برنامج برفقة الضوء نموذجا..

البرامج الحوارية نص ثقافي ومعاني منتجة .

في داخل كلّ عمل ابداعي هناك رسالة صغيرة لها القدرة على ايقاظ مناطق الوعي النائمة أو العكس ولعل أسرع رسالة فورية تصل إلى الجمهور هي النصوص الاعلامية وما لها من قوة تأثير إذا يأخذها المستهلكون على محمل الجد. وكثيرة هي البرامج التي انتجت معرفة وصنعت ثقافة اجتماعية ولم يكن ( الترند) موجودا وقتها فهذه النوعية قد اعتنت بالمضمون الفكري في الحوار بين المقدم والضيف لا على الشكل الشخصي كما أراه في أغلب برامج الترند الحالية ولست معنية بذكرها فهي تنتمي إلى ثقافة الاستهلاك. مؤخراً لفت نظري برنامج حواري بعنوان( برفقة الضوء ) الذي اعدّته وقدمته الممثلة العراقية( هند كامل) عندما صرت اسمع الحوار مع ضيوفها من فئة الفنانين والفنانات وأقرؤه بصفته نصاً ابداعيا واقعيا يجعلني أعيد النظر برؤيتي للحياة والثقافة، كما إني لا استطيع تخطي الممثلة المقدمة التي وضعت خبرتها الفنية والثقافية والاكاديمية في اعداد حوار تقدمه باللهجة البيضاء مع مزيج من لغتنا العربية وبنبرة صوت راكزة وهادئة وصافية، تعرّف بضيفها بطريقة غير تلقيدية اذا تبدأ من اسئلة عن ماضيهما الفني المشترك ومتابعتها لمنجز ضيفها الفني والابداعي، ومن ثمَّ تسحب نفسها وهي ترتشف القهوة وتترك له فسحة شرح ذاته وتقديم أفكاره لدرجة شعرت أن ضيوف هند كامل كما أحب أن اسميهم نسوا أن الكاميرا أمامهم فتنوعت معاني النص الحواري وصارت تمرر رسائل هادفة تبيّن قدرة القوى الناعمة إن تفوقت كيف ستبني الانسان وهذا الأخير يبني الدولة . . برنامج برفقة الضوء من اعداد وتقديم هند كامل واخراج احمد الطيب عرض في رمضان على شاشة قناة العراقية ، وأرى أن برنامج اعاد الذائقة الحوارية للمُشاهد بل استطاع من ترميم صورة الشاشة الاعلامية العراقية التي هشمتها البرامج الحوارية المتخمة بالضجيج، لذا أجد أن مقدمته وضعت برنامجها بمعايير الاعلام الجاد أن صحت التسمية، الذي يرتقي بالمتلقي وينمي ثقافته، لأنّ وسائل الاعلام لها دور مركزي في اتاحة الثقافة للجماهير فضلاً عن هذا هناك ضوء آخر قدمه ضيوف(هند) كما أحب أن اسمّيهم، وهو التركيز على مفاصل فنية معرفية مهمة، استدعاها سؤالها عنها، اذا لفت نظري الفنان حكيم جاسم إلى جمهور المسرح الذي كان في السابق من النخبة التي تشارك بتقييم المسرحيات وتقديم النقد وتقويمه، ويوضح لما للمسرح من دور في الرفض والاحتجاج على السلطات ويعزز هذا الامر بتجربة شخصية وهي المسرحية بمرحلة حرجة من تاريخ العراق في الماضي لكنها عُرضت وهنا أشير على أن الاعتناء بالمسرح يجعل الشعوب لا سيما بالبلدان التي تعيش اضطرابات داخلية مدنية ومتنورة. وحامد المالكي كاتب السيناريو وهو يفكك الشخصية العراقية عندما قال ( العراق بلد الفنان الواحد، وأفلامنا العراقية ببطل أو أثنين حتى بالمسرح لا يشترك الفنانون كلهم ) وكيف لا تميل الشخصيات الابداعية الى العمل الجماعي وبهذا الأمر يركز على علة الشخصية وهنا يلفت النظر بطريقة عالم الاجتماع إلى تلك الاشكالية التي لابد من معالجتها ، وأما الفنانة سمر محمد فقدمت أهم نصحية بلهتجها المصلاوية لكل النساء في عدم الاتكاء على جمالهن لا سيما بالفن ( اضحكي مع وجهك وابكي مع وجهك) وهي اشارة إلى صقل الموهبة وعدم الاتكاء على الجمال فهو زائل ، والقديرة عواطف نعيم التي قالت : خشبة المسرح مقدسة لا تتحمل المجاملة وهي تتحدث بصفتها مخرجة مسرح وهي تشير إلى أن المجاملات تقتل الابداع، والمطربة فريدة ودعم الاب بحياتها، والفنانة أسماء صفاء كيف خرجت من سلطة الأسرة لتهرب نحو طموحها بالتصوير الفني وهي تمرر رسالة نحو ملاحقة الطموح مهما كلف الأمر، وصفا ابراهيم التي لم تنس أن الوفاء يكمل الانسان وهي تتحدث عن المخرج الراحل مهدي طالب الذي منحها جرعة الثقة. وآخرون لا يتسع المقال لهم، لكن لو دققت بكل حوار سأجد فيه القيم الثقافية والتجربة، ومراجعة كاشفة لثقافتنا العراقية. أقول: إن وسائل الاعلام والبرامج الحوارية لها قدرة على انتاج الخطاب الواعي والمعرفة الناضجة فهي وسائل منتجة وليست استهلاكية أن حددت واجهة بوصلتها، وهند كامل استطاعت أن تحقن المُشاهد بجرعات ثقافية وتنعش أُذن مستمعها بتلك اللغة الانيقة.. كاتبة وأكاديمية عراقية.