طاهرة آل سيف لها من اسمها نصيب حيث جاءتها الحالة السردية كنوع من الكشف لا الاستكشاف كي تصف المشهد أكثر مما تتحدث عنه ؛ لذلك ... تأتي قصصها كأيقونة خاطفة و رؤية يتسع مداها بملامح مزدحمةٍ بالمرايا ، و هي ليست سوى قناصة للحظ أو على الأرجح ساقية للأرض التي حرثها القدامى من فرط إيمانهم بحياة أخرى و هكذا يتحدثون و يتأملون ما تفيض به جرار الحكايا إلا أن (شهرزاد) تلك الغامضة التي عزَّت بنات جنسها بفطنة القول قبل حيلته مازالت سيرتها تتجسد في بنات جنسها على نحو الإلهام الأبدي ، ومن هناك عبَّأت (طاهرة) رسائلها المتأخرة برجفة المرتبك و دهشة المُحتفى به : هنا نقرأ الشخص قبل النص و نتفحص الذاكرة بوعي مترف بماوراء الحكايا . * في (رسائل متأخرة) أنت تلمسين التعب في الطفولة وهذا إشكال متصل لا ينتهي منذ القدم؛ برأيك هل يستطيع الأدب أن يعالج جذور هذه المشاكل الإجتماعية؟ يحب الأدب أن يشاغب الجذور، ويحضر القضايا على طاولة الاعتراف، يحب أن يلمس الحياة بأكثر ممكناتها حساً ورهافة وأحياناً بأكثرها قسوة وفجاجة، نزعمُ أنه يقترب من الحقيقة، نزعم أنه يعالجها، لكن لاشيء من هذا يحدث، مايحدث هوفتح الجروح عهداً بعد عهد، وجيلاً بعد جيل إمعاناً في الأثر. * في نص (دوران) غصة الوحدة الموجعة تشبه بعضها الذوات المتعبة؛ كيف تصبح الرسالة العائدة شفرة قاطعة للروح؟ حين تبدو الخيارات مزيجاً من النزاعات، تماماً كنزاعات ذوات الانسان، حين ينهار المنطق أمام العاطفة في كل مرة، تولد الوحدة كرسالة تدور في زمن لايزال يشكو الاغتراب ويمجد العزلة . (يا صمت .. مازلنا هائلين.. أنت تتمنع عن القول.. ونحن نتصنع السكوت..) ؛ هل الصمت فعل إحتجاج هنا ام إنتظار وتسليم؟ الصمت سمة الاستبصار، أعرفه هكذا، وأعرفه كمنطقة أذهب إليها لتأمل المواقف العابرة والانتباه للقصص الوعرة، اشترطت القصص مساحة من الصمت عبر التكثيف أحياناً وأحياناً عبر النهايات الصادمة ، تاركة للآخر منطقة للتأمل، أو للتأويل، تماما كالبياض في لوحة فنية أوكالصمت في مقطوعة موسيقية ، تُرك كفرض جمالي بالضرورة . * هل أنت معي في أن الجدة والأم مصدران مهمان في سردنا الأول، والخيال يكمل ما تبقى من دهشة النص، أم أن للمكان والقراءة أثر أكبر؟ الانسان كائن مولع بالحكايات، ولعل الجدات والأمهات هن من أشعلن هذا الفتيل منذ التهويدة الأولى، لا أستطيع أن أنسى أغنية جدتي التي اخترعتها لتدليل حفيدتها، مقطوعة قصيرة ملحنة تتردد في ذاكرتي كحكاية حاضرة حتى الساعة، سيما إذا كانت الجدات ممن يمتهن صنعة أو يمارسن هواية أوكان لهن مجلس للنساء، كانت جدتي كل هؤلاء، وأنا أعزو لها البذرات الأولى لحكاياتي، لم تقصصها علي، لكنها هيأت حياة غنية كافية لملء خزان ذاكرتي لأعيد صياغته في اطارالقصص والكتابة، غير أن كل ماذكرته لا يمكن إدراكه وصبه في قوالب الأدب، إن لم تكن هناك ذخيرة قرائية أدعي من خلالها أنني استطعت صعود مستوى من الوعي القادرعلى فهم علاقة الأدب بالحياة. أدين للمكان، أدين للأحياء والأصوات والناس الراحلين من مدينتي، إنني مسكونة بها وخيالي يتقد كما لم يكن كلما مررتُ بأزقتها . * كاتبة وفنانة تشكيلية وقراءات نقدية والكثير من القصص؛ إلى أيها تميل روحك يا طاهرة؟ أشعر أنني كلٌ مجتزأ من كل الأشياء، إنني أطمع دائماً في لمس الحياة، والانغمار في حقيقة وجودي بها، أبحث عن عمقها في كل جانب أتتني به على شكل هبة أو حب صغير لهذه الأشياء، ولا أرى أنني أحياها أو استشعرها كما أحياها واستشعرها عند الكتابة والفن والقراءة والتحليل سواء بصفتي ممارسة لها أو متلقية. نص (الحائط) ممتلئ بالوجع والألم اللانهائي ؛ الأم هنا فاجعة والحياة بلا طعم؛ من أي الجهات ممكن للضوء ان يتسرب ليهب البناء مرة أخرى حياة متعددة؟ نص الحائط كان متكئاً على قوة الرجل، بصفته الأب و الزوج الفاقد الثابت الصلب، وصورته الشامخة المهيبة في كثير من البيوت والمتنحى عنها للأسف، بقدر فاجعة الأم المعلنة المولولة كانت هناك فاجعة أكبر منها في الخفاء صامتة ساكنة، فاجعة الأب الذي يلجأ للمخازن أو للسطوح حيث لا أحد، يبكي وينتحب لتبقى الصورة مكتملة تامة ومثالية دائماً، أي قوة هذه! أحسب أنها قوة الضوء الذي يتسرب ليهب البناء مرة أخرى حياة متعددة . * ما الذي يشغل القاصة آل سيف بعد (رسائل متأخرة) وهل لها أن تغامر في دخول عالم الرواية المغري والمحرض؟ لازلت منشغلة بالقصة، لم تفرغ مني بعد، وأجدني منسجمة بها حتى الساعة، وإن كان جمهورها قليل ومجامل ومنصرف عنها، أفكر في كتابة الرواية ولكن كخطة بعيدة الأمد، أرى أن الرواية في ظل الثورة المعرفية الهائلة باتت بحاجة إلى تجربة حياتية أكثرعمقاً، ومعرفة فكرية أكثر جودة، والدخول بها إلى فكر الانسان المعاصر ليس سهلاً، لا أعني أن القصة القصيرة أسهل ولكن الرواية وعي بحياة قائمة بذاتها، أحب الروايات كثيراً أقرؤها وأكتب عنها وتغريني لكتابة المزيد من القصص، وتظل مفضلاتي منها مشروطة بزمنها الكتابي ، ولم تحرضني الروايات الحديثة على خوض التجربة إلا ماندر منها. * كيف تقرأ طاهرة هوية المكان في النص القصصي وهل عملت عليه في نصوصها؟! يبدو المكان في السرد عامة، مجزءا بين الأطلال، والذاكرة، والألفة، أرى أن هذه مناطق انبثاق الفضاء المكاني في أي نص، ومنها تنشط مراكز الخيال، البيت القديم الذي نشأنا فيه والأحياء التي ركضنا بها كلما ابتعدنا عنها استعدنا ذكراها، وتخففنا بكثير من صلابة الحياة المادية عبرها، الكاتب من حيث لا يقصد يتخفف من صلابة الواقع عبر الأدراج والسطوح الخزائن والسرروكل مامرت به ذاكرته البعيدة والتي يسميها باشلار (بيت الأشياء) يمر بها ويؤثث قصصه في زواياها، أجدني كتبتُ في النصوص ماتخففت به . * أنت فنانة تشكيلية وقاصة ؛ مالذي يمكن قوله فنيا عبر اللوحة ولا يقال عبر الكلمات؟! يقال الخيال بأكثر صورهِ سطوة وجلاء وترجمة، تقال الحياة من أكثر جوانبها عمياً وخوفاً ومواربة. * حضرت المرأة في نصوصك متعبة ، منهارة وخائبة؛ أليس ثمة أمل آخر النفق ضمن نصوصك؟!! قد تكون المرأة أُجهدت في نصوص المجموعة، وقد أكون أنا من أجهدتها من حيث لا أقصد، حين أردت لها أن تظهر بمظهر الرمز وهو يشكو ويسقط ويتعثر ويخطىء، لم أرد لها الانهيار وأردت أن أمنحها نظرة أخرى تصرف عنها القداسة قليلاً لتمنحها حق الاعتدال في الحكم، هذا الاعتدال الذي من الممكن أن ينتهي بالتصالح مع جذور الألم وعبء المثالية . * مر عامان على إصدارك الأول؛ ما الجديد القادم وهل هو سردي بالضرورة أم معرض تشكيلي مفاجئ؟ أحاول جاهدة أن أقتفي خطى الكتاب الجادين الذين يوصون بالتزام الشاشة لساعات مخصصة من اليوم للكتابة، يهزؤن بربة الالهام وطقوس استحضارها، فينجزون كتباً لخطة سنوية مدروسة، أو ينتهون من العديد من الـ(سكتش) تحضيراً لمعرض ربما، لكنني أغرق كثيراً في قراءة المزيد من الكتب و تصحيح ما أكتب ومراجعة ما ألهمني من قصص، وغبطة الحكايات الناجحة، وشراء المزيد من أقلام الرصاص وأدوات الرسم وتأمل الوجوه التي سأرسمها، غير أني أزعم بهذا قد حاربتُ وسواس الجدوى اللعين .