أقام صالون نبل الثقافي ضمن مبادرة الشريك الأدبي بمكتب مدينتي المغرزات ، جلسة حوارية بعنوان: الكتابة الذاتية وكان ضيف اللقاء أ. خالد الباتلي، وأدارة اللقاء أ. روان الوابل ، و تناول الضيف فيه مفهوم “الكتابة الذاتية” بوصفها أحد أهم أشكال التعبير الأدبي و الإنساني، ووسيلة عميقة لفهم الذات وإعادة قراءة التجربة الأدبية و الشخصية. واستهل الباتلي حديثه بتعريف الكتابة الذاتية، مشيرًا إلى أنها نوع من الكتابة ينطلق من التجربة الشخصية للكاتب، حيث لا يكتفي بسرد الأحداث، ولكن يعيد تأملها وفهمها من الداخل، موضحًا أن “الكتابة ليست تسجيلًا للحياة، إنما إعادة فهم لها”. وقد أكد أن هذا النمط من الكتابة يعتمد على الصدق الداخلي، ويمنح النص عمقًا يتجاوز حدود المعلومات إلى فضاء الشعور والتجربة. وتناول في اللقاء أبرز أشكال الكتابة الذاتية، مثل السيرة الذاتية، واليوميات، والمقالات الوجدانية، والرسائل الشخصية، مبينًا أنها جميعًا تشترك في كونها تعبيرًا عن “الذات كما يعيشها الإنسان”، لا كما تُرى من الخارج. كما أشار الباتلي إلى الفرق بين الكتابة الذاتية والكتابة الموضوعية، حيث تركز الأخيرة على الحقائق والمعلومات، بينما تنشغل الأولى بالتجربة الداخلية وما تتركه من أثر في النفس. وفي سياق حديثه، أشار الباتلي إلى الفروق الثقافية في التعامل مع هذا النوع من الكتابة، مبينًا أن المجتمعات الغربية تنظر إلى الكتابة الذاتية بوصفها فعلًا من أفعال الصدق والشجاعة، ووسيلة لفهم النفس والتعبير عنها، بل وتُستخدم أحيانًا كأداة علاجية. في المقابل، أوضح أن السياق العربي يتعامل معها بحذر أكبر، نظرًا لارتباط الفرد بمنظومة اجتماعية وقيمية، تجعل من الإفصاح الكامل عن الذات أمرًا يحتاج إلى توازن بين الصدق والستر. كما تناول ضيف صالون نبل الثقافي، الكتابة الذاتية بوصفها تجربة شخصية، مشيرًا إلى أن الكتابة لم تكن بالنسبة له فعل معرفة بقدر ما كانت وسيلة لاكتشاف الذات، حيث قال إن كثيرًا مما نكتبه لا يكون انعكاسًا مباشرًا لما حدث، إنما لما “بقي فينا من هذا الحدث”، مؤكدًا أن الكتابة تسبق أحيانًا وعي الإنسان بنفسه، وتكشف له ما لم يكن يدركه في حينه. وتطرّق اللقاء إلى أهمية اليوميات كنقطة بداية لأي كاتب يرغب في خوض تجربة الكتابة الذاتية، موضحًا أن البداية لا تحتاج إلى نصوص متقنة، بل إلى وعي صادق بما يمر به الإنسان يوميًا، مؤكدًا أن الاستمرار في الكتابة يحوّل التجارب المتفرقة إلى سيرة متكاملة، حتى وإن لم يُقصد كتابتها بشكل مباشر. وفي محور آخر، أشار الباتلي إلى البعد الأوسع للكتابة الذاتية، موضحًا أنها لا تقتصر على الفرد، بل تسهم في بناء ذاكرة جمعية، حيث إن التجارب الشخصية حين تُكتب تصبح جزءًا من تاريخ أوسع، سواء على مستوى المجتمع أو المؤسسة، محذرًا من ضياع كثير من التجارب والمعارف لعدم توثيقها. واختتم اللقاء بالتأكيد على أن الكتابة الذاتية ليست ترفًا أدبيًا، بل ضرورة إنسانية، تساعد الفرد على فهم حياته بعمق، مشيرًا إلى أن أخطر ما قد يواجه الإنسان ليس أن يعيش حياة عادية، ولكن أن يعيشها دون أن يفهمها. وقد شهد اللقاء تفاعلًا لافتًا من الحضور، الذين أثروا النقاش بمداخلاتهم وتساؤلاتهم حول حدود الكتابة الذاتية، وأثرها في تشكيل الوعي الفردي والجمعي، في أمسية ثقافية عكست عمق الموضوع وأهميته في السياق المعاصر. و كرّم مؤسسُ صالون نُبل الثقافي، الأستاذُ منصور بن عمر الزغيبي، الكاتب خالد الباتلي؛ تقديرًا لجهوده الثقافية وإسهاماته النوعية.