في ديوان «عتاب الماء» للشاعرة جمانة الطراونة..

الشعر والسمات الأنثوية للوجود.

* مقدمة “تتأردَنُ الدنيا بعين مُحِبَّةٍ ماذا إذا تلك الفتاةُ جُمانُ؟”. (ص 42). يختزل هذا البيت للشاعرة الأردنية “جمانة الطراونة” من ديوانها “عتاب الماء”، رؤيتها الشعرية، وهي تحاول أن تضفي على الوجود (الدنيا) مسحتها الأنثوية الخاصة. وبهذا شكل هذا الديوان، استكمالا للتجربة الشعرية التي عملت الشاعرة على تشييد صرحها لبنة ًلبنةً، منذ ديوانها الأول: “سنابك البلاغة”، 2020 م، مرورا بديوانيْها: “قبضة من أثر المجاز”، 2021 م، وقصائد مشاغبة 2022 م. وهي تجربة تتأسس على تشييد عوالم شعرية وفق تصور جديد للوجود، يوازيه تصور جديد لماهية الشعر نفسه، يجعل الشاعرة، أول ناقدة لعملها من جهة، ويجعل شعرها يتأسس على نوع من الوعي بآليات الكتابة الشعرية وإبدالاتها الشكلية والأنطولوجية، من جهة ثانية. 1 – قصة الخلق وفاعلية الأنثى تبدأ القصيدة الافتتاحية لديوان “عتاب الماء” بتناصٍّ مع سورة الرحمن، تؤشر على أن البداية الحقيقية كانت مع البيان، حيث إن استكمال خلق الله للإنسان كان مع تعليمه البيان ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [سورة الرحمن، الآيات: 1-4]. وحده البيان، وقد تماهى مع الشعر، يستكمل حقيقة الإنسان، يجسد بدايته الجميلة على الأرض، من منظور شاعرة لا تتصور الحياة الإنسانية خارج صورها البديعة، التي يتيحها البيان بمعناه الواسع، حيث التعبير اللغوي الراقي، يعيد تشكل الوجود وفق صور جديدة تحاول الوصول إلى جوهره العميق: “للمرة الأولى أحس لوهلة أن القصيدة فطرة الإنسان أن البداية لم تكن من (آدم) لكنها من سورة (الرحمن)”. (ص 7). هكذا ومن خلال هذه القصيدة الافتتاحية، يبدأ تشكل المعنى الشعري، وينفتح الأفق التأويلي لقراءة الديوان: كيف ستتولى القصائد بسط هذا البيان، وهو يعيد تشكيل الوجود، وفق رؤية أنثوية، لا تكتمل حقيقة الوجود في غيابها ما دامت حواء ليست مجرد أنثى خرجت من جسد آدم، بل هي في حقيقتها العميقة، نصف معنى الحياة، نصف الشعر، الذي سيكتب تاريخ الإنسان، وأحلامه وطموحاته ورؤاه...؟ كيف ستطبع الأنثى بصمتها على وجود لا ينفصل فيه الشعر عن الحياة، ولا يكتمل إلا إذا سكبت المرأة عطرها على المعنى الذي يشكل الرجل نصفه الأول، منتظرا اكتمال بيانه من خلال النصف الأنثوي الثاني، النصف الجميل، الذي يصدح شعرا بجمال الوجود؟: سيظل بيت القصيدة ناقصا والطين يعدل كفةَ المـيزانِ قد يكتب الشطرين (آدمُ) إنَّما (حواء) شطر اليت الثانـــي. (ص 7). وإذ ينفتح أفق التأويل من خلال التناص الديني مع قصة آدم وحواء، مثيرا التمثلات السائدة، حول مسؤولية حواء عن خروج آدم من الجنة، وقد غدت (حبائل الشيطان)؛ فإن الشاعرة تعبر منذ البداية عن رفضها لهذا التأويل، الذي ترسخه نزعة ذكورية، تنظر للمرأة نظرة ناقصة، نظرة تتبع الظنون، ويوجهها المزاج، وتفسر قصة حواء بشكل متعسف. وهنا ستطرح الشاعرة ضمنيا، التأويل المنصف - من منظورها - للحكاية الأولى للمرأة، فليست حواء من تحالف مع الشيطان، للخروج من الجنة، إنها – في حقيقتها - الملاك الذي استكمل الصورة الجميلة للإنسان: “يتأول الإنسان حسب مزاجــه وعلى الظنون يعض بالأسنــان فلربما التفسير ينصف مــــرة “إن النساء حبائل الشيطـــان”. (ص 7). 2 – الشعر برؤية أنثوية حين تعلن القصيدة الافتتاحية هذا التشكل الشعري لبداية الوجود، وقد وسمته الأنثى بطابعها، الذي يستكمل تشكلاته، فإن القصائد الأخرى ستتولى بسط هذا المعنى، حيث المرأة/ الأنثى، تنحدر من عالم شعري (أبوها المجاز، وأمها الكلمات)، وحيث إن هذه الولادة الشعرية، ولادة متجددة، تضمن الخلود، تتحدى الموت، وتداوي الجروح والحسرات بتحديها وشموخها، وهي تسير في رحلة الحياة متخذة من الحروف الشعرية خطواتها، نحو الحياة السعيدة الأبدية، وبهذا يأخذ التناص مع قصة آدم وحواء معنى شعريا، متجددا، وتحتفظ المرأة في القصة بكامل بهائها وكامل شخصيتها، وهي تعطي للوجود، الذي ابتدأه الإنسان في الجنة، واستكمله على الأرض، معنى أنثويا شعريا خالدا. ذلك ما عبرت عنه القصيدة المعنونة: “ولادة يومية”: “أنا لا أموت وفي القريض حياةُ فأبي المجاز وأمي الكلمـات وعلى السطور ولادة يوميـة من قال أهلُ الشعر قبليَ ماتوا؟! سأعاند الدنيا وأكسر عينـها حتى تقرَّ بأنها ملهاةُ وأمرُّ من جرحي مرور أميـرة ذابت أمام شموخها الحسرات” (ص 8). وقد عبَّرت الشاعرة في قصيدتها التي حمل الديوان عنوانها (عتاب الماء)، عن هذه الوظيفة الخلاقة للأنثى الشاعرة، وهي تنيط بنفسها وظيفة إعادة الوجود لأصله الأول، لطبيعته البكر، حيث استعادة العطر الأول للجنة، قبل أن تتدخل فيه يد العطار وتغيره، وهنا سيصبح المجاز ناضحا بالعناقيد وستقدم الكنايات أشهى مشروبات الجنة، وكأنها تعيد القصة الإنسانية إلى بدايتها، قبل أن تنزل (حواء)، مع (آدم)، إلى الأرض: “ما جئتُ شاعرة تدوِّر بختها بتميمة الرائي ولا بحجابه لكن أتيتُ لكي أعيد إلى الشذى ما أهرقَ العطار من أطيـــابه وأرد عنقود المجاز لأصـله حيث الكناية مشتهى أعنـابه”. (ص 21). وهكذا تتحقق تلك الوظيفة الفينومينولوجية للشعر، التي تتجاوز الإطار الشكلي والانفعالي، لتقدم لنا العالم في صورة جديدة لا يمكنها أن تتحقق خارج عوالمه التخييلية، خارج التحققات التي يفرضها النص ذاته من خلال بنيته الداخلية “ فإذا ما وصف شاعر بكلماته الخاصة منزلا ما أو أثار فكرة [متخيلة] لمنزل ما، فإننا لا ننظر تجاه أي منزل محدد، وإنما كل منا ينشئ صورته المتخيلة الخاصة عن المنزل على نحو لا يكون ماثلا هناك... ومما لا يقبل الجدل حقا أننا لا نتجاوز بنظرنا الكلمةَ إلى العالم بحثا عن التأييد. فنحن – على العكس من ذلك – ننشئ عالم القصيدة من داخل القصيدة ذاتها”. وعندما ينجلي هذا الطابع الشعري للأنثى، وتغدو هذه الأخيرة، صورة جميلة للحياة، منذ التشكل الأول للإنسان في الجنة، وقصته الأولى على الأرض، سيكتسب الشعر معنى مختلفا، ستتبدد كل التأويلات التي تربط الشعر بالغواية، وينفتح أفق جميل للفضيلة في الشعر، سيغدو هذا الأخير وسيلة نجاة وعبور نحو الخلاص الأبدي، سيغدو صراطا، يمكن أن يقود الإنسان، عند استحضار قيمه العليا، وهي نفسها قيم الإنسان النبيل (الإمام والتقيّ) نحو الجنة المأمولة: “فالشعر من صور الصراط وكل من عبروا عليه أئمة وتقات”. (ص 9). وهنا ستطفو على السطح الصورة الجميلة للشعر، وسيُنصفُ التأويل الشعراء، مثلما أنصفهم الفيلسوفان الفارابي وابن سينا، حين وضعا مرتبة المتخيلة الشعرية في مراتب النبوة. ولكي تتحقق هذه الوظيفة العليا للشعر، مخلصِ الإنسان من قساوة الواقع ومأساته، فإن الشاعرة تستكمل إبراز رؤيتها الشعرية الأنثوية، وهي تبسط لنا عبر الديوان، كيمياء جسدها وروحها، وقد تشكلت في الجنة، لتخبرنا بأن عناصرها ليست التوت حين نشبهه بفمها، ونضفي لونه على دمائها، ولا شجرته التي شاع أن آدم وحواء سترا عورتهما بأوراقها؛ بل إن كيمياء الأنثى في حقيقتها تشكلت من تفاحة الخلد، وقد تماهت مع المجاز والشعر، وهنا علينا ان نستبعد التأويل الذي يربط أكل التفاحة بإخراج آدم من جنته، وننظر إلى المرأة باعتبارها تفاح الجنة. خاتمة هكذا يقدم لنا ديوان “عتاب الماء”، للشاعرة الأردنية جمانة الطراونة، منذ العتبة الأولى للعنوان، رؤية وجودية جديدة، تستعيض عن التشكل الطيني للإنسان بنار التوجس الشعري، وقد غدت نارا نديَّة شبيهة بالماء، وغدا “عتاب الماء” سؤالا مشروعا، منبثقا عن حالة الإنسان الذي يجري وراء السراب في صحراء لا ترويه (لن تملأ الصحراءُ قربة ظامئ/ يجري كما المجنون خلف سرابه/ يا آدم الطيني نار توجسي/ أندى فهل للماء كف عتابه؟!)؛ رؤية وجودية تبدأ من تشكيل جديد للوجود وقد تلبس بكيمياء الأنثى وعناصرها الجميلة، بدأته الشاعرة بقصيدة افتتاحية مختزلة لرؤياها، واستكملته ببيان تجليات هذه الرؤيا الأنثوية، في باقي قصائد الديوان، واضعة لهذه الرؤيا أسسا نقدية/ ما وراء شعرية، لامست قضايا: الغموض، والوزن، والتخييل... قبل أن ينتقل تأثيرها إلى ملامسة القضايا القومية المؤرقة، للأوطان العربية وقد انصهرت الشاعرة في حبها، وحب أرضها وأناسها وقيمها وحضاراتها المشتركة. *كاتبة وأكاديمية من المغرب