الهوية الشعرية.. الشاعرُ المتعدِّد في نصٍّ واحد.

“إن الهوية التي هي قوامُ الإنسان، ذاتًا وإبداعًا، ليست في مجردِ اختلافه عن الآخر، وإنما هيَ في حركيةِ اختلافه، داخلَ ذاته بين ما هو وما يكون.” يصوغُ الشاعر والمفكر أدونيس تصورهُ العميق للهويةِ بوصفها فعلًا متجددًا يتدفقُ من أعماقِ الإنسان، ويتشكَّل عبر ما يصنعه من معنى، وما يواجهه من تساؤلات. فالهُوية تتبلوَرُ كلَّما اتسعت رؤيته لذاتهِ وللآخر. هي ما يسعى لأن يصبحه بينَ الممكنُ والمأمول. تُطرَحُ مسألةُ الهويّة غالبًا عبر رؤية الإنسان بما يختصّ به من وعيٍ وانعكاسٍ على الآخر، إذ يتجه إلى معرفة نفسه عبر الخارج، أي من خلال الاتصال بالآخر. ويؤدي هذا الاختلاف إلى أن الهويّة لا تُدرَك إلا بما هو خارجي. *** يتجلى دورُ الشاعرِ في تشكيلِ هويةٍ شعريةٍ خالصة، هويةٍ بصفتها ملاذًا لذَّاتِه الشاعرة، وإن تبدلت أشكال الشِّعر فسيبقى مرآةً تعكسُ العمقَ الإنساني للشاعر وتفرُّده، فهو الفنُّ الذي يَتجددُ في كل نَص، وهذا يذكِّرنا بما قاله الشاعر قاسم حداد عن الشِّعريةِ والهوية: “شِعرية المبدع لا تقلد أحدًا، ولا تستعيدُ أصولاً، الشعريةُ هي دائمًا تنشأُ بوصفها أصلاً جديدًا للحياةِ في كلِّ ابداعٍ جديد” فالنصُّ الشعريُّ لا يُصبحُ قائمًا بجماليَّاتهِ الفنيَّة إلا حينَ يتحررُ المبدعُ من قيودِه الزمنية المحيطة. إن حقيقةِ الشِّعرَ لا تُمثّل مجردَ وسيلةِ تعبيرٍ عن هويةٍ لشاعر ما، بل هيَ عمليةُ خلقٍ مستمرة، تنشأ وتتبلورُ في كل لحظةِ كتابةٍ يمرُّ بها. ومن هذا السياق، لا تُمنَحُ اللغةُ هويةً مفردةً للشاعرِ بكل يسر، فهي تتكوَّن بتدفقٍ مستمرٍ من الكتابةِ، والقراءةِ، والشَّك، والتَّأويل. فتنمو مع وعيِ الشاعرِ فلا هيَ تتشكلُ من نصٍّ واحد أو حتى من مجموعةِ نصوصٍ شعريَّة متقاربة. *** قَد يتأثَّرُ الشاعر في مرحلةٍ ما بشاعرٍ مختلف، إذ إنَّ تأثرُه يعدُّ جُزءًا لا يمكن تَجاوُزَه دونَ المرورِ به، لكنَّما تكمنُ المَسألةُ في المكوثِ طَويلاً تحتَ ظِلِّ هذا الشاعر، إذ يتحولُ النَّص إلى انعكاسٍ باهِتٍ وتجرُّدٍ يقللُ من فردانيته، لذلك اقرأ مِئةَ قَصيدة ولا تمحها من ذاكرتك، قم بتجاوزِها فقط، حتَّى لا تَكون مِرآتك الشِّعرية بَاهتةً بتكرارِ ما قرأت. يؤكِّد الشاعر السعودي محمد خضر أن “عَلى الشَّاعرِ أن يَحملَ رُؤيَةً وفلسفةً خاصةً عن الشِّعر وأن يَمضِي نَحو عِلاقته باللغةِ حتَّى يَصل إلى شكلهِ وتصورهِ، وهذا ما يَجعَلُ قصيدته إضافةً حقيقيةً في كلِّ مرة، إضافةً تجعلنا نُغيرُ حتى فكرتنا الرَّتيبة عن الشعر.” من هنا أن يسلكُ الشاعرُ طريقه، أن يُغامرَ ويحاول، ألا يقولَ ما هوَ مألوف، لتُصبحَ اللغةُ تحتَ يديهِ بصمةً وهويةً قيدَ الصَّقل الدائم. *** الهوية في جوهرها كيانٌ متحول، وتساؤلٌ وجوديٌ دائمٌ يرافقُ الشاعر كسؤال: من أنا؟، ما الثابت وما المتحول الذي شَكَّلَتهُ تلك التجارب على مرّ الزمن؟ إنها مسألة وعيٍ ذاتيٍ يخوضُ فيه رحلة بين التصالح العميق مع الذات وبين التناقض المُربِك معها. حيث أن هذا التناقض يمثل كطريق لشعوره بالاغتراب عن ذاته، تتشكّل ملامحُ الهويةِ في حالةِ تَصالحِ الشاعرِ معها عندما يتمكنُ الفَردُ من إحداثِ حالةٍ من الانسجام بين ذاته الداخليةِ وتجاربهِ الخارجية. ليست مسألة الهوية صراعٍ بينَ الذات والآخر، بل هي التداخلٌ الخفيٌّ بينهما. وتقتضي هذهِ الصورةُ في أنَّ الشعرَ هو التجلِّي الأعمق لهذا التداخل بوصفه عبورًا مستمرًا بين الذات وظلالها، ففي كلِّ نصٍّ شعري، ثمَّةَ عبورٌ خفي، عبور يُنادي فيها الشاعرُ غريب ذاته، ذلك المسافر في ليلِ اللغة. وكما أشار الشاعر محمود درويش حين قال عن الهوية: “هيَ ما نُورث لا ما نَرِث. ما نخترع لا ما ‏نتذكر. الهوية هي فَسادُ المرآة التي يجب أن نكسرها كُلَّما أعجبتنا الصورة، لا أَخجل من هويتي، فهي ما زالت قيد التأليف”، تتأرجحُ القصيدةُ بينَ الهويةِ والمخيلة، بينَ السؤالِ والاحتمال، بينَ الذاتِ والآخرِ الكامنِ فيها. الهوية في الشِّعر سؤالٌ لا ينتظرُ إجابةِ أخيرة، هو احتمالٍ يَفتحُ على الذاتِ تساؤلاتٍ لا نهائية، وأما اللغةُ فهيَ السماواتُ التي يَتحرَّرُ فيها الشاعرُ وهويته. وفيما قيلَ عن الهوية كذلك: “أنا المتعدِّد. في داخلي خارجي المتجدِّد، لكنني أنتمي لسؤال الضحية. لو لم أكن من هناك لدرَّبْتُ قلبي على أن يُرَبي هناك غزال الكِنَايةِ”، هنا لا يُشير الشاعرُ فقط إلى مكان مجرَّد، بل حيثُ يولدُ الجُرح الذي يتبعه صرخات يحدُّ صداها مساراتِ ذاته. إنَّ الهويةَ حين تُخلقُ في رحمِ المعاناة، تخرجُ كطفلٍ يعتريه الألم، فتغدو ذاتًا ممزقةً بين التَّعددِ والانعتاق. تفرض الهويةُ على الشاعر محوَ أو نسيانَ أو لربما تشويهَ ما يحملهُ في الذاكرة من صور، كي يُذكّر من عبروا بأنه ليس ظلاً، إنه كائنٌ يواجهُ الصِّراعَ بين الثباتِ والتغير، بين الجذورِ والرحيل، بين أن يكونَ كصدًى في كلام العابرين أو لا يكون. وفي هذا السياق نستعيدُ ما ذكره الشاعر محمود درويش حين قال: “عابرونَ في كلامٍ عابر، أيها المارُّونَ بين الكلماتِ العابرة، احملوا أسماءكم وانصرفوا.” *** ختامًا الهوية ليست يقينًا فنعودُ لمِحرابِه، هي مساحةٌ للانتماءِ المتجدِّدِ في كلِّ قصيدة. أشبهُ بولادةٍ لا تزال قيد مخاضها. لا تستقرُ عند شكلٍ أو صوتٍ أو لغة، بل تنبثقُ كل مرةٍ من سؤال: من أنا الآن؟ ومن سأكون في القصيدة القادمة؟