جمع في قلبه شغفًا لا ينضب تجاه جماليات الفن، وأبدع في لوحاته حتى لقبوه بشاعر الريشة وأديب الألوان؛ هو التشكيلي العراقي سمير السعيدي، المولود في عام 1977م، تجسدت في أعماله الروح العراقية الأصيلة، حيث رسم الأماكن الشعبية والأهوار في جنوب العراق، وصوّرَ الخيول بروح تأثره العميق بالرواد مثل حافظ الدروبي وفائق حسن، تجاوز حدود الواقعية ليغوص في أعماق الفن المفاهيمي، حاملًا في لوحاته بعض الأفكار والمعاني التي تتجاوز الشكل لتصل إلى جوهر الفكرة، مستخدمًا النصوص والصور ووسائط متعددة، ليعبر عن رؤى فلسفية وأبعاد مفاهيمية متنوعة، محققًا ثورة فنية ضد تقاليد الفن السائدة، في هذا الحوار، سنتطرق إلى محطات مسيرته الفنية، ونستكشف عالمه الفني الفريد، لنتعرف على أسرار إبداعاته وكيف يصوغ أفكاره عبر لوحاته. * العودة إلى البدايات دائمًا ما تثير الذكريات؛ فلنبدأ من معهد الفنون الجميلة ببغداد، وحصولك على البكالوريوس في فنون الرسم، كيف تصف تطور أسلوبك الفني من مرحلة الدراسة الأكاديمية إلى مرحلة الاحتراف؟، وما هي التحديات التي واجهتها خلال هذا الانتقال؟ ** كانت البداية مع فن الرسم كهواية محببة، ومن خلال التجارب والممارسة المكثفة، انغمست في عالم الفن بأشكاله المختلفة. تعلمت من المدارس الفنية المتنوعة مثل الواقعية، الكلاسيكية، الانطباعية، التكعيبية، والتجريدية، مما ساعدني على صياغة أسلوبي الخاص. كان لدي مخزون غني من الخطوط والألوان التي تميزت بها عن باقي الفنانين، وقد كانت هناك تحديات جمة خلال الانتقال من الدراسة الأكاديمية إلى مرحلة الاحتراف. فالتكيف مع الحرية الفنية التي تتجاوز القواعد الأكاديمية، ومحاولة إيجاد صوتي الفني الخاص بين عمالقة الفن، كان تحديًا كبيرًا، ولكن بفضل الإصرار والمثابرة، تمكنت من تجاوز تلك العقبات، مستفيدًا من كل تجربة لأطور نفسي وأوسع آفاقي الفنية. * لوحاتك تعبر عن الروح العراقية الأصيلة من خلال تصوير الأماكن الشعبية والأهوار والخيل، فما هي الرسائل التي تحاول إيصالها من خلال هذه المواضيع؟ ** الفن وسيلة تعبير تتجاوز الحدود، ولغة نستخدمها لننقل أحاسيسنا وأفكارنا، وأنا من خلال لوحاتي أسعى للحفاظ على التراث العراقي الغني ونقله للأجيال القادمة. تصوير الأماكن الشعبية والأهوار والخيل يعكس جمال العراق وروحه الأصيلة، وأرغب في أن يشعر المشاهد بعمق الانتماء والجمال الذي تحمله هذه المشاهد. أهدف إلى تذكير الناس بأهمية الحفاظ على تراثنا الثقافي والتاريخي، وأن نكون فخورين بجذورنا وتقاليدنا العريقة. * نقشت اسمك بين الكبار، ليصبح رمزًا للإبداع والتجديد في المشهد الفني العراقي، ومن الملاحظ أنك تأثرت كثيرًا برواد التشكيل العراقيين مثل حافظ الدروبي وفائق حسن، فكيف انعكس هذا التأثير على أعمالك؟، وهل ترى نفسك كامتداد لهؤلاء الرواد؟ ** تأثري بأعمال الرواد كان له أثر كبير على رحلتي الفنية، كنت أتمعن في لوحاتهم التي تميزت بألوانها الطبيعية ولمساتها الفنية الفريدة، هذا التأثير أتاح لي فهمًا أعمق لجماليات الفن، وألهمني لاستكشاف أسلوبي الخاص وتطويره. أنا أرى نفسي متأثرًا بروح هؤلاء الرواد ولكنني في نفس الوقت أسعى دائمًا لإبراز هويتي الفنية المستقلة، فكل فنان يحمل في داخله بصمة خاصة تعبر عن ذاته وتفرده، تأثير الدروبي وحسن يظهر في بعض أعمالي من خلال التقنيات والأساليب، لكنني أحرص على أن تكون لوحاتي ناطقة بروحي وأفكاري الخاصة، وأن أكون جزءًا من هذا التراث الفني العريق، مع إضافة لمسة جديدة تعبر عن رؤيتي الخاصة. * تُعتبر المرحلة المفاهيمية في مسيرتك نقلة نوعية من الواقعية إلى أبعاد فلسفية عميقة، فما الذي دفعك إلى هذا التحول؟، وكيف توازن بين التعبير عن الأفكار المعقدة والحفاظ على جمالية اللوحة؟ ** كل فنان يحمل في داخله رغبة للتجديد والتعبير عن ذاته بطرق مختلفة، وهذا ما دفعني إلى التحول نحو الفن المفاهيمي، أردت أن أتجاوز حدود الشكل التقليدي وأغوص في أعماق الأفكار والفلسفة، معبّرًا عن مشاعري ورؤيتي للعالم بطرق جديدة ومبتكرة، مع الحفاظ على انسجام اللوحات وترتيب الألوان وتجانسها مع بعضها للحفاظ على جمالية اللوحة وقبولها عند متذوقي الفن. * الفن المفاهيمي يتطلب استخدام النصوص والصور والوسائط المتعددة، فكيف تختار المواد والأدوات التي تستخدمها في أعمالك؟، وما هي التحديات التي تواجهك في هذا النوع من الفن؟ ** يتم اختيار المواد بناءً على خبرتي ومعرفتي بالأدوات التي تناسب نوع العمل وحجمه وكمية الألوان المطلوبة وكثافتها. لا أرى التحديات كعوائق بل كفرص لتحقيق طموحي في إبراز اللوحة بشكل مميز ومختلف، يعبر عن الفن بطريقة مبتكرة وجذابة. * كعضو في نقابة الفنانين العراقيين وجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين ورابطة المبدعين العراقيين للفنون الجميلة، كيف ترى دورك في تطوير الحركة الفنية في العراق؟، وما هي المبادرات أو المشاريع التي تعتقد أنها ضرورية لدعم الفنانين التشكيليين في بلاد الرافدين؟ ** دوري كفنان وعضو في هذه الجمعيات والنقابات مسؤولية كبيرة لدعم وتعزيز الحركة الفنية في العراق. أسعى من خلال التدريس والتعليم في المدارس والجامعات، ومشاركتي في معارض الفنون لتعليم وإلهام الطلاب والفنانين الشبان. أيضًا، أسعى لدعم الفنانين بتوفير فرص لعرض أعمالهم في قاعات ومعارض، ودعم المشاريع الفنية الصغيرة من خلال المكافآت المادية والمعنوية. المبادرات الضرورية لدعم الفنانين التشكيليين تشمل إنشاء ورش عمل ودورات تدريبية، وتنظيم معارض فنية دولية لتعزيز التبادل الثقافي، بالإضافة إلى تعزيز الوعي العام بأهمية الفن ودوره في المجتمع. يجب أيضًا تعزيز المساواة والفرص المتساوية لجميع الفنانين دون تمييز، وتشجيع التحفيز المستمر وتبادل الخبرات لتطوير الفن العراقي ورفع مستوى الإبداع والتميز. * من خلال تجربتك الفنية الغنية، ما هي النصائح التي تقدمها للفنانين الشباب الذين يسعون لدخول عالم الفن التشكيلي؟ ** أنصح الفنانين الشباب بالاستمرار في التعلم والتطوير من خلال ممارسة الرسم بانتظام، واستخدامهم للفن كوسيلة للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم الداخلية. يجب عليهم العمل الجاد والمستمر، والاطلاع على أعمال الفنانين التشكيليين الكبار والمعاصرين، لاستيعاب تقنياتهم وأساليبهم المتنوعة. كما ينبغي عليهم تكثيف التجارب واستكشاف مختلف الأساليب والمواد الفنية، لتطوير مهاراتهم والوصول إلى تميز فني يميزهم في هذا المجال المتنوع والمثير. * الألوان في لوحاتك تنبض بالحياة وتعبر عن جماليات كامنة؛ فكيف تختار الألوان لتعبر عن تقنياتك الفنية وتعزز الأثر العاطفي لها؟ ** كلما كان اللون طبيعيًا يمكنه أن يضيف جمالية للوحة ويمكنه أن يعبر عن الاثار العاطفية الموجودة في كل لون، والألوان حسب قيمتها تشكل رموزًا خاصة وتنقل مفاهيم معينه في داخل الفنان فكل لون يعبر عن مجموعة معينة من الأفكار والرسائل والتخيلات داخل كل شخص كان فنان أو متذوق فن. * يظهر في لوحاتك العديد من رموز الهوية السعودية، فكيف تتفاعل مع البيئة السعودية، لا سيما وأن عدد كبير ممن يقتنون أعمالك هم من السعوديين؟ ** بعد تجربة وبحث مكثفين، اكتشفت أن الفن العربي والأحرف العربية والخيول العربية الأصيلة، بالإضافة إلى الزي العربي التقليدي مثل العقال والدشداشة، يلقون اهتمامًا كبيرًا، لا سيما بين السعوديين، وبدأ عدد متزايد منهم في طلب لوحات تحمل هذه الرموز، بسبب إعجابهم الشديد بها ورغبتهم في امتلاك أعمال فنية من توقيعي، تفاعلي مع البيئة السعودية يتمثل في استيعاب هذه الثقافة المتنوعة والغنية، وتجسيدها بأسلوبي الفني في لوحاتي. * هل هناك تفاعلات أو تأثيرات معينة بينك وبين الساحة الفنية السعودية؟ ** تفاعلي مع الساحة الفنية في السعودية قد أثر بشكل كبير على اختياراتي الفنية، ويتجلى هذا التأثير في استيعابي للثقافة السعودية والاهتمامات الفنية المتنوعة التي تعبر عنها، فمن خلال تفاعلي مع الفنانين والمتذوقين السعوديين، استوعبت رؤاهم وتفضيلاتهم، مما أدى إلى تأثير واضح في مواضيع ورموز أعمالي الفنية، هذا التفاعل ليس فقط مصدر إلهام لي، بل أيضًا يساعدني على إبداع أعمال تتجاوز الحدود الجغرافية لتلامس القلوب والعقول في مختلف أنحاء العالم. * هل تؤمن بأن الفن التشكيلي يمكن أن يلعب دورًا في تعزيز الفهم والتواصل بين الثقافات المختلفة؟، كيف تعبر أعمالك الفنية عن هذا المفهوم خاصة في سياق العلاقات الثقافية بين العراق والسعودية؟ ** نعم، أؤمن بشدة بأن الفن التشكيلي يعزز التفاهم والتواصل عبر الثقافات، فمن خلال لغة الألوان والأشكال، يمكن للفن التشكيلي أن يعبر عن تقارب الحضارات ويجسد التناغم بينها بشكل فني راقٍ. في أعمالي الفنية أسعى لتجسيد هذا المفهوم بشكل مباشر، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الثقافية بين العراق والسعودية، أستخدم عناصر ورموزًا من كلا الثقافتين، مما يسهم في بناء جسور من التفاهم والتبادل الثقافي بينهما. * ختامًا، ما هي المشاريع الفنية المستقبلية التي تعمل عليها حاليًا؟، هل هناك معارض جديدة تخطط لإقامتها أو مشاركتها في المستقبل القريب؟ ** أعمل على إعداد معرض شخصي قادم يضم مجموعة من أعمالي الفنية المختلفة، وأتطلع بشغف للفرصة للمشاركة في معارض جديدة قريبًا لمواصلة التفاعل مع المحبين للفن والفنانين الزملاء على حد سواء.