحياة العلميّة لجيلٍ بدأت شمسُه تميل نحو الغروب ، وقد لمست في حديثه عنه قيمة الوفاء وحقوق الصداقة وتبِعاتِها وطالعت أفقاً جديداً في سيرته الذاتية التي كنت مشوقاً إلى التعرّف إليها ؛ فضلاً عن تلك الصفحات الناصعة في تاريخ جامعة الملك سعود ودورها و مُنجزاتِها. ومضى على هذا النحو في مقارباته لرفاق تلك المرحلة التي بدا لي فيها مؤرّخاً لحقبة من حياته في إطار استعراضه لمنجزاتهم الثقافية و العلمية وملامح شخصيّاتهم النفسية و الاجتماعية على نحو بدَوْا فيه مرايا تعكس بُعداً حيويّا من أبعاد تلك الحقبة من حياته وحياة أبناء جيله ورفاق دربه ، إذ تلمّس طريقه نحو تحليلٍ عميق لوجيبٍ خافق بين أضلعه وفي تلافيف عقله ، فواصل حديثه عن مؤرّخٍ رائد للحركة الثقافية مشاركٍّ فيها وهو (عبد الله عبد الجبّار) في كتابه عن التيارات الأدبية مستعرضا لإسهاماته النقدية والإبداعية مقارباً لبعض تفاصيلها في مجال السرد وملتفتاً إلى بعض ذكرياته في مراحله الأولى من حياته العلمية في إطار الإحاطة ببعض النظم الحاكمة لمسيرة التعليم في المملكة في تلك الحقبة ، بوصفه تلميذا لهذا العالم الجليل الذي يصفه ب (أستاذنا الكبير) محيطاً بجهده الثقافي و التعليمي بروح الوفاء والانتماء ، وكذلك تنويهه بجهد رائد آخر من رواد الثقافة في المملكة مُمثَّلاً في (عزيزضياء ) مؤرخاً لسيرته العلمية متحدّثا عن كتابه (حمزة شحاته – قمة عرفت ولم تكتشف) وكذلك مترجماته وقصصه وكتابه (جسورإلى القمة) الذي تحدث فيه عن ستين شخصية عربية و أعجمية وكتبه التسعة المطبوعة : خمسة عشر كتاباً تحت الطبع، متسائلا عن جهوده النقدية التي أنجزها بعيداً عن ضوضاء الصحافة اليومية ، وقد مضى الدكتور الحازمي في حديثه عن هذاالجهد النقدي وخصائصه،وبدا اهتمامه واضحا في حديثه عنه في أكثر من مقالة واعتزازه بما كتبه عنه تحت عنوان (هوية الأدب عند الدكتور منصور الحازمي) أما الغذامي (فارس النص) كما يصفه في عنوان مقالته فقد تساءل قائلا “ ماذا عساي أن أضيف إلى ماقيل من كلام كثير عن الغذامي” ص222 وأشار إلى أن كتابه (الخطيئة و التكفير) شغل الناس كما لم يشغلهم غيره في تاريخ الأدب المحلي ؛ مستذكرا ما أثاره العواد في كتابه (خواطر مصرّحة) مشيراً ومشيداً بما جاء به من منهج جديد يتسق مع الحركة الأدبية الحديثة في المملكة على يد الشعراء و القصاصين الجدد مشيرا إلى الحميدين و الصيخان والسالمي وعلوان ، وقد وصفه بأنه واسع الحيلة رحب الخيال ص224 ن ولأن المجال لا يسعفني في استعراض المزيد فإنني أكتفي في هذه المقالة بالإشارة إلى ماكتبه عن (أبو عبد الرحمن بن عقيل) الذي استهل مقالته عنه بالقول” لو بعث التراث في زماننا هذا رجلا يمشي على رجلين لكان شيخنا أبا عبد الرحمن” و وصف عبد الكريم الجهيمان” بأنه أستاذ جيل بكامله” ونعت جواد الطاهر بأنه “ قمة القمم في جميع الخصال الحميدة مشيدا بتواضعه الجم و أخلاقه النبيلة ، وانتهى به المطاف إلى الحديث عن الناقد الأسلوبي التونسي (عبد السلام المسدي) الذي قال عنه ما قيل عن المتنبي “ الذي ملأ الدنيا و شغل الناس” و وصف كتبه بأنها “ كتب مركزة مكتنزة بالإفكار والمصطلحات العلمية لا تسمح بالثرثرة أو الفوضى” ولعلى أقف عند هذا الحد مرغما ليأتي بعدي من يفي بحق هذا العلم وأستاذ الجيل.