كلام جرايد!
عنوان المقال هو تعبيرٌ دارج كان يُستخدم في زمن الصحافة الورقية، للإشارة إلى الأخبار غير المؤكّدة أو المُبالَغ فيها، أو الشائعات أو القصص المثيرة التي كانت تنشرها بعض الصُّحف رغبة في جذب القُرّاء وزيادة التوزيع.. ولمعرفية خلفية وبواعث هذا المصطلح ربما كان علينا العودة لتاريخ الصحافة العالمية، ونشأة ما يُعرف (بالصحافة الصفراء). كان لبدايات الصُّحف، لتظهر بانتظام على شكل صفحاتٍ مطبوعة وتُعرض للبيع للناس؛ أن يُشترط أمران لا غِنى عنهما: ظُهور المطبعة؛ وقد تحقّق ذلك باختراعها في منتصف القرن الخامس عشر، أما الشرط الثاني فهو وجود عدد كافٍ من الناس الذين يُجيدون القراءة ولديهم القُدرة على شراءها، وقد تحقّق ذلك في أوائل القرن السابع عشر. إن نشأة الصُّحف المطبوعة والمنتظمة الصدور كانت وثيقة الصّلة بنموّ الطبقة الوسطى “البورجوازية”، إذ كانت الأخبار الغالبة في الصّحف الأولى هي أخبار التجارة وما يهمّ التُّجار معرفته؛ كخبر وصول باخرةٍ إلى الميناء وبيان ما تحمله من سِلَع، إضافة إلى الأخبار السياسية والتعليقات عليها. وقد كانت الصّحف كذلك تستجيب لأذواق هذه الطبقة ومعاييرها الرفيعة التي تتماشى مع حسّها الأخلاقي والجمالي، ولذا لم يكن غريباً أن تجد في هذه الصّحف مقالات لكبار كُتّاب القصص والروائيين؛ فقد نشرت الصحف البريطانية التي ظهرت في القرن الثامن عشر قصصاً مسلسلة شهيرة، مثل: “روبنسون كروزو” Robinson Crusoe “لدانييل ديفو” Daniel Defoe، أو “رحلات جوليفر” Gulliver’s Travels “لجوناثان سويفت Jonathan Swift، إضافةً لمُساهمة كبار الأدباء والكُتّاب السياسيين مثل “صمويل جونسون” Samuel Johnson، و”تشارلز ديكنز” Charles Dickens، وغيرهم. ومع حلول القرن العشرين بدأت ثمرات الثورة الصناعية في الغرب تؤتي أُكُلها، وكانت معرفة القراءة والقُدرة الشرائية قد انتشرا، إلى حدّ سمح لجريدةٍ مثل “الديلي ميل” Daily Mail اللندنية، أن تطبع وتوزّع مليون نسخة يومياً، الأمر الذي أوحى للصّحف اكتشاف أن بإمكانها أن تجني أرباحاً وفيرة إذا استطاعت أن تخاطب جماهير القُرّاء الغفيرة بالطريقة التي تُحبّ أن تُخاطَب بها؛ فجمهرة القُرّاء تُفضّل الجرائد ذات العناوين المُثيرة والمكتوبة بخطّ كبير، وتُحبّ أن ترى الصّور أكثر مما تُحبّ أن تقرأ الكلمات، وإذا كان المقال في موضوع علميّ أن يكون مُبسّطاً للغاية، وإذا كان في السياسة أن يكون مثيراً وحماسيّاً، أما الأخبار فالأفضل منها هو ما تعلّق بالفضائح وأسرار المشاهير. وكان من أولى الصّحف الأمريكية التي اكتشفت هذا “الكنز” صحيفتان تصدُران في “نيويورك”، هُما “الجريدة” The Journal، و”العالَم” The World.. وقد دخلتا في منافسة حادّة في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر في جذب جماهير القُرّاء، فنشرت إحداهما قصّة مسلسلة ومصوّرة بعنوان “الطفل الأصفر” The Yellow Kid، حقّقت نجاحاً جماهيرياً باهراً وسُرعان ما قلّدتها الأُخرى، ثم انتشرت الموضة إلى خارج الولايات المتحدّة؛ واعتمدت تلك الصّحف هي الأُخرى على الإثارة، وعُرفت منذ ذلك الحين، وبسبب قصّة “الطفل الأصفر” باسم “الصحافة الصفراء”. وهكذا، ما إن بلغنا منتصف القرن العشرين، حتى بلغت أرقام التوزيع لبعض الصّحف اليومية في بريطانيا بضعة ملايين، وعندما بلغ عدد القرّاء هذا الحجم؛ كان من الطبيعي أن تعتمد هذه الصّحف في تحقيق الرّبح ليس على الجمهور كقُرّاء فحسب، وإنما كمُشترين لسِلَعٍ أُخرى كثيرة، وذلك عبر تقديم خدمة أعلى ثمناً وأكثر ربحاً من الخدمة التي قامت في الأصل لتقديمها وهي الإعلام والثقافة، وهذه الخدمة هي الإعلان. وللقاريء أن يتخيّل المُتغيّر الذي كان لا بدّ أن يطرأ على الصحيفة نتيجة لهذ التغيّر الخطير؛ فمن المناظر السائدة والمثيرة للشفقة منذ ذلك الحين في الصحافة الورقية: منظر مُشتري بعض الجرائد في الغرب، وقد ذهب لشراء الجريدة الصادرة يوم الأحد “الإجازة الأسبوعية”، ثم يعود إلى بيته حاملاً ما يقرب من “طُنّ!” من الورق، على ظنّ أنه بقراءتها سيُحيط بما يحدث في العالَم، فإذا به يجد تسعة أعشار المكتوب على هذا العدد الهائل من الصفحات يتكوّن من إعلانات لم يكن في نيّته أبداً أن يدفع ذلك المبلغ من المال لاقتنائها، وسُرعان ما يُلقي هذا الطنّ من الورق في سلّة المهملات، حتى تأتي الإجازة الأسبوعية التالية ليَقعُ مُجدّداً في نفس الفخّ!