«الغناء المصري أصوات وقضايا» د نبيل حنفي محمود..

منع أم كلثوم وسرقات عبدالوهاب..وحكايات أخرى .

للمؤلف مجموعة من الكتب التي تتناول حكايات وقضايا مهنية وإنسانية لها علاقة بفنانين ومقرئين اشتهروا أو ضلت الشهرة الطريق إليهم. وعادة ما يعود في كتاباته إلى الكثير من المصادر المتاحة، مثل المجلات والصحف القديمة، التي أصبحت أسماؤها غير مألوفة لدينا، لاحتجابها منذ فترات طويلة، وكذلك من سجلات الإذاعة المصرية الباقية أو التي لم تعد موجودة، وكذلك إلى الكتب التي تناولت أحداث عصرها بالنقد والتحليل، المهم أن منهج الكتابة هنا ليس تسطيحيا كما أغلب الكتابات عن الفنانين، إذ تركز كثير من الإعلاميات على أمور أقرب إلى الخصوصيات الخاصة بأصحابها، زواجهم، طلاقهم، خلافاتهم، حفلاتهم، أزياؤهم وما إلى ذلك من قضايا ساهمت في إشغال الناس دون فائدة حقيقية. في هذا الكتاب عرض لعشر موضوعات تظهر أغلبها تأثير السياسة والأدب والمجتمع والمنافسة على حياة هؤلاء وإنتاجهم الفني والإنساني. الفصل الأول عنوانه “أم كلثوم بين عهدين”، يذكر فيه أن أم كلثوم قد شقت طريقها لتكون الأولى في فن الغناء في عهد الملك فاروق، وقد كانت النجمة الأولى في كل الحفلات الملكية، حفلات التتويج وذكرى الجلوس الملكي، وحفلات زواج الملك وأميرات الأسرة المالكة، وتصرفت في كلمات بعض الأغاني لتناسب الملك، منها أغنية تصرفت فيها خلال الغناء بشكل غير متوقع ليصبح أحد أبياتها (يعيش فاروق ويتهنى… ونحيي له ليالي العيد) ، ثم غنت أغنية عنوانها : يا مليكي، وهي الأغنية التي أصبح اسمها فيما بعد (حبيبي يسعد أوقاته) ، بعدها نزلت عن المسرح لتحيي الملك فمنحها نيشان “الكمال “، وهو وسام رفيع تقلدته نساء الأسرة المالكة. وتحت ضغط المنافسة سعى محمد عبدالوهاب للحصول على النيشان، وقدم أغنيات كثيرة تمدح فاروق، ولكنه لم يحصل على النيشان؛ فوسط معارفه وأصدقاؤه من أصدقاء الملك، لكنه لم يظفر بشيء، وقد كان معروفا عن الملك فاروق أنه يسخر من كل من يطلب رتبة أو نيشانا، بل ويستمتع بالتسويف، فهم عبدالوهاب الرسالة فلم يعد حريصا على استرضاء الملك، بل وقَبِل أن يغنى أغنية ألفها كامل الشناوي، مطلعها “ أنت في صمتك مرغم” ، وكان واضحا أن القصيدة كان فيها هجاءٌ لفاروق، فتم منع القصيدة. وعلى أي الأحوال فإن ما كسبه عبدالوهاب وأم كلثوم في ذلك العصر، أنهما تمكنا من إزاحة المنافسين عن الإذاعة المصرية وخاصة المطربين الشوام، مثل فريد الأطرش ونور الهدى، دعمت أم كلثوم موقفهما بأن اللائحة الداخلية لإذاعة الشرق -التي تبث من بيروت- تنص على عدم السماح بالتعاقد مع الأجانب ومنهم المصريون. بعد قيام الثورة المصرية بيومين زار اللواء محمد نجيب قائد الثورة مبنى الإذاعة حيث قام بإجراء بعض التعيينات لتصبح الإذاعة صوت العهد الجديد، أما أم كلثوم فقد توجهت لمبنى الإذاعة في نفس الأسبوع وقامت بحملة تطهير، أشرفت بنفسها على تنقية أغانيها من كل ما يتعلق بالعهد الماضي، ويؤكد الكاتب أنه لم يكن هناك أي قرار بمنع أغاني أم كلثوم ، ولكن عدد المرات التي أذيعت فيها أغانيها في تلك الفترة كان أقل قليلا من عدد مرات إذاعة أغاني عبد الوهاب، فإن الأخير أعاد تسجيل أغنيته التي مُنعت بعد تعديل بسيط ليصبح مطلعها “كنت في صمتك مرغم” فتحولت إلى أغنية تمجيد لحركة الضباط. علاقة السياسة بالفن كثيرا ما تضر بالفنان بدلا من أن تدعمه، في فصل بعنوان “فايدة كامل.. وما تجنيه السياسة على الموهبة”، يتحدث عن مطربة بهذا الاسم كان والدها أستاذا للغة العربية، مجودا للقرآن، ولذا فإن عددا من أفراد الأسرة أصبحوا مطربين وموسيقيين، أما فايدة فقد كانت بدايتها قوية، وصوتها يناسب الغناء المسرحي، وقد برعت في الأغنيات الوطنية التي عبرت عن وجدان الشعب المصري، وصادف زواجها من النبوي إسماعيل الصعود السريع لزوجها في عصر الرئيس السادات، حيث أصبح وزيرا للداخلية، وأصبحت عضوا في مجلس الشعب، وقد شاهدها الشعب خلال إحدى خطابات الرئيس تقوم لتغني إحدى أغانيها التي تمدح السادات، غنت الأغنية كاملة، وتحول بعض زملائها في المجلس إلى جوقة يرددون من ورائها، بعد ذلك غنت عددا من الأغنيات التي أسرفت خلالها في مديح الرئيس. بعد أن انتهت فترتها في مجلس الشعب، انطفأت الأضواء من حولها وأُسدل عليها ستار النسيان، ولم تبق حتى في ذاكرة المعمرين الذين تفاعلوا مع أغانيها قبل مرحلة مجلس الشعب. هل جنت السياسة على أميرة الغناء العربي أسمهان؟ يقول الكاتب إن هذه المطربة تأتى مباشرة بعد أم كلثوم بين نجمات الغناء في العصر المنصرم. والدها فهد الأطرش كان أول من حمل مؤهلا جامعيا من أبناء جبل الدروز، عُين من قبل الدولة العثمانية متصرفا في إحدى نواحى أزمير، وحين هُزمت دول المحور في الحرب العالمية الأولى، آذنت الدولة العثمانية بالسقوط، فهرب مئات من جنودها باتجاه الشام، فهد الأطرش وعائلته ركبوا السفينة إلى بيروت، وولدت أمال الأطرش (أسمهان) خلال الرحلة. تولى فهد الأطرش عدة وظائف تحت سلطة الاستعمار الفرنسي، آخرها كان ممثلا للدروز لدى الفرنسيين في بيروت، وعندما قامت الثورة في جبل الدروز التحق فهد بجماعته في السويداء، ونظرا لاضطراب الأحوال فقد لجأت زوجته وأولادها الثلاثة إلى دمشق، وهناك سمعوا بأن سلطة الاحتلال ستأخذ الأطفال رهائن للضغط على والدهم، فهربت الأم بأولادها إلى الإسكندرية عن طريق بيروت، وتدخل سعد زغلول السياسي المصري ليُؤذن لهم بدخول مصر، لأنه لا يوجد لديهم إثباتات هوية. عاشت العائلة على ما تملكه من مجوهرات، ولما نفد مالها استثمرت الأم جمال صوتها بالغناء في بعض ملاهي القاهرة، واجتذب هذا بعض أساطين الطرب لزيارتها والتعرف بأبنائها الذين كان جمال صوتهم لافتا، وهكذا احترفت أسمهان الغناء حين كانت في الرابعة عشر من عمرها، وسجلت نجاحات كبيرة، وقامت بالتمثيل في فيلم غنائي، ثم تزوجت من ابن عمها حسن الأطرش الذي أصبح حاكما لجبل الدروز من قِبل الفرنسيين، ولكن الزواج لم يتناسب مع طموحاتها الفنية، ثم وقع الطلاق وعادت للقاهرة. تألُقها الفني أدى إلى التقائها بأحمد حسنين رئيس الديوان الملكي، المعروف ب مغامراته العاطفية، وزواجه السري بأم الملك فاروق، تبادلت أسمهان الإعجاب مع أحمد حسنين، وكان هذا خطرا عليها، إذ عندما علم أحمد حسنين بإعجاب الملك فاروق بصوت أسمهان، رتب أن تُلغى إقامتها وعائلتها في مصر وصدر أمر بمغادرتهم مصر خلال أسبوع. تزوجت أسمهان مخرج أفلامها، وكانت هذه حيلتها لإلغاء أمر الإبعاد عن مصر، دام الزواج أقل من شهرين بسبب إفراط الزوج في السُكْر. وخلال فترة التوهان التي تلت الطلاق تدخلت المخابرات البريطانية، كانت الحرب العالمية الثانية مستعرة، وقوات الحلفاء تتكبد خسائر كبيرة من حكومة فرنسا في سوريا، وكانت هذه موالية للجنرال فيشي ومتحالفة مع هتلر. اتفقت المخابرات مع أسمهان على أن تقوم بمهمة سرية تقنع فيها قومها الدروز بالتعاون مع بريطانيا، ومنحتها أربعين ألف جنيه لتوزيعها على الدروز، أصر زوجها السابق على عدم التعاون إلا إن تم الزواج مرة أخرى، وقد حصل، عاشت أسمهان حياة الترف والبذخ في دمشق وبيروت والقدس بفضل هذه المهمة، ولكن زوجها طلقها عندما كانا في زيارة لعائلتها في القاهرة، فلم يعد يصبر على حضورها الفني، وهكذا سقطت عنها الحصانة الدبلوماسية فتم ترحيلها إلى القدس، وهناك تعرفت على زوجها الرابع، وهو طيار مصري، عادت بواسطته لتستأنف مسيرتها الفنية، سرعان ما ضاق الزوج الجديد بتصرفات زوجته، وكاد يطلق عليها النار وتم الانفصال، استطاعت في هذه الفترة أن تحقق الكثير من طموحاتها الفنية. ثم أرادت أن تستريح في مصيف رأس البر برفقة إحدى صديقاتها، سقطت السيارة في ترعة على النيل بسبب حفرة على الطريق، غرقت أسمهان وصديقتها بينما قفز السائق فنجا، ووجهت إليه تهمة الإهمال والسرعة وصدر عليه حكم بالسجن مدة شهرين. ودارت التهم حول المستفيد من الحادث والمتسبب الحقيقي فيه، ذكر البعض أن المتهمين يشملون: القصر والملكة نازلي وفؤاد الأطرش أخاها والمخابرات البريطانية، واتهم البعض أم كلثوم. ليس هناك أمر مؤكد ولكن السياسة وضعتها في دائرة الخطر. وفي فصل رابع تحدث عن سرقات محمد عبد الوهاب من الموسيقي الغربية. ففي عام ١٩٧٩م أصدرت منظمة اليونسكو لائحة تضمنت ثلاث عشرة سرقة موسيقية للمطرب، ولم يكن الأمر مجهولا عند النقاد العرب، يدافع الرجل عن نفسه فيذكر الحاجة إلى ترجمة الكتب والفنون، وذكر ما أشير إلي أن بعض الأدباء كتوفيق الحكيم قد قيل مثل ذلك في أدبهم، وقال إن اللحن الذي يقتبسه لا يُنقل كما هو لأن ذلك لن يجعل له تأثيرا في وجدان المتلقي أما اقتباس لون اللحن فهو ما لا غبار عليه ، وعلق المؤرخ سليم سحاب بأن مقاييس اليونسكو لو طُبقت علي غير عبدالوهاب فان بيتهوفن وموتسارت وباخ سيكونون من السارقين. أحصى النقاد العرب حوالي عشرين لحنا أو أكثر ضمت اقتباسات مطولة من الموسيقي الغربية، ويعتقد جلال أمين أن عبد الوهاب قد جاوز الحد المقبول في الـ مسموح بالاقتباس في سنواته الأخيرة، وعندما تقرأ أسماء المقطوعات التي أخذ منها فإنك لا شك تشعر بعميق معرفته بالموسيقى الغربية وحضورها المؤثر في ألحانه، ويعزو المؤلف ذلك إلى سبب رئيس، وهو الأعلام الذين تأثر بهم ، وأولهم أمير الشعراء أحمد شوقي، فقد منحه شوقي بطاقة الدخول لمجتمع الطبقة الراقية في عصره، وهي طبقة أوروبية الهوى فيها ترفعٌ عن الموسيقى العربية، وكان عليه أن يتفاعل مع ذائقتها الفنية، أما الفنان سيد درويش وقد عاش عبدالوهاب معه سنوات ست حين انتقل درويش إلى القاهرة، درويش أضاف مجموعة من أدوات الموسيقى الغربية إلى التخت الشرقي، واقتبس مجموعة من مقطوعات الموسيقى الأوبرالية، أما فريد الأطرش فقد كان التحدي الذي كان عبدالوهاب بحاجة إلى التنافس معه ، وفريد بدأ حياته الفنية بالإكثار من الموسيقى الأوروبية التي راقت للمستمعين. المحامون عن عبدالوهاب يقولون إن اقتباساته كانت مبدعة ويستدلون بتأثر موسيقى الرحابنة بموسيقى عبدالوهاب الغربية، خاصة وأن ذائقة المستمع العربي لم تعد تكتفي بالموسيقي الشرقية، إن ما يصنعه إنما هو عمل جواهرجي يلتقط اللآلئ الثمينة ثم ينظمها في عقود فيرتقي بإبهارها، أما عبد الوهاب فكان يعتقد أن كثيرا من الموسيقى الغربية كانت مستقاة من الموسيقي العربية، وأن بضاعتنا قد رُدت إلينا. كأنما نرى في تلك الحكايات مصداق بيت شعر المتنبي: صحب الناس قبلنا ذا الزمانا وعناهم من أمره ما عنانا