البروفيسورة سفيتلانا مويسوف الفائزة بجائزة الملك فيصل في الطب:
جائزة الملك فيصل ساهمت في تطوير المعرفة الانسانية
تُعدّ البروفيسورة سفيتلانا مويسوف، العالِمة الأمريكية من أصول مقدونية، واحدةً من أبرز الأسماء الرائدة في مجال الكيمياء الحيوية للببتيدات، إذ جمعت في مسيرتها العلمية بين رؤية تجريبية دقيقة وابتكار منهجي أسهم بعمق في إعادة تشكيل فهم هرمونات الإنكرتين ودورها في تنظيم إفراز الإنسولين وعلاج داء السكري والسمنة. وُلدت مويسوف في مدينة سكوبيه عام 1947، وتخرّجت في جامعة بلغراد قبل أن تنطلق في أبحاث متقدمة بجامعة روكفلر، حيث طوّرت طريقة التخليق الببتيدي في الحالة الصلبة لهرمون الجلوكاجون. وبدعم من معهد هوارد هيوز الطبي، تمكّنت البروفيسورة مويسوف، أثناء عملها في وحدة الغدد الصماء بمستشفى ماساتشوستس العام في بوسطن، من اكتشاف الصيغة النشطة بيولوجيًا لببتيد GLP-1. وقد مهّد هذا الإنجاز الطريق لظهور فئة جديدة من العلاجات التي أثّرت في حياة مئات الملايين من البشر حول العالم. وشملت أبحاثها دراسات فسيولوجية متعمقة، وتجارب علاجية مبتكرة، وتقنيات تحليلية متقدمة، ما أكسبها عددًا كبيرًا من الجوائز الدولية المرموقة قبل نيلها جائزة الملك فيصل في الطب لعام 2026. ويجسّد هذا التكريم إسهاماتها الفريدة والمتواصلة في الطب الحديث، ويضع إنجازاتها في صدارة البحث الطبي العالمي، بوصفها محطةً فارقة في تاريخ علم الغدد الصماء وعلاجات السمنة والسكري. * اكتشافكم الرائد لببتيد “GLP-1” أحدث تحولًا جذريًا في علاج السكري والسمنة. هل يمكنكم أن تشرحوا بإيجاز الرحلة العلمية التي قادت إلى هذا الإنجاز؟ ** خلال فترة دراستي العليا في سبعينيات القرن الماضي، وعملي مع البروفيسور بروس ميريفيلد في جامعة روكفلر بمدينة نيويورك، قررتُ أن أكرّس أبحاثي لدراسة بيولوجيا هرمون الجلوكاجون، وهو هرمون ببتيدي يرفع مستويات الجلوكوز في مجرى الدم. وقد اعتمدتُ في هذه الدراسات على تقنية التخليق الببتيدي في الحالة الصلبة التي طوّرها البروفيسور ميريفيلد في ستينيات القرن العشرين. إن عملي المبكر على الجلوكاجون، ومعرفتي الدقيقة بتسلسل أحماضه الأمينية، مهّدا الطريق لاكتشافي في ثمانينيات القرن الماضي للصيغة النشطة بيولوجيًا من ببتيد شبيه الجلوكاجون-1 (GLP-1). وقد أظهرت تجاربي أن هذا الببتيد يُعد من هرمونات الإنكرتين، إذ يُفرَز في الأمعاء استجابة لتناول الطعام، ويحفّز إفراز الإنسولين من البنكرياس، مما يؤدي إلى خفض مستويات الجلوكوز في الدم. وفي دراسات لاحقة أُنجزت بالتعاون مع البروفيسورات غوردون وير، وديفيد ناثان، وجويل هابينير، تمكّنا من إثبات الإمكانات العلاجية لببتيد GLP-1 في علاج داء السكري من النوع الثاني. * تؤثر العلاجات المعتمدة على GLP-1 اليوم في حياة مئات الملايين من المرضى حول العالم. كيف تنظرون إلى الأثر العالمي لأبحاثكم؟ ** أشعر بتواضع عميق أمام حقيقة أن أبحاثي أسهمت في تحسين صحة ملايين الأشخاص حول العالم. * برأيكم، ما أبرز التحديات التي ما تزال قائمة في علاج السمنة والسكري، وكيف يمكن للأبحاث الحالية أو المستقبلية أن تبني على اكتشافكم؟ ** تُعد أدوية GLP-1 فعّالة في علاج داء السكري من النوع الثاني، لكنها لا تصلح لعلاج داء السكري من النوع الأول. ويكمن التحدي في تطوير أدوية فعّالة يمكن استخدامها إلى جانب الإنسولين لعلاج النوع الأول. أما التحدي الأكبر في علاج السمنة، فيتمثل في منع استعادة الوزن بعد التوقف عن استخدام أدوية GLP-1، إضافة إلى تحدٍّ وثيق الصلة يتمثل في الوقاية من فقدان الكتلة العضلية المصاحب لفقدان الوزن. ومع ذلك، فأنا متفائلة بأن الأبحاث الجارية في الجامعات وشركات الأدوية ستقود إلى تدخلات علاجية جديدة لمعالجة كلتا الحالتين. * عند استرجاع مسيرتكم العلمية الممتدة لعقود، ما اللحظة التي تعتبرونها الأكثر محورية أو تأثيرًا في رحلتكم البحثية؟ ** السنوات التي قضيتها في جامعة روكفلر إلى جانب البروفيسورين بروس ميريفيلد ورالف شتاينمان. * كيف أسهمت خبراتكم في مؤسسات مختلفة، مثل جامعة روكفلر وجامعة هارفارد ومعهد هوارد هيوز الطبي، في تشكيل أبحاثكم واكتشافاتكم؟ ** وفّرت كل مؤسسة من هذه المؤسسات بيئة بحثية محفّزة، وداعمة، وقائمة على التعاون العلمي. * ما النصيحة التي تقدمينها للعلماء الشباب، ولا سيما النساء، الساعين إلى إنجاز أبحاث رائدة في العلوم الطبية الحيوية؟ ** ألا يسمحوا للعقبات أو الإخفاقات البحثية بأن تثنيهم عن مواصلة السعي لتحقيق أهدافهم. * بصفتكم عالِمة لامس عملها حياة ملايين البشر، كيف تنظرون إلى المسؤوليات الأوسع في تحسين الصحة وجودة الحياة؟ ** يشترك جميع العلماء في هدف واحد، وهو السعي إلى أبحاث تسهم في تحسين صحة البشر وحياتهم حول العالم. غير أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب دعمًا ماليًا من جهات التمويل الخاصة والحكومية. ومن ثم، فإن التقدم في مجال الصحة العالمية يعتمد على شراكة فاعلة بين المؤسسات الأكاديمية وجهات التمويل. * لو طُلب منكم تلخيص فلسفتكم العلمية في جملة واحدة، فكيف ستكون؟ ** النزاهة العلمية. * تُعد جائزة الملك فيصل من الجوائز المرموقة عالميًا، وغالبًا ما يُنظر إليها باعتبارها تمهيدًا أو استباقًا لجوائز دولية كبرى، من بينها جائزة نوبل. كيف تقيّمون دور جائزة الملك فيصل ومكانتها في المجتمع العلمي العالمي بوصفها منصة تُبرز الأبحاث الرائدة قبل أن تحظى بالاعتراف الدولي الواسع؟ ** تتميّز جائزة الملك فيصل عن غيرها من الجوائز المرموقة؛ إذ تجمع في نطاقها بين تكريم الدراسات الإسلامية، واللغة العربية، وخدمة الإسلام، وبين الإنجازات العلمية في مجالات الرياضيات والكيمياء والفيزياء والطب. ويشرّفني أن أكون من الحاصلين على هذه الجائزة، وأن أُدرج ضمن نخبة متميزة من العلماء الذين أسهموا في تطوير المعرفة في مجالات العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية والطب.