كاتبة بأنف قطرس.

حين فطنت إلى أن قدرتها فاقت تمييزها لروائح إخوتها ومعرفة القادم منهم قبل أن تراه، إلى التقاطها رائحة القلق العالقة في قميص أحدهم، وإدراكها الخداع المتأهب وراء ابتسامة الآخر، واستنشاق الحب المتواري خلف حدتهم، جربت أن تكتشف ما ينتاب الأماكن وتقتفي أثر ما يعتري الطرقات. وعندما رأت حنين النوافذ وعبق الذكريات العالق أسفلها، واستنشقت الحرج الذي يقف إزاء أبواب المنازل ويثقل عاطفة الرصيف، ثم شمت رائحة الخوف وهو يطوف الزقاق المعتم، خالت أنها تستطيع أيضًا اكتشاف ما يخبئه الآخرون وربما التقطت ما يجول في عقولهم، واندهشت عندما أدركت من رائحة صديقتها أنها ستنتقل لاحقاً. كانت بذلك قد تيقنت أنها إزاء قدرة خارقة ولم تبح بذلك لأحد بل ظلت حابسة إياه كسر صغير،  خطر لها كم تشبه غرينوي في رواية العطر لباتريك زوسكيند لكن ذلك لم يرق لها، شعرت بأن ماهي عليه امتياز لم يؤتَ لأحد وفرحت به، بيد أنها كانت تنفر من رائحة الورق وتكره رائحة الحبر، ذلك المزيج من الروائح الترابية والخشبية ورائحة الفانيلا واللوز كان يبعث حنقها وخليط الزيوت والمذيبات يثير غضبها ويحيلانها إلى مرجلٍ يغلي، وما إن تدلف حجرتها التي تتضوع برائحتيهما حتى تشعر بما يخز أنفها ويكز صفاءها، ولافتتانها وشغفها بالكتابة ابتكرت حيلتها الخاصة فغمست قلمها في قنينة العطر وكتبت على الأوراق المعطرة ووظلت كذلك.  لم يُفقدها قلقها الممتد لأعوام طوال شيئاً من سماتها فقد ظلت شفيفةً كومضة ضوء تعبر صفحة الماء فتتركها أكثر صفاءً، ورقيقةً لاتُرى بقدر ماتُحس، ينبعث عن عينيها ألق باذخ وسحر أخاذ ويخال من يحدثها أنها لاتُبصره بقدر ما تُنصت إلى مايواريه وبالرغم من أن صوتها كان عابراً كنسمة إلا أنه كان غائراً كعطر لايغادر الذاكرة. ظلت تقاوم نفورها بشغفها وتكتب وقد علت أنفها رائحة الياسمين، تنساب كلماتها بسلاسة متناهية وأناقة فريدة ودونما ضجيج تخلق الدهشة وتسكبها على الورق. خارج ذلك الإطار ظلت تعيش وفق ماتمليه الحاسة الخارقة فترى العالم من خلال أنفها وتتعاطى مع الآخرين وفق ما تشي به روائحهم حتى تحول الامتياز إلى عبء يثقل كاهلها، فمعرفة من حولها ومن تلتقيهم يقينًا جعلها تنأى بنفسها ونحى بها إلى عزلتها، ومع مرور الأعوام اكتشفت أن بعض تلك الروائح لا يأتي من الخارج بل ينبعث من موضع ما داخلها، فالحنين الذي تستنشقه لم يكن سوى حزن قديم أبى الرحيل والفراغ الذي تشمه كان أمنية خذلها ضيق الحال وجل ما تراه آت من الماضي وكأن للذاكرة أنفًا خارق القدرة أيضًا. بدأت تدير أفكارها واهتمامها نحو ذاتها وتسبر أغوار نفسها، صارت تكتب لتفهم لا لتحقق شغفها، تسير الهوينا بين جملها وتلامس الكلمات بأصابع مرتعشة لتقتفي رائحة الوحدة والحزن والحرج والخوف والضحكات المصطنعة وكل نص تكتبه كان يقود إلى رائحة تتكثف في أعماقها. في إحدى الليالي جلست إلى مكتبها بعد أن خفت الضجيج واختفت الروائح، فتحت مذكرتها وأمسكت بقلم لم تغمسه في العطر، كتبت جملةً ثم توقفت فصعدت عن الورق رائحة لا تشبه ما ألفته، لم تكن حزنًا ولا فرحًا ولا خوفًا بل كانت حضوراً خالصاً يشبهها حين لا تحاول أن تكون أحدًا. في الصباح التف أبناؤها حولها ولم تلتقط أي رائحة، نظرت إليهم مبتسمة، كانت ترى وجوههم كما هي، ثم مضت نحو مكتبها وفتحت مذكرتها وكتبت بهدوء، لم يكن للورق رائحته الترابية ولم تفح من القلم رائحة المذيب، كانت الأشياء تستعيد حقيقتها وكلماتها تتهادى حرةً.  أكملت الكتابة فانبعثت رائحة اللاشيء واتسعت حتى غمرت الحجرة وشاعت في فضائها فشعرت للمرة الأولى أن ثمة عالمًا يخرج من رئتيها ويتشكل على الورق، كل جملة تكتبها تخلق صورة وكل صورة تعيد ترتيب أنفاسها، ومع مضيها كانت تفقد بعضاً من تلك القدرة التي كبلتها طويلًا، فيما تخف حدتها وتلين أطرافها وتذوب في المعنى. عند الجملة الأخيرة أدركت أن الحاسة التي ظنتها تنفذ إلى عقول الآخرين لم تكن تقرأهم بل كانت تكتبهم في موضع ما، وأن الروائح التي التقطتها يومًا لم تكن سوى نصوصاً تسكنها، وحين وضعت النقطة الأخيرة شعرت بخفة لم تعهدها وأدركت أنها قد أكملت كتابة الرواية.