قراء في كتاب حسين بافقيه..

عبروا النهر مرتين- قراءات في السيرة الذاتية.

لفتني هذا الكتاب بما انطوى عليه عنوانه من آفاق تأويلية تستدعي مقولة فلسفية للفيلسوف اليوناني هيرقلطيس  “ لا يعبر الرجل النهر مرتين” وربما استدعت إلى الأذهان المقولة الشائعة (التاريخ لا يعيد نفسه” فاللحظة التي تمضي لا تعود وهنا المؤلف يعمد إلى تشكيل المفارقة بما تنطوي عليه من آفاق تأويلية مستعرضا نماذج متنوعة من فن السيرة الذاتية بوصفه سردا ذاتيا تتصادم فيه الذاتية و الموضوعية و الخيال والواقع وهو مورد مباح لكتاب الرواية و القصة والمشتغلين بفنون  الدراما ، فقد عمد كتاب السيرة إلى  الدخول في معترك الواقع مرتين : عاشوا فيه بحواسّهم وكينونتهم ثم عاشوه مستعاداً استذكارا نصاً  يقدم الكاتب لهذا المؤَلَّف بمقدمة عنونها بـ(الحب القديم ) كان أشبه بشهادة محبة وتزكية لمن تحدث عمّا كتبوه في سِيرهم الذاتية متوقّفاً – على نحو خاص - عند عمر فروخ ومستعرضا كوكبة من الأدباء الذين كتبوا سيرهم الذاتية، وقد تلمّس طريقه في الحديث عن هذا الموضوع عبر جملة من العناوين ، وهي عتبات قرائيّة تُشرع الأبواب أمام الولوج إلى عمق الموضوع بوصف السيرة الذاتية انفتاحاً معرفيّاً على صاحبها بوصفهم نماذج للكينونة الإنسانية في حالاتها المختلفة، وذلك عبر طرحه للسؤال (لماذا نقرأ السيرة الذاتية) مجيبا بما سبق أن أشرت إليه من شغف بمعرفة الذوات الإنسانية في حالاتها المختلفة . ويعمد إلى بيان موقفه النقدي من السير الذاتية مبنيّا على ركيزتين: الصدق الفني ، ولعله يقصد بذلك التقنيات واساليب الصياغة و التشكيل ، ثم  ما يسميه الميثاق السيرذاتي: ولعله يشير إلى المضمون الذي لا يحتمل الكذب و التزوير مستشهداً بقول الشاعر الإنجليزي صامويل تايلر كولريدج: “أي حياة مهما كانت تافهة ستكون ممتعة إذا رويت بصدق” ويرى أن “الصدق” هو الذي يمنح السيرة قيمتها، فالأساس فيها مواجهة الذات بماضيها بقضّه فلا ينبعي لكاتب السيرة  أن يستغرق في بيان أفكاره و نظرياته ولا يجوز للباحث في هذا الموضوع أن  يهيم في الأطر النظرية ويركن إلى التنظير المجرّد، بل عليه أن يقدّم قراءات تطبيقيّة وافية لنصوص سيريّة عربية متنوعة. مبيّنا منهجه في هذا المجال فيقوم بتشريح هذه النصوص عبر الجمع بين “تاريخ الأفكار” و”التراث الأدبي”، فيقوم بتحليلها من مختلف جوانبها الثقافية والاجتماعية والنفسية ، ويأتي بشهادات متعدّدة لكوكبة من الأعلام لعلّهم فيها يعتذرون عن كتابتهم لسِيَرهم حيناً ويسوِّغونها حيناً آحر ،ومنهم أحمد أمين في كتابه حياتي (ما للناس وحياتي) متواضعاً في تقييم ذاته ، وسار على هذا النهج أغلب كتاب السيرة الذاتية ، متعلّلين بإلحاح الآخرين عليهم كما فعل عبد الكريم الجهيمان في كتابه (مذكرات و ذكريات حياتي) وعلي جواد الطاهر في في كتابه (فصول ذاتية في سيرة غير ذاتية) ، ولعل الوحيد الذي أشار إلى رغبته الذاتية محمود السمرة .  ويتساءل الكاتب فيمَ الوجل و الترقّب بعد أن قرأ مانشره أحد كتاب السيرة على الغلاف من خشية وترقب و متابعة ، ويرى المؤلف أنه من المحال أن يحول الكاتب بين القارئ وطبيعته النزّاعة إلى التأويل و التفسير ، ويشير إلى أن الدكتور عبد المحسن القحطاني يأخذ من القارىء بالشمال ما أعطاه له باليمين ، فهو يدعوه إلى التأمّل والتساؤل وفي ذات الوقت يطلب منه المشاركة والتعاطف ،ويتحدّث عمّا ارتضاه في كتابة سيرته من بينيّتة ، واتسم حسين بافقيه بجرأته المعهودة حين ذهب إلى أنه (يقصد الدكتور عبد المحسن )يدافع عن نفسه حين ظنّ إخوانه وزملاؤه  وأصدقاؤه أن صاحبهما حَذِر في حياته يخشى المكاشفة ويعرض عن المصارحة .   وهو حين يعمد إلى التحليل و التفسير متكئاً على مقولة (بين المنزلتين) يلحُّ على مسألة التقييم الموضوعي غير هيّاب ولا وجل ، وأراه قد ذهب إلى ذكر بعض التفاصيل التي وردت في السيرة ليصل إلى معادلة الواقع بالفكر؛ بمعنى أن معاناة العيش بين البادية والمدينة يقابله ثنائية التوسّط في التفكير بين المكاشفة والجذر من التأويل والوقوف في منزلة بين المنزلتين ، ويعمد في تحليله لهذه السيرة إلى استكناه الأسرار الكامنة و الغوص إلى أعماق النفس ، وما يدور فيها في مناقشته لما يتبدّى له من قراءته لنهجه في التعبير في حِجاج يريده قائماً على الدليل بعين الناقد الذي يستشيم الدلالة من وراء سحب الكلمات ، ويعمد إلى الاستدلال من سياقات النصوص التي يوردها غير غافلٍ عن سياقاتها مفسّرا لها عبر إمساكه بمجمل الخطاب ، فهو يبدو مستعصماً بالحذر و الخوف والخشية وسوء التفسير ، وغلوّ التفكير على حد تعبيره في مرافعاته عن وسطيته وإقامته في منزلة بين المنزلتين ، ولا تثريب عليه فيما ذهب إليه ما دام يستعصم بالنصوص دون إغفال سياقاتها.  يحرص الكاتب على الإطار النظري الذي يحتكم إليه في نقده للسّير التي يعرض لها فيخصّص فصلاً كاملاً لذلك تحت عنوان (السيرة الذاتية ، إرادة الكاتب و شرط الكتابة) مستهلّاً حديثه بما ذهب إليه (جون ديوي) حيث يبدو فيه الحذر مما يؤول إليه التفكير من انحراف يفضي إلى ضياع الحقيقة ، ولعله يومئ من بعيد إلى خطورة الانحيازات الذاتيّة التي يمكن أن يتردّى فيها كاتب السيرة الذاتية ، وقد عرض فيها لما ذهب إليه سلامة موسى في كتابه (تربية سلامة موسى) مشيراً إلى عبارته الدالة (أنا أكتب كي أسوّي حسابي مع التاريخ ) مستذكراً هذه العبارة في مقاربته  لكتاب الدكتور محمد بن أحمد الرشيد (مسيرتي مع الحياة) وزير التربية و التعليم السابق ، حيث  انخرط في التمييز بين السيرة والمسيرة لغةً واصطلاحاً ، وأومأ إلى أن للسيرة الذاتية تقنياتها التي يتهرّب منها  كتّاب السيرة بتسميات مختلفة، مثل المذكرات واليوميات وقصة الحياة وترجمة الحياة وعناوين أخرى ، مثل الأيام و أيامي وما إلى ذلك ،ورأى في العنوان الذي اختاره الرشيد (مسيرتي مع الحياة) شيئاً من الزهو، في حين أن القارئ يريد أن يتعرّف عليه إنساناً ؛ صوته وفرحه وحزنه ، وليس وزيراً متسائلا (أسيرة أقرأُ أم خطة) لكثرة الملفات و التقارير التي تضمنها الكتاب ، ولعله محقٌّ في ذلك ؛ ولكن (لكل امرئ فيما يحاول مذهب) وشبيه بما ذهب إليه في تحليله لكتاب الدكتور عبد المحسن القحطاني فإنه يرى في كتاب الرشيد دفاعا عمّا عَلِق به من تُهم فهو في مرافعةٍ يردُّ بها مظلَمة لحقت به ، ولا ينكر عليه ذلك ، ويرى أن مثل هذا الغرض لا يتنافى مع شروط السيرة الذاتية ؛ بل ربما كان من مستلزماتها ، وأن جمهرة من المؤلفين ، مثل طه حسين وسلامة موسى كانوا يتغيّون ذلك في سِيَرِهم . وقد صرح بذلك الرشيد حين أشار إلى أن فيما كتبه إبراءٌ للذمة و إحقاقٌ للحق ، وقد مضى الكاتب في مناقشة قضية سيرة الوزِير وبزّة الوزارة ، ويتساءل عن مدى انتساب الكتاب لهذا الفن وما أراده الكاتب وما طمح إليه القراء ، ومدى استيفائه لشروط هذا الفن؛ فأفاض واستفاض به القول وربما أبعد النُّجعة . و لا تثريب عليه فقد أراد أن يجلوَ الحقيقة ناقداً يرى بعين الأدب ومنهجية النقد، فيرى أن الكاتب لو رأى المتن هامشاً و الهامش متناً في سيرته يعني الدكتور (الرشيد) لاستقام الأمر ، ولو تفتح عمل الشيطان كما يقول . وفي فصلٍ تالٍ يعرض لسيرة الدكتور سعيد المليص (حتى لا أنسى ) وحيرة المصنّفين له بين المذكرات و التعليم و التاريخ ، فيرى أن لغة المربّي قد استبدّت بالكتاب ، وعاد ليذكّر بخصائص السيرة الذاتية بوصفها فناً صعباً ، ووصف ما ذهب إليها من تعريفات وإرشادات بأنه من المسكوك الشائعة؛ فهو يرتدي بزة المسؤول ؛ ولكن كتابه لم يخلُ من إشارات مستسلماً لجبروت الذاكرة على حد تعبيره؛ واصفاً الذاكرة بأنها فنان عظيم كما قال أندريه مورو. وفي فصل تالٍ يقارن الكاتب بين ثلاثة ِسيَر أو مذكرات أوذكريات لثلاثة من رجال التعليم : محمد بن أحمد الرشيد و سعيد المليص والعقيلي عبد الغني العقيلي منتصراً له ؛ فقد كان على سجيّته ، فهو أديب معلم في المرحلة الابتدائية ولم يكن ليتّصف بكونه مسؤولاً كبيراً كما هو الحال بالنسبة للرشيد والمليص فترك نفسه على سجيّتها مستذكراً في كتابه ( المعلامة) تفاصيل حياته بين زملائه ، وكيف كان يتعاطى حبوب (الكنغو) ويبتغي المتعة و السخرية ولا يستنكف عن ذكر ما قد  ينتقص من خلاله ، وهو كاتب سيرة ذاتيه لم يذهب إلى ماذهب إليه زميلاه من انصراف إلى قضايا التعليم ؛ فكان جديرا بتزكية كتابه على أنه سيرة ذاتية استوفت شروط هذا الفن. وفي معالجته لسيرة  عبد الرحمن السدحان (قطرات من سحائب الذكرى)سيرة طفل أطلّ على الحياة من أبها ، وصنّفه من كتب الرحلات عبر الزمان و المكان ، واصطناع الرحلة سبيلاً إلى السيرة الذاتية تقليد أدبي  اصطنعه من قبل أحمد فارس الشدياق (الساق على الساق فيما هو الفارياق)مشيراً إلي كتاب محمد عبد الحميد مرداد وكتاب (حياتي مع الحب و الجوع و الحرب ) لعزيز ضياء ومن سوانح الذكريات لحمد الجاسر وحكاية الفتى مفتاح لعبد الفتاح بومدين ورسم على أديم الزمن لعبد العزيز الخويطر، وذكريات نصف قرن للقرعاوي وبدايات لمحمد القشعمي ، ويشير إلى أن أولئك الكتاب منشعلون في البحث عن الذات وذريعة للكشف عن النفس ، وعن معنى الحياة و الموت ، لقد شكا السدحان في سيرته كما يرى المؤلف من أن قضاءه سنة في لبنان ،وما أصاب لهجته من اضطراب أضاع هويته فتساءلوا عن جذوره مؤكّدا أنه ابن هذا الوطن ، وأن الكاتب حار بين التخييل و التحقيق  ، ويرى أن كتابه أدنى صلة بالحفيقة وأقرب وشيجة إلى التاريخ . وتحت عنوان غصن الزيتون وبندقية الثائر يعرض للسيرة الذاتية التي كتبها نبيل شعث القيادي الفلسطيني المعروف الذي شغل مناصب مهمة في حركته الأثيرة فتح وفي السلطة الوطنية الفلسطينية في كتابه   (حياتي من النكبة إلى الثورة ) فقد قدم عرضاً وافياً لها مشيرا إلى مثول شخصيته وكينونته الذاتية فيها وارتباطها بقضية فلسطين وتعريفها بما لا يعرفه الكثيرون عن قادة الثورة الفلسطينية ؛ وقد بدا واضحاً بما لايحتاج إلى بيان تعاطفه معه ، ومع القضية الفلسطينية، وإشادته بما يتوفّر فيها من خصائص هذا الفن ، وبأن صاحبها لم يعتذر و لم يتواضع عن كتابته لسيرته ؛ بل يعتد بها واجبا وطنياً . وقد انتهى في كتابه إلى الحديث عن سيرة هشام ناظر التي أملاها على تركي الدخيل مشيرا إلى ما أضافه تركي إلى أمالي هشام ناظر معتبرا أنها سيرة ذاتية تحمل بعض خصائص السيرة الموضوعية وعمد  -كعادته– إلى البحث عن الدوافع ونقطة الإنطلاق قالها هشام لمواطنة سعودية (يا سلام عليك ، عندك حلول) ليس من قبيل النقد الانطباعي ؛بل من منطلق منهجي :يمكن  وصف أسلوبه بأنه يحول النقد من مجرد أداة تشريح، إلى نص إبداعي يوازي النصوص التي يدرسها ، وقد جمع بين سمات المنهج الثقافي حين ركز على الأنساق المضمرة في هذه السير والمنهج النفسي في سماته العامة ، وقد حاول تجنب الأحكام المعيارية القاطعة ، مبتعداً عما يمكن أن نسميه (الشخصنة) مع احتفائه بالجرأة في التفسير و التأويل .