أشياء لا نراها

تتشابه القراءة مع الأجواء الجميلة في قدرتها العجيبة على انتشال المرء من واقعه، وإعادة التوازن لنفسه حين يغزوها جفاف “التصحر” الروحي. تماماً كما تعيد الغيوم الهدوءَ للقلب وتبعث البهجة. في رحلاتي إلى جدة، حيث تدفعني محاضرات الدراسات العليا طالباً في جامعة الملك عبدالعزيز لخوض غمار الطريق من حين لآخر، كثيراً ما تستوقفني تفاصيل صغيرة؛ عابرُ طريق يجلس وحيداً أمام غدير خلّفته مياه الأمطار، وتحفه أشجار نضرة، تراه يجلس في صمت يحتسي قهوته بسلام. مثل هذه المشاهد -سواء في عرض الطريق أو في أروقة الجامعة وأحاديث الرفاق- هي التي أراها ظلالاً لأشياء أجمل وأصدق، لا تدركها العينُ العابرة. هناك خيط دقيق ناظم لتلك المشاهد، وهي “الأشياء التي لا نراها بوضوح”. كأن تشاهد مُسِنًّا يصارع الوهن، يمشي متكئاً على عكازه أو على ساعد أحد أبنائه، ورغم مشقة الخطوات تراه يفيض سعادةً بوجوده بين الناس؛ فالحركة بالنسبة له حياة، والبقاء في المنزل ركونٌ للاكتئاب. أحياناً نُشفق على أحدهم فنحثه على الراحة، لنكتشف أن راحته الحقيقية في العطاء والبقاء فاعلاً قدر استطاعته. حين تجلس مع كبار السن، تجد مكمنَ سعادتهم في الحديث والبوح. وحين تنبش في ذاكرتهم عن قصائد قديمة أو تجارب عتيقة، تضيء ملامحُهم ويستعيدون شيئاً من ريعان شبابهم. حتى الوحدة العابرة لا أعتقد أنها موحشة لدى من يحمل في ذهنه تطلعات وأفكاراً وأحلاماً. من يقرأ كتاباً، أو ينصت لبرنامج يُثري عقله، أو يقطع الطريق في مهمة ينجزها، هو في حالة تجدد دائم. أخيراً، تظل الكلمات أرقَّ أنواع الجمال. تلك الرسالة الخاصة التي تأتيك عبر برامج التراسل واتساب وغيرها من قلب صادق شريطة أن تكون لك لا لغيرك، أو كلمةُ امتنان على خدمة قدمتها بلا انتظار لمقابل، تجدها تبثّ في نفسك سعادةً غامرة تفوق قيمة المال. المال مهم، لكن الكلمة الجميلة في وقتها ومحلها لا تُقدَّر بثمن. ومن يبخل بالكلمة الطيبة فهو أشد بؤساً ممن يبخل بالمال. هناك من يعيش بين الجمال عشرات السنين دون أن يلتفت إليه أو يتحدث عنه، وهذا تصحر أخلاقي يوجب مراجعة النفس؛ فجمال الأخلاق والتعامل ونور المعرفة أشياء تُعطي للحياة معناها.