أعباء التشعّب.!
خطت وزارة التجارة في السنوات الأخيرة خطوات جيدة إلى حدٍ ما في مسار تطوير البيئة التجارية، ويمثل ذلك بوضوح ما يقوم به المركز السعودي للتنافسية والأعمال من جهود في تنظيم كثير من الإجراءات المرتبطة بالمنشآت التجارية، كبيرها وصغيرها، بما يسهم في تسهيل بعض المسارات واختصار جزء من الدورة الإدارية التي كانت ترهق التاجر وتستهلك وقته، إلا أن هذا التطوير، على أهميته، لا يزال بحاجة إلى أن يمتد إلى بعض الجهات التي لم تواكب التحول بالقدر المأمول، وفي مقدمتها الغرف التجارية، التي ما زالت في بعض جوانبها كما يقول المثل الشعبي - على طمام المرحوم - رغم أن المرحلة الحالية تتطلب مراجعة جادة لدورها وآلية عملها ورسومها وعلاقتها بالمنشآت. ومن أبرز ما يحتاج إلى إعادة نظر أن يكون الرقم الموحد للمنشأة هو الأساس في جميع التعاملات، بوصفه المعرف الحقيقي والثابت للكيان التجاري، بدلاً من تعدد الأرقام وتكرار المرجعيات، ومنها رقم عضوية الغرفة، الذي لم يعد منطقياً أن يبقى شرطاً مستقلاً في ظل التحول الرقمي وتكامل الأنظمة. فالأصل أن تكون هوية المنشأة واحدة في جميع الجهات، وأن يبنى عليها الربط والتوثيق والتصديق وسائر الخدمات. كما أن من المسائل الجديرة بالمراجعة أيضاً مسألة إلزام المنشآت بالانضمام إلى الغرف التجارية، إذ لا يبدو هذا الإلزام منسجماً مع طبيعة النشاط التجاري المعاصر، خاصة أن كثيراً من المنشآت قد لا تحتاج إلى خدمات الغرفة إلا نادراً، وربما تمر سنة أو أكثر دون أن تضطر إلى تصديق أي خطاب. ومع ذلك تفرض عليها رسوم الاشتراك، ثم لا تعفيها تلك الرسوم من دفع مبالغ إضافية عند كل عملية تصديق، وبهذا تكون المنشأة تدفع مرتين: مرة للدخول الإجباري، ومرة للاستفادة الجزئية عند الحاجة. ولهذا فإن المنطق يقتضي أحد أمرين: إما أن تكون رسوم الغرفة شاملة لجميع خدمات التصديق طوال العام دون تحميل المنشأة رسوماً متكررة، وإما أن يكون الانضمام إليها اختيارياً لا إجبارياً، بحيث يقرر التاجر بنفسه جدوى الاشتراك وفق حاجته الفعلية إلى تلك الخدمات، كما كان معمولاً به في أعوام سابقة. أما الجمع بين الإلزام والرسوم السنوية والرسوم المتكررة معاً، فهو عبء لا يتفق مع روح التيسير التي يفترض أن تسير عليها بيئة الأعمال. ومن زاوية أخرى، فإن انتشار الغرف التجارية في كل مدينة ومحافظة كان مقبولاً في مراحل سابقة حين كانت الفروع متعددة، والإجراءات مشتتة، والتنقل بين الجهات جزءاً من طبيعة العمل. أما اليوم، وبعد أن تقلصت الحاجة إلى هذا التوسع الإداري مع إلغاء فروع المنشآت بصيغتها القديمة، والاقتصار على مؤسسة أو شركة أو بهما معاً للتاجر الواحد، فإن بقاء هذا الامتداد بالشكل التقليدي لم يعد له ما يبرره بالقدر نفسه. فالأقرب إلى المنطق العملي أن تكون الغرفة ذات طابع مركزي موحد، وتدار خدماتها إلكترونياً على مستوى المملكة، من خلال الرقم الموحد للمنشأة، دون الحاجة إلى الارتباط بعضويات مناطقية متفرقة أو هياكل إدارية متشابهة. لقد أثبت التحول الإلكتروني قدرته على اختصار الوقت والجهد والمسافة، وأصبح تصديق الخطابات إلكترونياً أمراً ممكناً وواقعاً في كثير من الحالات، فلماذا لا يبنى هذا المسار على قاعدة أكثر بساطة ووضوحاً، تجعل الرقم الموحد هو المدخل الوحيد، وتنهي ازدواجية الأرقام والرسوم والاشتراطات؟ إن التسهيل الحقيقي لا يكون بمجرد نقل الإجراء من الورق إلى الشاشة، بل بإعادة تصميمه من الأصل على نحو يراعي مصلحة المنشأة ويمنحها خدمة أكثر عدالة وكفاءة. إن مراجعة وضع الغرف التجارية اليوم لم تعد ترفاً إدارياً، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، خصوصاً في ظل ما تعيشه المملكة من تطوير متسارع في الأنظمة والخدمات والمنصات. والتاجر أو المستثمر لا يبحث عن تعدد الجهات بقدر ما يبحث عن وضوح المرجعية، وعدالة الرسوم، واختصار الطريق. وكلما اقترب التنظيم من هذه المبادئ، كان أكثر انسجاماً مع مستهدفات التطوير، وأكثر خدمةً للاقتصاد الوطني.