مبدعون بلا وسيط

بعيداً عما قد يشعر به الإنسان أحياناً من بعض الإسفاف فيما يطرح عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أبرزت لنا هذه الوسائل جماليةً على مستوياتٍ كثيرة، كالشعر، والأدب، والفن، والموسيقى، والإبداع الإنساني عموماً. وظلت البشرية عبر تاريخها تتأرجح بين الإبداع والجمود، فلم يكن الإبداع حاضراً دائماً، ولا الجمود. إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي كسرت احتكار البوابات التقليدية على النشر، أو ما يسمى إعلاميًا “حارس البوابة” فأصبح المبدع يصل إلى جمهوره مباشرة. ففي حين كان المبدع يرتهن لمجلات أو صحف للنشر، وتخضع أعماله لمحررين قد تتحكم فيهم الأهواء أو الشخصنة، منحت وسائل التواصل للجميع القدرة على النشر، ليصبح الفرد هو رقيب نفسه. وهذا لا يعني أن نستغني عن حارس البوابة الواعي والمهني أو نستهين بدوره، بل يعني أن الساحة اتسعت، والمسؤولية تضاعفت. وهكذا، أبرزت لنا تلك المنصات الرقمية جماليةً متنوعةً في مختلف الفنون، وبات بالإمكان مطالعة محتوى أدبي وثقافي في ثوانٍ. ورغم ما يؤخذ عليها من تسطيح أحياناً، إلا أنها فتحت نافذةً للمعرفة لمن لا يقرؤون. أتذكر كيف كانت مجلات الشعر والملاحق الثقافية تحتفي بأسماء بعينها، وكأنها تحولت إلى دوائر مغلقة لها نجومها وأتباعها، والأمثلة أكثر من أن تُحصى. وبالرغم من أنها أسهمت في رفد الحركة الشعرية والأدبية، إلا أنها بطبيعة الحال حجبت الضوء عن أسماء كانت تستحق أن تأخذ مكانها. وهو الدور الذي تمارسه اليوم وسائل التواصل، إذ لم يعد المبدع بحاجة إلا لإبداعه ليصل إلى الناس. وأنا ممن يؤمنون بأن الجمال سيصل حتماً، حتى وإن تأخرت معرفة شريحة معينة به، طالما تم توثيقه ونشره، فمع مرور الوقت ستنجلي السحابة ويتجلى هذا الجمال، تماماً كما نعود اليوم لقصائد وأبيات شعرية كُتبت منذ أكثر من ألف سنة، وهو ما يحاول النقاد والباحثون إظهاره من إبداعات إنسانية عبر مختلف حقول المعرفة. وهذا يدل على أن الجمال الراسخ يحمل في طياته بذور بقائه، حتى وإن لم تره العين في حينها. فلا شيء يوقف نصاً بديعاً عن الذيوع، وخلاصة القول أن الإبداع الحقيقي، كما عبّر عنه أبو القاسم الشابي، ليس سوى نفاثة صدر: شِعْرِي نُفاثَةُ صَدْرِي إنْ جاشَ فيهِ شُعوري حسبي إِذا قلتُ شعراً أَنْ يرتضيهِ ضَميري