الأستاذ الودود.

في أواخر أيّام عام 1405هـ بدأ العام الدّراسي الثالث للفتى في ثانوية الفاروق، وجذب انتباهه أوّلَ العام أستاذٌ جديد، طلْقُ الـمُحيّا، بشوشٌ عند اللُّقيا، يبثّ فيمن يراه نشاطًا وحيويّة، ويغمره تفاؤلًا وأريحيّة، ومن البيّن الظاهر أنه من صنف جعل التعليم همًّا ومسؤوليّة، واستشعر رسالته وأهميته، وأولاه رعايته وجهده، وأنه اختار ميدان التعليم للبناء والعطاء، ولم يكن عنده مجرّد وظيفة يؤدّيها، أو عمل يُنهيه. ابتسم الفتى وهو يرى ابتسامة أستاذه محمد بن سلطان السحيباني ـــ التي عرف فيما بعد أنها لازمة مألوفة ـــ تسبقه وهو يدخل عليهم للمرة الأولى أستاذًا لمقرّر التوحيد، وزاد سروره حين علم أنه سيدرّسهم مقرّر الحديث كذلك. ثمّ رأى فيه على مدار عام كامل طاقة تتدفّق، ونشاطًا لا يهدأ، يراه في كل ميدان في المدرسة، كأنه ساقٍ يُروي، أو حارثٌ يزرع، يتعامل مع من يلقاه بتواضع ودماثة، ولين ورحابة، يهدم ما بينهما من حواجز، ويبني ما بينهما من شواغر، وهو يراه أوّلَ اليوم وآخرَه مقبلًا على الجميع، لطيفًا ودودًا مع الصغير قبل الكبير. كان من أجمل ما يعلّمه أستاذُه الودودُ تلك السماحةُ الفطريّة، والبشاشةُ التلقائية، فما رؤي مفارقًا ابتسامته، أو متخلّيًا عنها، فكانت أداتَه المكينة، ورايتَه الركيزة. وكان من اللطيف السامي أن يُرَى أستاذُ مقرّر الحديث يعلّمُ الحديثَ النبويّ في كتاب وأقوال، ويُرِي الخلقَ النبويّ في أعمال وأفعال، وأنْ يُعرفَ أستاذُ مقرّر التوحيد يعلّمُ مسائلَ التوحيد في غرفة الصف، ويرسّخُ دعائمَ التوحيد في ساحة الحياة. ها هو الأستاذ بعد أربعين عامًا من مفارقة الفتى غرفة الفصل الدراسيّ، يعاود دروس الإيمان والأخلاق، فيُهدي صاحبَنا كتابَه “1500 يوم والقرار الصعب” الذي روى فيه تجربته مع مرض خطير أصابه، ناقلًا فيها تجربته ومعاناته، ومصوّرًا حاله ومُقاساته، في نقل أشبه بالنقل الحيّ المباشر لكل لحظة من ذلك الابتلاء. قرأ صاحبنا كتاب أستاذه فعادت علاقة الأستاذية والتلمذة بينهما جذعة، كأجلّ ما تكون العلاقة، واستغرق التلميذ في قراءة كل حرف؛ فتعلّم من الكتاب أنّ الرِّضا أوّلُ العلاج، والصبرَ أقوى الأسباب، والتوكّلَ قرينُ المعافاة، والدعاءَ سرُّ المداواة. وراق له كثيرًا نسائمُ الوفاء التي هبّت في حروف أستاذه وهو يشير إلى والديه وزوجته وإخوانه، ذاكرًا فضلهم ومساندتهم، وعباراتُ الشكر والدعاء التي أزجاها لأطبائه وأصحابه. وأشجاه ما قرأه خلف السطور من حبٍّ دافق حملته نفسُ أستاذه النقيّةُ لينتفع كلّ القرّاء، ويجدَ فيه المرضى سلوةً وعَزاء؛ بنصح ينضَح صدقًا، وتذكير يشِعّ رِفقًا. وكان الكتاب مليئًا بالوقفات الإيمانيّة، واللفتات الخلُقيّة، والمواقف الإنسانيّة، يعمّقها صدقُها، ومهاتفتُها للرّوح قبل العين. علّم الأستاذُ صاحبَنا بسيرته وطريقته أنّ الخُلُق الحسن هبةٌ نفيسة، وصفةٌ عزيزة، وأنّ من يؤتاها أوتي مِنّةً فريدة، ومَن كان مِن أهلها كان مِن أهل الثروات الثمينة، وترسّخت هذه المعرفة في عقله وروحه وقد رأى على امتداد سنين عمره اللاحقة كيف صارت الأخلاق الجميلة عند البعض حروفًا في سطور الكتب يحفظونها لكنهم لا يعرفونها، ويكنزونها ولا ينفقونها؛ ولا خيرَ في خلُق ظلّ حبيسًا، ولا غَناءَ في علم لم يكن لصاحبه طريقًا! وعرف صاحبُنا في أستاذه كيف يكون الأستاذ مربِّيًا مهذِّبًا، ومصلحًا مقوِّمًا، وكيف يمكن أن تكون المادّة المدروسة خبرة وممارسة، ومنهجًا للحياة، قبل أن تكون معلومات تُشحن بها العقول، وهذا خير ما يُضفي على العلم بركة وتغلغلًا، وفاعليّة وأثرًا.