كان الفن الأوروبي في القرن الخامس عشر، مأخوذا بالنظرية الفلسفية لفناني فلورنسا، بأن (المكان، هو الملهم للفن والفنانين) وفي ذلك الحين قام الفيلسوف «بوترو» بتحليل نتائج العلوم وتأثيرها في الحقل الفكري، وراح يفند النظرية العلمية القائلة (بأن الحياة ائتلاف تنبثق انبثاقا تاما من الحياة المادية) ثم أتى «برغسون» فأدخل تعديلا أساسيا في النظرة الفلسفية إلى «المكان» في كتابه المعروف (معطيات الوجدان البديهية) (إن المكان منبثق من الزمان، وإن كل حالة من حالات العالم الخارجي المتعاقبة هي قائمة بذاتها، وإن تعدد هذه الحالات لا وجود له، إلا في الوجدان الذي يستطيع أن يحفظها ويضيفها إلى بعضها البعض) وزاد هذا الاعتقاد رسوخا الفيلسوف « كانت» (عندما فسر الزمان والمكان بأنهما نوعان مستقلان من أنواع الحدس البشري) وقد حلل مبدأ «الزمان» مستندا إلى - الديمومة – والذي يعتمد في (نقل الواقع أو الحدث من الطبيعة مباشرة بعيداً عن التخيّل والتزويق وتسجيل التأثر البصري الخاطف لسقوط الضوء على الأشكال في لحظة معينة من النهار وقبل أن تتغير نتيجة لتغير الأضواء) ومن هذه الفلسفة انبثقت (الانطباعية) والتي شكلت نقطة التحول من الفنون الكلاسيكية الى الفنون الحديثة، مستمدة من عنوان لوحة كلود مونيه (انطباع شروق الشمس) وبالرغم من أنها مذهبٌ مرئي محدودة الأهداف، لم تعش طويلاً، وفقدت الكثير من أنصارها، وانبثقت منها «التنقيطية» على يد «جورج سورا» في عام 1891م، التي تُعتبر من الحركات الفنية الثورية، وتُعد واحدة من أكثر المدارس إثارةً للجدل في تاريخ الفن التشكيلي، قد تكون بديلًا عن المدرسة الانطباعية مستندة إلى نظريات علم البصريات والألوان، خاصة التباين المتزامن، ولكنها لم تلق الاهتمام والأنصار، وتلاشت، لأنه مذهب محدودة الأهداف كثيرة التعقيد، ولا يوحي بالخيال، اغتنمها بعض الهواة بعد قرن من الزمن، ونسبوها لأنفسهم، أما أتباع المدرسة «التكعيبية» فقد ابتدأوا برفض الواقع بغية اكتشاف الحقيقة المخبأة عن طريق الإلهام، وعدم انشغالهم بالمظاهر البصرية، فكانوا يعتقدون أن الحقيقة هي جوهر الواقع وأن هذا الجوهر مغلف مدفون، لايتمكن الإنسان من اكتشافه إلا أذا طرح الظواهر جانبا، وكانوا يهتمون إلى الأشكال الهندسية أساسا لبناء العمل الفني، إذ قامت هذه المدرسة - على الاعتقاد بنظرية التبلور التعدينية - التي تعتبر الهندسة أصولا للأجسام لكل شكل، فاستخدم فنانوها الخط المستقيم والخط المنحني، فكانت الأشكال فيها إما أسطوانية أو كروية، وكذلك ظهر المربع والأشكال الهندسية المسطحة في المساحات التي تحيط بالموضوع، وتنوعت المساحات الهندسية في الأشكال تبعا لتنوع الخطوط والأشكال واتجاهاتها المختلفة، وكان هدف «التكعيبية» ليس التركيز على الأشياء، وإنما على أشكالها المستقلة التي حددت بخطوط هندسية صارمة، وجعلوا من الأشياء المرئية شكلا فنيا، وكان أتباع المدرسة «الحمراء» التي ابتدعها «هنري ماتيس» قد سبقوهم على طريق البحث عن الحقيقة الكامنة في أعماق الأشياء، وكان أسلوبهم يقضي باستعمال الألوان بشكل تلقائي وجريء للألوان، لأنها وسيلتهم الأساسية في التعبير، والشكل لديهم مبسط عفوي، كأداة تعبيرية رئيسية مع ضربات فرشاة حرة، للوصول إلى قوة خارقة في التعبير، ولكن الألوان مهما كانت صارخة وجريئة، لا تستطيع أن تسيطر على «الخيال» بقدر ما تسيطر عليه الأشكال الهندسية النافرة التي امتاز بها «التكعيبيون»؛ لذا استطاعت «التكعيبية» أن تتغلب على الطريقة «الحمراء» أو بما يعرف بــ «الوحشية» .