ترند :سيرة الحشد الرقمي.

ثمة سؤال لا يطرحه أحد لا لإن الإجابة عنه مجهولة، بل لأن الاعتراف بها مزعج: لماذا نتبع “الترند”؟  ليس السؤال هنا عن كيف ينتشر، ولا عن من يصنعه، بل عن ذلك اللغز الكامن في أعماقنا: لماذا أنا، أنا تحديداً، بكل ما أحمله من وعي ومعرفة وقدرة على التمييز، أجد نفسي أسبح في تيار لم أختره، نحو وجهة لم أرغبها؟ الإجابة تبدأ من طبيعة الإنسان الأولى: هو كائن اجتماعي، لكنه قبل ذلك كائن قلق. قلقه ليس فقط من المكروه المحتمل، بل من احتمال أن يجد نفسه وحيدًا على الضفة الأخرى من اللحظة. هذا القلق القديم رصده  الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون في كتاب سيكولوجية الجماهير حين رأى أن الإنسان بمجرد دخوله في الحشد يرتد إلى طور أكثر بدائية، تُحرِّكه العدوى الانفعالية لا الحكم العقلي. يختفي الوعي الفردي الواعي، ويحل محله نوع من «اللاوعي الجماعي» يجعل الأفراد يشعرون ويفكرون ويتصرفون بطريقة مختلفة تمامًا عما كانوا عليه في عزلتهم. وفي عصر الشاشات، لم يعد الحشد يحتاج إلى التجمع المكاني؛ الخوارزمية تُجمعه افتراضيًا، وتنتقل العدوى بسرعة الضوء. ولهذا  نتوهم أحيانا أننا مقتنعون بالمحتوى الذي نشاركه، بينما نحن في الحقيقة نهرب من “الإقصاء الرمزي”؛ فإذا كان النفي من القبيلة قديماً يعني العزلة المادية وربما الهلاك، فإن عدم الانخراط في “الترند” اليوم يعني مفاصلة صامتة مع اللحظة الراهنة. إنه نوع جديد من الأحكام الاجتماعية؛ حكم لا يُفسَّر فيه صمتك على أنه زهد، بل على أنه عجز عن المواكبة، أو سقوط من قطار الزمن. هذا الهروب الجماعي نحو “الآن” حوّل العالم إلى ما يشبه مطبخاً رقمياً هائلاً لإنتاج “الترند التالي”. فلكي تطهو ترنداً جديداً لا يحتاج الأمر إلى أحداث ضخمة — حرب أو زلزال أو موت إنسان مشهور — ولا إلى أحداث تافهة؛ صورة مستفزة أو موقف مضحك. فالأحداث المهمة والتافهة تُطبَخ وتخرج بالوصفة ذاتها، لأن الخوارزمية لا تفرّق بين مجزرة وصورة قطة مضحكة — ما يهمها حرارة التفاعل، لا المحتوى. وكي يظل الترند متقداً تُلقى حفنة من المشاعر الأولية في المشهد: الغضب يمنح الانتشار السريع لكنه يحرق القصة سريعاً، والضحك أبطأ لكنه يعيش أطول، أما الحزن الجماعي فهو البهار المثالي، لأنه يجعل كل إنسان يشعر أن الحكاية كُتبت له شخصياً. وما إن تظهر أول شرارة تفاعل حتى تتولى الخوارزميات دور “نافخ الكير”، فتضخ الهواء في الجمر حتى يستحيل ناراً يلتف حولها الجميع؛ لا إيماناً بالقضية بقدر ما هو بحث عن دفء الانتماء الذي يوفره الزحام، وهو دفء خادع يعفي الفرد من مشقة التفكير ويدخله في حالة من المحاكاة تعطل فيه حاسة المساءلة . في هذه المرحلة، لا يعود “الترند” مجرد محتوى نستهلكه، بل يتحول “مناخا عاصفا” نتنفسه ويدخل إلينا من كل منفذ؛ من الصديق الذي يعيده، والساخر الذي يرفضه، والمحقق الذي يفنده، والأكاديمي الذي يحلله فالعاصفة لا تفرق بين من يركض معها ومن يهرب منها، فكلاهما يساهم في قوة الرياح ويمنح اللحظة العابرة حجماً يبتلع التاريخ، وهنا تبرز جماليات “التخلف عن الركب” كفعل نبل خفي، يمنح صاحبه المسافة النقدية اللازمة ليرى الحطام الذي خلفته الموجة بعد انحسارها؛ فاستعادة الذات تبدأ من القدرة على ممارسة الصمت الاختياري وسط هذا الضجيج المصنوع، وإدراك أن الحقيقة لا تُقاس بعدد المرات التي تكررت فيها، بل بمدى صمودها حين تتوقف الشاشات عن الوميض وتخمد نار الخوارزميات، ليبقى الإنسان وحيداً أمام مرآة وعيه، بعيداً عن صخب الحشد وسيرة الرماد الرقمي.