د.عبدالحميد حسين حمودة الفائز بالاشتراك بجائزة الملك فيصل للدراسات الإسلامية:

التراث الإسلامي كنز معرفي والقراءة بعين الإنصاف ضرورة.

يمثل الأستاذ الدكتور عبدالحميد حسين حمودة أحد الأصوات العلمية التي اشتغلت على الدراسات الإسلامية بوصفها مجالًا معرفيًا حيًّا، يتجاوز التكرار إلى إعادة الفهم، ويوازن بين صرامة المنهج وعمق السؤال. وعلى امتداد مسيرته الأكاديمية، انشغل بتفكيك القضايا الكبرى في الفكر الإسلامي من داخلها، مستندًا إلى قراءة نقدية للنص والتراث، ومقاربة علمية واعية بتحولات الزمن وأسئلة الواقع. ويأتي فوزه بالاشتراك بجائزة الملك فيصل للدراسات الإسلامية لعام 2026 تتويجًا لمسار علمي اتسم بالجدية والتراكم، وتأكيدًا على مكانة مشروعه البحثي ضمن الجهود التي تسهم في تجديد الدرس الإسلامي وإغنائه برؤية معرفية رصينة. * ينطلق فوزكم من إسهامات علمية نوعية في مجال الدراسات الإسلامية؛ كيف تصفون المنهج الفكري الذي حكم مشروعكم البحثي عبر السنوات؟ ** لديّ مشروع بحثي كبير في حقل التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، امتد قرابة أربعين عامًا من الدرس والبحث والتنقيب عن مصادر المعرفة المتنوعة، سواء المصادر الأثرية، مثل النقوش والكتابات والآثار المعمارية والمسكوكات، وهي وثائق بالغة الأهمية؛ لأنها الشاهد الناطق الحي لدراسة الماضي، أو المصادر العربية المكتوبة، وفي مقدمتها القرآن الكريم، وأحاديث النبي ﷺ، وكتب التفسير، والسيرة والمغازي، إضافة إلى المصادر التاريخية، وكتابات الرحالة والجغرافيين العرب، وهي قائمة تطول بما تحويه من كنوز معرفية. وقد أسفرت رحلتي البحثية خلال هذه السنوات عن إصدار سبعة عشر كتابًا في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، وأكثر من اثنين وعشرين بحثًا علميًا منشورًا في مجلات علمية تصدرها الجامعات المصرية، فضلًا عن أربعة أعمال موسوعية كبرى: الأولى «موسوعة تاريخ الدول الإسلامية وحضارتها في المشرق الإسلامي» في عشرة أجزاء، والثانية «تاريخ صدر الإسلام وحضارته» في ستة أجزاء، والثالثة «موسوعة طرق التجارة في العالم الإسلامي» في خمسة أجزاء، والرابعة «موسوعة الثغور الإسلامية» في ستة أجزاء، إلى جانب عدد من الأعمال العلمية الأخرى التي لا تزال قيد النشر. * إلى أي مدى حرصتم في أعمالكم العلمية على الموازنة بين أصالة التراث الإسلامي ومتطلبات القراءة الأكاديمية الحديثة؟ ** في حقيقة الأمر، الموازنة مطلوبة، لأننا نحرص على عدم التفريط في أصالة التراث الإسلامي، الذي يمثل كنز المعرفة والعمود الفقري للحضارة العربية الإسلامية. وفي الوقت نفسه، نراعي تبسيط بعض القضايا وشرحها بأسلوب علمي واضح، ييسر فهمها لجموع القراء من مختلف الشرائح، دون الإخلال بالمنهج الأكاديمي أو عمق الفكرة. التراث الإسلامي واسع ومليء بالكنوز والنفائس، ونعتز به اعتزازًا كبيرًا، ويجب قراءة نصوصه بعين الإنصاف. فالتراث الإسلامي هو الوعاء الكبير الذي يمثل الإرث الشامل للأمة من علوم ومعارف وفنون وآداب وفكر ومبانٍ، أنتجتها الحضارة الإسلامية عبر تاريخها الممتد من ظهور الإسلام وحتى اليوم.ومن هنا تبرز أهمية تحليل النصوص تحليلًا منطقيًا، من خلال دراستها من جميع جوانبها، وتحليل لغتها بإنصاف وموضوعية، حتى تكتمل الصورة وتُفهم النصوص في سياقاتها الصحيحة. * ما أبرز الإشكالات أو الأسئلة الكبرى التي حاولتم معالجتها في أبحاثكم، وترون أنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاشتغال العلمي؟ ** من أبرز الإشكالات التي واجهتها دراسة الجوانب الحضارية في كثير من الدول الإسلامية، والتي تناولتها في مؤلفاتي، أن بعض هذه الجوانب لا تحظى بالاهتمام الكافي. فعلى سبيل المثال، تناولت موسوعة «تاريخ المشرق الإسلامي» الجوانب الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهناك العديد من القضايا الخفية في التاريخ الإسلامي، وخصوصًا في مجال التاريخ الاجتماعي، التي تحتاج إلى دراسة مستفيضة، إلا أن كثيرًا من الباحثين يبتعدون عنها. * كيف تقرأون الدور الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية، من خلال جائزة الملك فيصل، في دعم البحث العلمي وتعزيز مكانة الدراسات الإسلامية عالميًا؟ ** تحرص المملكة العربية السعودية على الريادة العلمية في عالمنا المعاصر، من خلال المكانة الرفيعة التي تحظى بها جائزة الملك فيصل، التي تحتل مكانة الصدارة بين الجوائز على مستوى العالم، متفوقة على غيرها في تنظيم العمل والشفافية والدقة والحيادية. وتسهم الجائزة بفروعها المختلفة في دعم العلم وخدمة الإسلام والمسلمين، وهذا ليس بغريب، فالمملكة مهد الإسلام ومهبط الوحي الذي نزل على سيدنا محمد ﷺ، ومنها خرج القادة والعلماء والفقهاء الذين نشروا الإسلام في ربوع العالم. ويمثل التواصل الحضاري على أرض المملكة حلقات متصلة في حركة التاريخ، وما تشهده اليوم من نهضة حديثة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله، وسمو الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، رعاه الله ووفقه، يصب في خير البلاد والعباد على مختلف الأصعدة. * فوزكم بجائزة الملك فيصل يفتح بابًا للتأمل في فكرة التكامل العلمي؛ كيف تقيمون هذا النهج في تكريم الجهود البحثية؟ * يتسابق الباحثون من مختلف ربوع العالم للفوز بجائزة الملك فيصل، لما تمثله من شرف علمي كبير. ويقوم التقييم في الجائزة على أسس علمية سليمة، من خلال نخبة من العلماء تم اختيارهم بعناية وفق معايير دقيقة وموضوعية. * بعد هذا التتويج العلمي، ما الآفاق البحثية التي تفكرون في التفرغ لها أو تعميق الاشتغال عليها في المرحلة المقبلة؟ ** الفوز بالجائزة سيشجعني على المضي قدمًا في مشوار العلم بقوة، والتطلع إلى البحث في كثير من قضايا التاريخ الإسلامي التي لم يتطرق إليها الباحثون، وتحقيق بعض المخطوطات النادرة التي قل وجودها في المكتبات العربية لإخراجها للأجيال القادمة، والكشف عن النصوص المبتورة في المصادر التاريخية، والبحث عن كتب التراث المفقودة التي يحتاجها الباحثون.