نحو سوق المجتمع!
رغم بساطة كلمة سوق العمل ووضوحها الذي يؤدي إلى سوق المدينة، ورغم الاحتياج لهذه السوق في حياتنا العملية واليومية إلا أنها منذ دخلت في الفضاء الاستراتيجي والتخطيط المدني والاستشراف الحضاري لمستقبل المجتمع، منذ هذه اللحظة وهي تكبر وتتشكّل في كائن هلامي خرافي عززت وجوده الشركات الأجنبية المستثمرة التي يبدو أنها السبب الأول في منح هذه الكلمة سيرورتها في واقعنا اليوم حتى باتت هي هويتنا البديلة عن كل الهويات الراسخة في ذاكرتنا وأعماقنا الإنسانية، صارت بديلة لهويتنا الدينية والعربية والوطنية، وصارت هي الحاضنة لذاكرتنا الجديدة الهشّة التي باتت بلا ملامح سوى ملامح السوق الاقتصادية ومتطلباتها الكمية في عالم يضجّ بالأدوات والآليات والنماذج المسكوكة. في هذا الأفق الآلي وُلِِدَتْ سوق العمل ببعدها الاستراتيجي بعد أن فقدت براءتها الأولى وتحوّلت إلى كائن أسطوري معقّد من الأرقام والنماذج وفرص الاستثمار. معنى ذلك أن سوق العمل هي التي صنعت هذا العالم لتتمكّن به من نواصينا وتغرسنا في عالم الآلة بلا ذاكرة إنسانية ولا مكانية: بلا لغة ولا تاريخ ولا جغرافيا ولا طبيعة، وبلا فكر فلسفي ناظم لكل هذه الحقول المعرفية، لتحلّ هي بديلة لكل هذا النسق المعرفي والحضاري، مستثمرة هيمنة الآلة وذاكرة الحاسوب لتضع نفسها في قلب المجتمع بلا ذاكرة سوى ضحيج الآلات وحفيف النماذج وفضاءات العالم التقني وسباق الشركات العالمية. هكذا اختطفتنا هذه الكلمة بسحرها وتأثيرها المرعب لتنسينا ذواتنا وتطمس ملامحنا وتلغي ذاكرتنا وتقصي معالمنا كي لا يبقى منا سوى ما يشبه الترس في مصنع أو المسمار في آلة. ماذا سنصنع في هذه السوق حين تسوقنا إليها ونحن خلاء من هذه الذاكرة الملأى بالخبرات والتجارب الإنسانية، وبالطموحات والأحلام، والتطلّعات إلى مستقبل تعود فيه إلى الإنسان هويته ومكانته بعد أن فقدها تحت تأثير العوالم الرقمية والذكاء الاصطناعي؟ هل نوغل في التقدّم المنزوع من تربتنا الطينية وتجلياتنا الروحية وذاكرتنا الإنسانية تحت سحر كلمة سوق العمل، هذه الكلمة التي تسعى إلى تجريدنا من كلّ هذا، لتلقينا على قارعة الطريق كأعجاز نخل خاوية؟ أم أن الأولى بنا هو أن نجبر هذه السوق على الانصياع لهويتنا فنعيد تشكيلها وصياغتها لتكون سببا في بناء ذات حضارية أصيلة تنتمي للأرض والإنسان، ولكل الحقول المعرفية التي ترتبط بهذين المكونين الأصيلين في بناء كل حضارة أصيلة، راسخة الجذور وارفة الأغصان؟ إن فعلنا ذلك أمسكنا بتلابيب سوق العمل وجعلناها تابعة لا متبوعة، وأحلناها إلى سوق المجتمع، وهو المصطلح البديل المقترح في دراسة واعية للدكتور عبد الله البريدي طرح فيها مجالات هذه السوق النابعة من خصوصية المكان والإنسان في تكامل لا تقصي فيه العلوم الإنسانية العلوم التطبيقية، ولا العكس، بل تتشكّل به رؤية واسعة تشمل كل الحقول المعرفية والمهارات العملية. وفي هذا السياق يقترح البريدي المواءمة بين مخرجات التعليم وسوق العمل بتركيب عبارة تجمع بين سوق العمل واحتياجات المجتمع تتمثّل في مفهوم جديد هو سوق المجتمع وهو مفهوم احتوائي لا يقصي المفهوم السابق وإنما يحتويه ضمن محددات منهجية تجمع العناصر في إطار مفاهيمي مكثّف، وبمراعاة هذه المحددات يكون سوق المجتمع هو “الحيّز الذي يتلاقى فيه الطلب المجتمعي على خريجي الجامعات في مجال أو آخر، بالعرض المقدّم منها، عبر آليّات تفاعلية ملائمة”. وبهذا يحقق سوق المجتمع غايته الشريفة البعيدة بتقدّم المجتمع روحيا وفكريا وثقافيا وحضاريا، في الوقت الذي لا يبخل فيه ألبتة عن دفع المجتمع تنمويا واقتصاديا. ويقترح البريدي في هذا الصدد خطاطة بمجالاتها الاثنى عشر التي تخدم الدولة في دينها ولغتها وتقنيتها وصحتها وبيئتها واقتصادها وتاريخها، وغيرها من المجالات التي تؤهل فيها الجامعات الكفاءات على مستويين: مستوى المتخصصين وهو يعكس مستوى الكفاءة التأسيسي من جهة المعارف والمهارات، ومستوى المفكرين وهو يعكس مستوى الكفاءة المتقدّمة من المناهج والمعارف والمهارات كما ورد في الخطاطة. وعلى هذا النحو يمكن أن نعيد صياغة سوق العمل بدءا من مراجعة المفهوم لتكييفه مع واقعنا الحضاري واقتراح مفاهيم جديدة وأطر نظرية تحتوي السابق واللاحق من أجل المواءمة بين الماضي والحاضر، وصناعة أفق جديد تلتقي فيه الحقول العلمية بمختلف مجالاتها لمستقبل مشرق له أصالته وامتداده.