حوار في الذاكرة الموسيقية للمنطقة الشرقية..

سلمان جهام.. أربعون عامًا من الوفاء للموسيقى.

منذ مطلع الثمانينات، ظلّ اسم الفنان سلمان جهام حاضرًا بوصفه أحد الأصوات التي اشتغلت على الموسيقى باعتبارها فعلًا ثقافيًا طويل النفس وليس ممارسة فنية عابرة. بدأ رحلته من جمعية الثقافة والفنون بالدمام عام 1984، ومنها اتجه إلى القاهرة لدراسة الموسيقى أكاديميًا، قبل أن يعود مشرفًا على لجنة الموسيقى، ومساهمًا في تدريب مئات المواهب، وصناعة واحدة من أهم التجارب الكورالية في المنطقة الشرقية. في هذا الحوار، يفتح سلمان جهام ذاكرة أربعة عقود، مستعيدًا البدايات والتجربة الأكاديمية، وتأثره العميق بمدرسة عبد الحليم حافظ، والعمل المؤسسي وأسئلة المستقبل. يمتلك المبدعون لحظة يدركون فيها أن الفن طريقهم المختار. متى استجاب سلمان جهام لنداء الموسيقى أول مرة؟ وكيف كان لقاؤك الأول مع آلة العود؟ - أولًا، أتقدم بجزيل الشكر لشخصكم الكريم ولمجلة اليمامة على هذه الاستضافة الغالية. لكل إنسان محطة انطلاق واضحة، حتى وإن لم يدرك معناها الكامل إلا بعد سنوات من التراكم والخبرة. محطتي الأولى مع الموسيقى كانت وأنا في السابعة من عمري، مع دخولي مدرسة فلسطين الابتدائية بالدمام، حيث كان النشاط الفني جزءًا حيًا من الحياة المدرسية. كنت ضمن فريق النشيد المدرسي الذي يقدم عروضه على مسرح المدرسة، وهناك بدأت أكتشف الموسيقى التي تسكنني. بعد السنة الثانية، تولدت لدي رغبة حقيقية في امتلاك آلة موسيقية، فكانت البداية مع آلة الهارمونيكا، وهي آلة نفخ صغيرة بحجم كف اليد. في تلك الحقبة، لم يكن الحصول على آلة العود أمرًا يسيرًا، وكان أبناء جيلي يلجؤون إلى صناعتها يدويًا؛ نصنعها من الجالون ونشد عليها الأوتار. ظل العود حلمًا مؤجلًا حتى حصلت عليه فعليًا وأنا في الصف السادس الابتدائي. اتجهت إلى القاهرة في الثمانينات لتطوير موهبتك أكاديميًا. كيف تشكّل قرار الدراسة، وما الذي أضافه لك دبلوم الموسيقى العربية؟ - لم يكن قرار الاتجاه لدراسة الموسيقى مفروشًا بالورود. واجهت معارضة شديدة، سواء من المحيط العائلي أو المجتمعي، وكانت كافية لأن تدفع أي شخص للتراجع. غير أنني اخترت القرار الأصعب، وتحملت مسؤوليته كاملة. بعد إنهائي المرحلة الثانوية، أنهيت إجراءات السفر إلى القاهرة، وكان الإصرار ينمو داخلي يومًا بعد يوم. تقدمت إلى معهد الموسيقى العربية، ودرست حتى حصلت على الدبلوم الموسيقي. هناك أدركت أن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن العلم الموسيقي هو ما يمنحها الاستمرارية والعمق. دراسة النوتة، والهارموني، والمقامات، أعادت تشكيل ذائقتي الفنية، وجعلتني أرى الموسيقى بصفاء مختلف، باعتبارها نقطة ارتكاز لكل الفنون. يراك كثيرون شبيهًا بالفنان عبد الحليم حافظ في الملامح. كيف تعاملت عزيزي أبو عبدالحليم مع هذا الربط؟ وهل شعرت يومًا أن روح العندليب تحضر معك حين تمسك بالعود؟ - لا توجد لقاءات عبثية في الحياة؛ كل ما نصادفه إما اختيار، أو اختبار، أو هدية من السماء. وكان عبد الحليم حافظ هديتي السماوية منذ عام 1972. مسألة الشبه في الملامح أمر يسرني، لكنها ليست الأساس. الأهم هو ذلك اللقاء الروحي العميق الذي جعلني أراه أبًا بأكمل صور الأبوة. نعم، أشعر بأن روحه تحيط بي، غير أنني لم أتقمصه يومًا. كنت تلميذًا في مدرسته، ممسكًا بالعود، حريصًا على ألا أقع في فخ التقليد أو التصنع. حتى إنني كنت أرفض تقديم أغانيه أمام الجمهور، مصرًّا على تقديم ذاتي وأعمالي، مع يقيني بأنه كان الموجّه الذي يدلني على الطريق الصحيح. لدي تراث عبدالحليم حافظ كاملاً يمثل عبد الحليم حافظ حالة متفردة في تجديد الموسيقى العربية. ما القيمة الفنية الأهم التي استلهمتها من مدرسته؟ - عبد الحليم حافظ مدرسة قائمة بذاتها، عملة لا يمكن تزييفها أو تقليدها. جوهر تجربته يكمن في البساطة العميقة وصدق الإحساس. قوته لم تكن في الاستعراض، بل في القدرة على الوصول إلى قلب المستمع دون حواجز. مع مرور السنوات، اكتشفت تفاصيل إنسانية لافتة بيننا؛ فنحن من البرج نفسه، وولدنا في الشهر ذاته، ولا يفصل بين تاريخي ميلادنا سوى يوم واحد. ومع ذلك، ظل الفارق واضحًا بين التأثر الإيجابي والتقليد. أملك اليوم كامل تراثه الفني، وجميع ما صدر عنه من كتب، وما زلت في حالة بحث دائم عن كل ما يخص شخصيته وتجربته. أعمل منذ سنوات على مشروع موسوعي يوثق إرثه، وما زلت أستمع إلى أغانيه وكأنني أسمعها للمرة الأولى. يتجاوز تعلقك بعبد الحليم حدود الإعجاب إلى ارتباط وجداني. هل هناك أغنية تعتبرها الأقرب إليك؟ وكيف شكّل صوته ذائقتك قبل الدراسة الأكاديمية؟ - علاقتي بعبد الحليم لا تختزل في أغنية واحدة، بل في حالة شعورية متكاملة. صوته شكّل وجداني مبكرًا، وعلّمني كيف يمكن للأغنية أن تكون حكاية، وكيف يصبح الأداء الصادق لغة قائمة بذاتها. قبل أن أدرس الموسيقى أكاديميًا، كان هو المدرسة السمعية الأولى التي صقلت إحساسي، ومهدت لفهم أعمق للموسيقى لاحقًا. أخذت على عاتقي اعادة نشاط الموسيقى كنت ركنًا أساسيًا في جمعية الثقافة والفنون بالدمام منذ وقت مبكر. كيف تصف طبيعة النشاط الموسيقي آنذاك، وما أبرز المحطات؟ -تعرفت على معنى الانتماء الثقافي من خلال عضويتي في الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون منذ سن السابعة عشرة. عاصرت جميع من تولوا إدارتها، بدءًا من الراحل ناصر المبارك، مرورًا بالأستاذ صالح بوحنية، الذي التحقت في عهده بالدورة الموسيقية التي استفدت منها كثيرًا على يد الأستاذ حسن زين الدين. شاركت في إطلاق أول كورال سعودي عام 1985، أي قبل ذهابي لدراسة الموسيقى في القاهرة. وخلال فترات الإجازة، كنت أعود للمشاركة في الأنشطة الموسيقية. وبعد حصولي على الدبلوم، ازداد تعاوني مع الجمعية، خاصة في مجال الموسيقى المسرحية، حتى عام 2004، حين تم تكليفي برئاسة قسم الموسيقى. عندها أخذت على عاتقي مسؤولية إعادة النشاط الموسيقي إلى الساحة، وتذليل العقبات التي واجهت كل نشاط فني في ظل تيار مجتمعي رافض للفنون. قدمت العديد من الدورات الموسيقية. ما الذي خرجت به من هذه التجربة الطويلة؟ وهل ترى مستقبل الموسيقى السعودية مطمئنًا؟ - منذ تكليفي برئاسة قسم الموسيقى، قدمت ما يزيد على مئتي دورة موسيقية لطالبي الثقافة الموسيقية والموهوبين. كنت أقول دائمًا لإخواني الموسيقيين: سيأتي يوم تفتخرون بأنكم موسيقيون. منذ عام 2006 حتى 2024، أطلقت لجنة الموسيقى أمسيات وفعاليات جديرة بالاهتمام، من بينها أمسيات لتكريم رموز أثرت الساحة الفنية، مثل رياض السنباطي، وطلال مداح، ومحمد عبده، وعوض الدوخي، وصالح الشهري، إلى جانب المحاضرات والندوات والملتقيات الموسيقية، ومن خلالها قُدمت أصوات واعدة باتت اليوم حاضرة على الساحة. الأمل موجود في عودة كورال الدمام بثوب جديد أطلقتم فرقة كورال الدمام عام 2023 ثم توقفت. كيف بدأت الفكرة؟ وما الأسباب التي حالت دون استمرارها؟ - في عام 2021، تشرفت بتكليفي بالإشراف الأكاديمي على مشروع إنشاء الفرقة الوطنية الذي أطلقته وزارة الثقافة عبر هيئة الموسيقيين. بعد انتهاء التكليف، شجعني ذلك على إقامة مشروع كورال الدمام تحت مظلة جمعية الثقافة والفنون. عملنا على المشروع قرابة عام وثلاثة أشهر، وضعنا خلاله اختبارات الأداء والإجراءات، وتقدم أكثر من 300 صوت من الجنسين، جرى اختيار 40 صوتًا منهم. تشكل فريق إداري بمساندة الصديق الإعلامي أحمد جاسم، واستعنا في التدريبات بالفنان خالد إبراهيم. وصلنا إلى مرحلة الجاهزية بمشاركة نخبة من العازفين: عيسى بوقيتة، وناصر السعيد، وقاسم الدوسري، وأمين شحادة، إضافة إلى مجموعة الإيقاع بقيادة محمد السويح. بعد حفل التدشين الناجح، حالت الظروف التي مرت بها الجمعية دون الاستمرار، غير أن الأمل بعودة كورال الدمام بثوب جديد ما زال قائمًا. أعمل على مشروع فني مهم بعيدًا عن الأضواء، من هو سلمان جهام في لحظة العزلة؟ وما النوتة التي ما زلت تنتظر عزفها؟ - أنا إنسان عادي في تفاصيل حياتي اليومية، أما كموسيقي فلدي عزلتي الخاصة وفوضاي المرتبة. أقضي وقتي مع آلة العود، ومع المراجع الموسيقية والقراءة. أعمل على إنجاز مشروع فني مهم وإخراجه للجمهور بعد سنوات طويلة من العمل. وصيتي للشباب الموهوبين: ادرسوا الموسيقى دراسة جادة، فالموهبة وحدها لا تكفي. العلم الموسيقي، والثقافة، والاطلاع، هي ما يمنح الموهبة أرضية صلبة للاستمرار.