المياه الجوفية..

الخيار الاســـتراتيـجـي .

هناك حقيقة، توضيحها ضرورة. الوقوف عندها مطلب مع أي حديث عن الماء في بلدنا السعودية، حفظها الله. وهي حقيقة ندرة موارد المياه الطبيعية التي جعلت بلدنا من أفقر عشر دول في المياه على مستوى العالم. هذا يعني أن التحدّي الذي واجهته أرضنا وأهلها عبر التاريخ هو ندرة المياه. ونتيجة لذلك كانت أرضنا السعودية طاردة لسكانها عبر التاريخ، حتى جاء العهد السعودي الملهم فجعل للماء موردا اصطناعيا جديدا يحتل المرتبة الأولى على مستوى العالم، بجانب موارده الطبيعية. ورغم هذا الإنجاز الاصطناعي الاستثنائي لأعذبة (أو تحلية) مياه البحار المالحة (التحلية)، إلا أن تحديات صناعتها، وإدارتها، وصيانتها، وجدواها الاقتصادية تظل قائمة. وهذا يجعل موارنا المائية الطبيعية قوة وجود استراتيجية لتلافي العطش تحت أي ظرف كان. حقيقة ندرة مصادر المياه الطبيعية في المملكة نستنتج بمقارنة مساحة المملكة مع مساحات دول مجتمعة، مدى أهمية المياه الطبيعية لهذه المساحة الواسعة التي تغطي (2.15) مليون كيلومتر مربع، تعادل نصف مساحة أوروبا. لكنها خالية من المياه السطحية (الأنهار والبحيرات). هذه الحقيقة تجعلنا أمام مصدرين طبيعيين، هما: “المطر والمياه الجوفية”. * المطر كميات المياه في العالم ثابتة لا تنقص ولا تزيد، وهي في دورة لا تتوقف من عمليات التبخّر بفعل الشمس، ثم تتكثف في السماء مرة ثانية بفعل عوامل معيّنة وتهطل على الأرض مرّة أخرى. هذا يعني أن المطر هو المصدر الطبيعي لكل المياه العذبة في العالم. ولكن هناك عوامل لابد من توفّرها لهطول الأمطار، هذه العوامل تحدّد كميّاتها. من أهم هذه العوامل توفّر الغطاء النباتي من الأشجار وبشكل كثيف. وبسبب هذا العامل نجد أن مناطقنا الجبلية جنوب غرب المملكة هي الأكثر مطرا مقارنة بالمناطق الأخرى من المملكة. حيث يهطل على المناطق الجبلية جنوب غرب المملكة أكثر من (90) بالمائة من كميات الأمطار التي تنزل على عموم مناطق المملكة الأخرى. هذه الحقيقة يجب أن توحي وتقول لكل راسمي السياسة المائية. * المياه الجوفية إن المياه الجوفية بنوعيها “المتجدّد” و“غير المتجدّد” المصدر الرئيسي لحاجتنا من المياه في المملكة. فهي تشكل مصدر لأكثر من (85) بالمائة من احتياجاتنا من المياه لجميع القطاعات السكنية، والصناعيــة، والزراعية، والبيئية. وتشكل هذه المياه الصمام الاستراتيجي الذي يجب المحافظة عليه لصالح وجودنا على هذه الأرض المباركة. تأثير مصادر الماء الطبيعية على التوزيع سكان المملكة تاريخيا وعبر التاريخ ساهمت مصادر المياه الطبيعية، “من مطر ومياه جوفية” على توزع السكان في مساحة المملكة التي تبلغ (2.15) مليون كيلومتر مربع، وفقا لتوفّر الماء في بيئتهم. وحتى يكون هناك فهم أوسع يبرّر التوزيع السكاني في المساحة الكبيرة للمملكة، علينا توضيح أن المياه الجوفية ليست جميعها في متناول السكان بشقيها المتجدّد وغير المتجدّد. وضع ساهم في محدودية سكان مناطق المياه الجوفية غير المتجدّدة عبر التاريخ. يتجلى ذلك في مناطق الصخور الرسوبية. حيث واجهوا صعوبة الوصول إلى المياه غير المتجددة العميقة، وأيضا واجهوا نتائج شح الأمطار وندرته. نتيجة لذلك تركزّت المستوطنات البشرية في الواحات التي انتشرت في مناطق الصخور الرسوبية، منها واحتا الأحساء والخرج، وذلك بسبب مياه العيون الفوّارة، حيث تنبع من بعض أحواض الطبقات العميقة بفعل وجود بعض التشققات في صخورها وبسبب الضغط الهائل ترتفع المياه لتشكل عيون فوّارة. خير مثال عيون واحة الأحساء، وكان يرتفع عمود الماء حتى عام (1980)، من هذه العيون فوق المترين عن سطح الأرض بفعل الضغط الهائل في مكامنها تحت الأرض. في مناطق الدرع العربي الأمر يختلف. فهي مناطق مطيرة جعلت المياه الجوفية متجدّدة بتأثر نزول المطر. كان هذا النوع من المياه في متناول البشر، ونتيجة لذلك أصبحت المناطق المطيرة في جبال الجنوب الغربي من المملكة الخزان البشري عبر العصور. حيث انتشرت مستوطناتهم على قمم الجبال المطيرة وسفوحها، وكذلك في مناطق السيول المنقولة إلى سهول تهامة غربا وواحتي العقيق وبيشة شرقا. وكانت العاصمة السكانية حتى نهاية الستّينيات الميلادية من القرن الماضي نقطة قرب مدينة الباحة. وحتى نستوعب أهمية المياه الجوفية أكثر استعرض بعض الحقائق التي أرى أنها تجعل المياه الجوفية خيارنا الاستراتيجي الأهم، وليس خيار أعذبة مياه البحر المالحة رغم أهميته. وقد أنجزت (15) كتابا لتعزيز هذا الرأي. أولا. حقائق جيولوجيا أرض المملكة وعلاقتها بوضع المياه التركيب الجيولوجي للمملكة يتكون من جزءان أو نطاقين مختلفين في التكوين الجيولوجي عبر عصور الحقب الثلاث التي شهدتها الأرض عبر تاريخها، كما يتضح من الخارطة التالية: الأول: يسمى مناطق الصخور الرسوبية. (اللون الداكن الفاتح الشرقي). الثاني: يسمى مناطق الدرع العربي. (اللون الداكن الغامق الغربي) النطاق الأول: مناطق الصخور الرسوبية. تعادل مساحتها ثلثي مساحة المملكة. وتسمى أيضا “الرف العربي”. وقد كانت بحرا ضحلا قبل 600 مليون سنة، لكنها تعرضت لموجات من الترسبات خلال هذه السنين حتى وصلت إلى شكلها الجغرافي الحالي خلال ثلاث فترات جيولوجية وفقا للحقب التالية: عصور حقب الحياة القديمة، وتتكون من (6) عصور جيولوجية. تحمل ثلاثة تكوينات من المياه الأحفورية التي يعوّل عليها. ويبلغ مدى طول عمر صخورها الرسوبية (600) مليون سنة. عصور حقب الحياة الوسطى، وتتكون من (3) عصور جيولوجية. تحمل ثلاثة تكوينات من المياه الأحفورية التي يعوّل عليها. ويبلغ مدى طول عمر صخورها الرسوبية (225) مليون سنة. عصور حقب الحياة الحديثة. وتتكون من (6) عصور جيولوجية. تحمل ثلاثة تكوينات من المياه الأحفورية التي يعوّل عليها. ويبلغ مدى طول عمر صخورها الرسوبية (65) مليون سنة. لكنها مستمرة حتى اليوم. هكذا يتضح أن هذا النطاق الرسوبي يحوي على تسعة تكوينات مائية احفورية يعوّل عليها في أي تنمية كانت، وتتوزع الاستفادة منها كالتالي: في المنطقة الشرقية يتم الاعتماد على ثلاثة تكوينات مائية هي -من الأحدث إلى الأقدم وأيضا من الأقل عمقا إلى الأعلى عمقا ـ (النيوجين، الدمام، أم الرضمة). في منطقة الرياض يستفاد من ثلاثة تكوينات هي: الوسيع، المنجور، الوجيد. في منطقة القصيم يستفاد من تكويني الساق وتبوك. في منطقة حائل يستفاد أيضا من تكويني الساق وتبوك. في المنطقة الشمالية يتم الاستفادة من تكوين الساق فقط في منطقة نجران يتم الاستفادة من تكوين الوجيد فقط النطاق الثاني: مناطق الدرع العربي تمثل مساحته الجزء المتبقي من مساحة المملكة. يعادل ثلث مساحتها. ويتضمن مناطق مكة المكرمة؛ المدينة المنورة؛ الباحة؛ عسير، جيزان، نجران. تعتمد هذه المناطق جميعها على المياه الجوفية المتجدّدة بفعل الأمطار. باستثناء أجزاء من منطقتي نجران وحائل والتي تغطّي بعض أجزائها صخور النطاق الأول (الصخور الرسوبية). حقيقة الصخور الجيولوجية وعلاقتها بالمياه لكل نطاق تركيبة صخرية جيولوجية تختلف عن الأخرى. هذا عدا الاختلافات الجغرافية والمناخية الظاهرة للعيان. ما يهمّنا الحديث عنه هنا من منظور الماء هو التركيب الجيولوجي، وذلك لفهم أكبر لوضع الماء في المملكة بشكل عام، وذلك بهدف معرفة تأثير هذين النطاقين الجيولوجيين على أهمية المياه. حيث تشكل هذه الصخور الوعاء الحامل للمياه الجوفية. صخور النطاق الثاني من جيولوجيا المملكة (صخور الدرع العربي): هي صخور بازلتية، وتسمى أيضا (صخور نارية، أو صخور أولية)، جميعها مسمّيات لنوع الصخور نفسه. هذه الصخور لا تحوي أيّ مواد عضوية. تحتل الثلث الغربي من مساحة المملكة. وهي صخور خالية من المسامات ولا تحوي أي مياه. صخور النطاق الأول من جيولوجيا المملكة (صخور المناطق الرسوبية) صخور هذا النطاق هي الأهم وهي “رسوبية”، وبفضل من الله تحتل ثلثي مساحة المملكة الشرقية. هذه الصخور تكوّنت نتيجة تفتت صخور النارية الصلدة التي تظهر في مناطق (الدرع العربي). وبفعل عوامل مناخية كثيرة عبر الأزمان، وبفعل الضغط الهائل والحرارة تم التحام هذا الفتات الصخري من جديد، لكن دخل مع هذا الالتحام بقايا مواد عضوية من كائنات ونباتات، فكوّنت هذا النوع من الصخور. وبسبب احتوائها على المواد العضوية أصبحت صخور مسامية، أطلق عليها الجيولوجيين اسم “الصخور الرسوبية”. وهي الوعاء الحامل والحافظ للمياه الجوفية غير المتجدّدة في المملكة. وهي مياه استراتيجية تهم جميع أرجاء المملكة. لأن الصخور النارية الصلدة في نطاق (الدرع العربي) لا يوجد بها مسامات ولا تحمل بداخلها مياه جوفية غير متجدّدة. لكنّها مناطق جبلية تشكل موطنا مستداما للمياه الجوفية المتجدّدة في المملكة. وتعتمد على مواسم نزول الأمطار، وهنا تكمن مشكلتها مع أي تنمية زراعية في مناطقها. هذا يعني أن المياه الجوفية غير المتجددة في مناطق الصخور الرسوبية هي الخزان الاستراتيجي الذي يعول عليه في أي تنمية كانت. وهذا يفرض على واضعي السياسات المائية واقع التشدد على صون هذه المياه وحمايتها من الاستنزاف الجائر على زراعات عشوائية وغير اقتصادية أو حتى زراعات يزيد انتاجها عن حاجتنا المحلية. وأيضا يفرض تجنب الزراعات غير الضرورية ومنها زراعات الترف والثراء والتفاخر. هذا الحقائق تدعوني لتوضيح مصدر المياه الجوفية العذبة غير المتجدّدة في مناطق الصخور الرسوبية. وهذا يعظم من أهميتها والعمل على صونها من أجل تحقيق استدامتها لنا ولأجيالنا القادمة في ظل قابليتها للنضوب مع استنزافها الجائر. في هذا الشأن اقترح أن يتم تخصيص بعض التكوينات المائية غير المتجددة، في كل منطقة، كخزانات مياه استراتيجية للطوارئ، ومنع استثمار مياهها بشكل قاطع ونهائي في أي تنمية كانت. حقيقة مصدر المياه الجوفية العذبة الاستراتيجية غير المتجدّدة هناك حقيقة توضح أن هذا النوع من المياه الجوفية في مناطق الصخور الرسوبية، هي مياه عميقة، محصورة في طبقات العصور الجيولوجية المختلفة في العمر، والمساحة، والعمق، ومكونات صخورها الرسوبية. أي انها مياه أحفورية مثلها مثل البترول. أي أنها بعد سحبها لا يمكن تعويضها في ظل الظروف المناخية السائدة. السؤال ما مصدر هذه المياه العذبة في أعماق الأرض إذا كان أصلها مياه بحر، كما سبق شرحه؟ ببساطة وأثناء الترسبات فوق البحر الضحل الذي تم ذكره سابقا، انغلقت أرض كل عصر جيولوجي على جزء من مياه هذا البحر الضحل المالح. وتمّت تسميتها بـ(المياه المقرونة) أي اقترانها بمياه البحر المالحة في ذلك العصر، وهي مياه مالحة في مكامن خاصة نجدها في بطن أرض كل عصر جيولوجي وعددها تسعة عصور. وهكذا ونتيجة لعمليات ذلك الانغلاق، أصبح لدينا عدد (9) مكامن أو أحواض مائية محصورة في الطبقات الجيولوجية. كل عصر يحوي مكمنا خاصا به، بعضها يعتلي بعض. ولكن حصل بقدرة الله ولخير هذه هذا الوطن، وبعد اكتمال الترسّبات في هذا البحر الضحل واختفائه، جاءت عصور مطيرة في أزمنة قريبة ومختلفة على أرض المملكة، وذلك بعد اكتمال مشهد الأرض التي نعيش عليها الآن. هذه العصور المطيرة جاءت في مراحل حديثة ومختلفة تتراوح بين (15 الى 80) ألف سنة. تميزت هذه العصور المطيرة بغزارتها وباختلاف أزمنة هطولها. كانت أمطار مستمرة ليلا ونهارا. فتسرّبت مياه هذه الأمطار العذبة إلى مكامن مياه البحر المالحة المحصورة في طبقات تلك العصور (المياه المقرونة)، وأزاحتها إلى البحر وحلّت محلها. وهذه هي المياه الجوفية العذبة غير المتجدّدة. وهي مياه موجودة تحت ضغط هائل في مكامنها. وهي مياه بعيدة عن متناول اليد، لأنها على أعماق مختلفة قد تصل إلى أكثر من (2500) متر تحت سطح الأرض. ولم يكن للإنسان قدرة تقنية تعينه على الوصول إليها. لكن في بعض الحالات كانت هذه المياه بفعل الضغط تجد لها مخرجا لتصل على سطح الأرض فشكلت عيون قامت عليها الواحات، مثل واحة الخرج وواحة الاحساء الشهيرتين. ونجد في بعض مواقع آبار هذه المياه أنها تصبح مالحة بعد استخدامها بفترة. ذلك التملّح يعود إلى أمرين: الأول: أن عملية إحلال مياه أمطار العصور المطيرة لم يكتمل (لم تكتمل إزاحة مياه البحر المالحة عنه) فطفت مياه العصور المطيرة فوقها. وبعد سحبها واستنزافها، يصبح السحب من المياه المالحة المقرونة مباشرة، وهي من بقية مياه البحر الضحل السابق. الثاني: في المناطق القريبة من البحار، وبسبب الاستنزاف الجائر للمياه العذبة غير المتجدّدة، تتسرب مياه البحر لتعويض المياه المسحوبة من تلك المكامن فتصبح مالحة. أيضا لتأثير هبوط الضغط في تلك المكامن نتيجة لغزارة حفر الآبار وجور الاستنزاف دور أيضا في تسرّب مياه البحر إلى هذه المكامن. وهذا يوضح أهمية هذه المياه الجوفية الاستراتيجية غير المتجددة لنا وللأجيال القادمة. حقيقة الفرق بين المياه الجوفية المتجدّدة والمياه الجوفية غير المتجدّدة أولا: المياه الجوفية المتجدّدة تقع تحت الضغط الجوّي السائد، ويتم استخراجها عن طريق الآبار العادية التقليدية. بينما المياه الجوفية غير المتجدّدة تقع تحت ضغط هائل جدا، ويتم استخراجها عن طريق الآبار الارتوازية. وهذه التسمية نسبة إلى مدينة فرنسية حيث كانت مكان أول بئر تم حفرها في العالم لاستخراج هذا النوع من المياه. ثانيا: تتواجد المياه الجوفية المتجدّدة على أعماق قريبة من سطح الأرض لا تزيد عن (50) مترا. بينما المياه الجوفية غير المتجدّدة يزيد عمقها عن (50) مترا، وتصل إلى عمق يزيد عن (2500) متر. ثالثا: اثناء حفر الآبار نجد المياه الجوفية غير المتجدّدة بفعل الضغط ترتفع في أنبوب الحفر إلى مستوى قريب من سطح الأرض، وقد ترتفع فوق سطح الأرض إلى ارتفاع يزيد عن (50) مترا. بينما المياه الجوفية المتجدّدة تبقى ثابتة المستوى في الطبقات الحاملة لها تحت الضغط الجوّي العادي. رابعا: تتواجد المياه الجوفية غير المتجدّدة في مناطق الصخور الرسوبية، والتي كانت بحرا ضحلا قبل (600) مليون سنة. بينما تتواجد المياه الجوفية المتجدّدة في مناطق الدرع العربي ذات الصخور النارية أو الأولية. *عضو هيئة التدريس، كلية العلوم الزراعية والأغذية، جامعة الملك فيصل سابقا. تخصص في الحفاظ على المياه واستدامتها، له 22 كتابا، منها 15 كتابا عن الماء mgh7m@yahoo.com