عرفت الدكتور سعيد بن مصلح السريحي منذ بداية المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) فهو ممن واصل حضوره، اذ هو عضو بمجلس ادارة النادي الأدبي بجدة منذ عام 1405هـ اضافة لنشاطه ومشاركاته الدائمة بالقسم الثقافي بجريدة عكاظ. وقد نال الشهادة الجامعية من جامعة الملك عبد العزيز قسم اللغة العربية كلية الشريعة والدراسات الاسلامية سنة 1396هـ 1976م بتقدير ممتاز، وكان ترتيبه الأول على دفعته. وقد فصَّل سيرته العلمية والعملية الدكتور عالي بن سرحان القرشي في: (قاموس الأدب والأدباء في المملكة العربية السعودية) ط1، ج1، 2013م وخصه بأربع صفحات وقال: «انه عمل في حقل التعليم لمدة سنتين، ثم قبل معيداً بالجامعة (فرع مكة المكرمة)، وحصل على درجة الماجستير في الأدب العربي، عن أطروحته (شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الجديد) سنة 1408هـ، عين بعدها محاضراً بجامعة أم القرى، فقدم أطروحة الدكتوراه عن (التجديد في اللغة الشعرية عند المحدثين في العصر العباسي)، وأوصت لجنة المناقشة بمنحه درجة الدكتوراه بعد مناقشة علنية..» وقد تصدى له المحافظون متهماً بترويجه للحداثة فقال القرشي: «.. فعد السريحي من أنصار الحداثة، وواجهه النسق الثقافي المحافظ، ووصل الأمر بذلك أن حرم من منحه درجة الدكتوراه، وذلك لأن النسق المحافظ كان في الجامعة أشد حدة، وتبنياً للنظرة الأحادية، فكان ما يتقبله الحوار الثقافي في الأندية وفي الصحافة لا يتقبله هذا النسق، ولهذا تجد أطروحة السريحي للدكتوراه تنشر عبر نادي جدة، ويتقبلها الوسط الثقافي أطروحة وبحثاً علمياً يحاور ويناقش دون أن يعتدي على أصول، أو يتعدى الثوابت». أضاف القرشي: «.. فأخذ السريحي ينظر إلى النص في شموله، معتداً باللغة، وبالابتكار الفردي للشاعر، وما تتسم به الرؤية الشعرية من تفرد وتميز، واحتضان للتجربة الإنسانية في أفقها الزمني الواسع... وكشف تحليله المبني على الرؤية الشاملة للنص، واستنطاق حركته عما يكمن في خروج أبي تمام على النسق المألوف، والمتكرر في تركيب اللغة من رؤية شعرية عمدت إلى مخاتلة الإلف، وهز آلية التلقي المطرد، لتحفل بالأفق الشعري الجديد الذي احتضن كائنات أبي تمام الشعرية، وماربه التي اختارها، ومهدها لها..» . وقال: «جاء السريحي في المشهد النقدي برؤى جديدة في أصول النظر، واحتضان النص المختلف، وكان يجتهد في الحوار بهذه الأصول، والتأسيس لها... وجاء كتاب السريحي (الكتابة خارج الأقواس) مسجلاً بعض محاضراته وقراءته النقديــة، والكتاب -كما هو واضح من عنوانه - يحفل بالنص المختلف، ويؤصل لفاعلية الاختلاف التي تهب التفرد، وتمنح التميز، لأن السريحي يرى أن قدر المبدع هو المناهضة المستمرة للأطر والأقواس لتأكيد استقلالية الإنسان وحريته، بتأسيس لغة لا ترتهن إلى جملة من الثوابت إلا في سبيل الانعتاق نحو آفاق جديدة متجاوزه، ومن ثم كانت رؤيته إلى الرؤيا التي تجمع مقولاته في هذا الكتاب بأنها الرؤية التي تقيم الفرد في مواجهة الجماعة، والإبداع في مواجهة المألوف..». كما استعرض القرشي وحلل كتب السريحي الأخرى: (حجاب العادة أركيولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة) و(تقليب الحطب على النار في لغة السرد) و(حركة اللغة الشعرية - مقاربة أولى لشعر المحدثين في العصر العباسي) ..الخ . وقال إن للسريحي تجربة شعرية ظهرت في أشكال متنوعة، يتجلى فيها عمق التجربة وتفرد الرؤيا، ألقى بعضها في مناسبات ثقافية، ونشر معظمها في الصحف والمجلات داخل المملكة وخارجها. شارك السريحي في عديد من الندوات والمهرجانات الثقافية في الاندية الأدبية وجمعيات الثقافة والفنون في مختلف مدن المملكة. كما شارك بأوراق عمل وأبحاث في مؤتمرات وندوات علمية عقدت في عدد من العواصم والمدن العربية والأوروبية منها: الكويت، المنامة، أبو ظبي، الشارقه، بغداد، مسقط، دمشق، القاهرة، الاسكندرية، شرم الشيخ، تونس، الجزائر، الرباط، الدار البيضاء.. وهو يشغل عضوية تحكيم جائزة بلند الحيدري التي يمنحها مهرجان أصيلة للمبدعين العرب، وقد سمعت الدكتور عبد الصمد بالكبير الأستاذ بجامعة القاضي عياض بمراكش يقول باعجاب انه حضر ندوة بالجزائر عن الروائي المصري نجيب محفوظ بعد محاولة اغتياله، وكان السريحي مشاركاً ومرتجلاً بحماسته المعهودة التي أعجبت الحضور. دعوته في إحدى زياراته للرياض لزيارة مكتبة الملك فهد الوطنية والتسجيل معه في التاريخ الشفهي. وحضر في 8/ 2/ 1425هـ وعلى مدى ثلاث ساعات استعرض مسيرته في الحياة الطفولة والتعليم بالرويس بجدة، وجامعة أم القرى بمكة، وقصة الحداثة وبدايتها بالمملكة، وسبب سحب شهادة الدكتوراه منه، وعمله بجريدة عكاظ، والتأليف. - ترجم له في (موسوعة الأدب السعودي الحديث، نصوص مختارة ودراسات) واختار له الدكتور عزت خطاب في المجلد الثامن (الدراسات والنقد الأدبي) (تطور البناء الفني في القصة القصيرة)، جدل الشفهي والمكتوب، والبائسة قصة حجازية يمتزج خيالها بالواقع، والزمن الشعري تعطيل للزمن القصصي. ص 649 - 681 - ترجم له في (موسوعة الشخصيات السعودية) لمؤسسة عكاظ للصحافة والنشر، ط1، ج2، ومنها أنه حصل على دبلوم في الادارة والتخطيط التربوي من كلية التربية 1399هـ، وعمل مساعداً لرئيس تحرير عكاظ، وعضو مجلس إدارة النادي الأدبي بجدة. وعضو اللجنة الاستشارية بجمعية الثقافة والفنون بجدة، وعضو هيئة تحرير مجلة (علامات) الصادر عن نادي جدة الأدبي. أنشأ قصيدة قوية في وداع عبد الفتاح أبو مدين رئيس نادي جدة الأدبي في 1426هـ 2005م. - عند تكريمه باثنينية عبد المقصود خوجة بجدة، أهدى التكريم لأساتذته بالمدرسة الابتدائية بالرويس وذكرهم ثلاثة من أبناء غزة التي كلما أراد العدو والقضاء عليها خرجت من تحت الرماد. - بعد رحيله صباح الخميس 24 شعبان 1447هـ الموافق 12 فبراير 2026م بعد تعرضه لجلطة أفقدته الوعي لقرابة الشهرين. رثاه كثير من محبيه، ومنهم الدكتور مرزوق بن تنباك الذي قال: «.. ونحزن أننا لم ننتصر للسريحي ضد الظلم الذي وقع عليه في حينه، وبقي وحيداً يواجه تحدي القوة الجاهلة التي أطلق لها العنان وحده... ونحزن أن العربية ببيانها ولسانها وجمالها لن تلد مثل السريحي قرونا طويلة... مات سعيد وهو حي، ومات خصومه وهم أحياء وذلك عدل رب السماء..» . وقال الدكتور محمد العوين: «.. وهكذا تأفل النجوم الساطعة.. تغيب المادة ويخلد المعنى، هكذا يخفت صوت حداء الساري، ويرقد المغني رقدة هادئة هانأه بعد عناء السفر الطويل، نام سعيد السريحي مطمئناً بعد أن قال وجال وتعبقر ونظر وصال وطال، كأنه كان يشعر بقرب الرحيل...» . أما الأستاذ مشعل الحارثي فقال: «...وكان السريحي في مشهدنا الثقافي القاً وقلقاً ووجداً ووجوداً في حومة الفكر وتجاويف المعاني، ومعادلة مترفة في صياغة جملة الكلام كالجداول المترفة بالعذوبة وصفاء الروح والقريحة…» وعنونة الجزيرة صفحتها الثقافية: «الأوساط الثقافية والأدبية بصوت واحد: سعيد السريحي رمز ثقافي أسهم في إيقاظ السؤال وتنشيط الذاكرة الأدبية»