ليس هذا كتاب رحلات تقليدي، ولا كتاب في التاريخ وإن كان التاريخ أهم عناصره، ولا مجرد استعراض للآثار الإسلامية إلا باعتبارها رموزا لمراحل ازدهار الشرق، إنه رحلة في فن المكان بين عواصم الإسلام. بهذا يقدم الكاتب المصري مصطفى نبيل لكتابه “ مدن لها تاريخ”، حيث زار خمسا من عواصم الإسلام يبحث عما بقي من آثارهم الخالدة يوم كانوا يتقدمون العالم، يحاول الوصول إلى حل يحافظ فيه على روح هذه المدن المعمارية، كونها تعبيرا عن روحها ومخزونها الحضاري، شفقةً عليها من زحف التغريب، الذي يطمس شخصيتها المميزة، ويشوه جمالها وثقافتها، كل سطر في هذا الكتاب يعبر عن روح متقدة وعقل ثري للكاتب مصطفى نبيل المفكر العروبي الإسلامي. وقد اختار الرحلة في المدن لأن المدن تمثل أهم مقومات النهضة والحيوية، ففيها الدعامات الفكرية التي قامت عليها الحضارة العربية ببعدها الإنساني، وما تمتعت به في مرحلة نهضتها من روح الاستكشاف والاقتحام، تلك التي لا زالت تلهم الوجدان العربي، ويلمح كذلك جرثومة الانهيار في مراحل التعصب والحروب الأهلية والصراعات القبلية. يلتفت الكاتب إلى مكانة المدينة العربية الإسلامية الحضارية، إذ لم يقتصر دور العرب على إعادة الشبكة القديمة من هذه المدن، بل أضافوا إليها وأقاموها على قيم جديدة فمنحوها شخصيةً مميزة. ومن خلال رحلات الكاتب الصحفية، التي لم يحدد وقتها، وإنما يمكن توقع أنها كانت قبل تسعينيات القرن الميلادي الماضي، فقد صدر الكتاب ضمن سلسلة “كتاب الهلال” في أغسطس ١٩٩٩ م، يبحث الكاتب عن رؤية متكاملة لما جرى في الشرق ، وكيف أن هذه المدن الخمس التي كانت عواصم لمجد تاريخي قد تحولت من مركز العالم إلى هوامشه، ومن القوة إلى الضعف، ومن العطاء إلى الاستهلاك. شملت رحلات الكاتب عاصمة الانطلاق الإسلامي من المحلية إلى العالمية كما تمثلت في المدينتين المقدسيين مكة والمدينة، ثم سار في أثر الحاكم الإسلامي إلى دمشق عاصمة الأمويين ثم إلى بغداد عاصمة العباسيين، ثم إلى القاهرة عاصمة الفاطميين والأيوبيين و المماليك، ثم إلى إسطنبول عاصمة العثمانيين، وحيثما حط كان للإسلام جولات حضارية وصولات، حتى انتهينا اليوم إلى عواصم كثيرة تتوارى في ثنايا العالم، وتحاول الانطلاق مرة أخري للعالمية، بعد أن فقدت الأمة الإسلامية وحدتها، واضطربت بوصلتها. مكة والمدينة: هذه البقعة من الأرض هى معقل العروبة وخطها الأخير “بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ”. حديث شريف، وهي التي ترحل إليها كل يوم قلوب المسلمين، أم المؤمنين عائشة عبرت عن حبها الجارف وحب كل مسلم “لولا الهجرة لسكنت مكة فإنه لم أر السماء أقرب إلى الأرض مثل مكة، ولم يطمئن قلبي ببلد قط مثلما اطمأن بمكة، ولم أر القمر بمكان أحسن منه بمكة” ، يا للجمال!! زار الكاتب مصنع كسوة الكعبة، قبله كانت الكسوة تُحمل سنويا مع موكب الحج المصري، يطوف الموكب بمدن الساحل المصري بعد القاهرة حتى يصل إلى ميناء يواجه جدة ومنها إلى مكة، كان وصول “المحمل” حدثا مهما لأهالي مكة الذين يخرجون لاستقباله مرحبين فرحين. تتألف الكسوة من نسيج حريري مشجر ذي لون أسود، حيكت فيه الشهادة، وعلى ارتفاع الكسوة يدور حزام مطرز بالذهب المغطى بآيات من القرآن الكريم. أول حاكم مصري يسعى إلى كسوة الكعبة كان الظاهر بيبرس. ثوب الكعبة اليوم يصنع من الحرير الصافي، وتنقش عليه الشهادتان، ثم “الله جل جلاله، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم”، أما الحزام وستارة باب الكعبة فقد كتب عليها آيات قرآنية مغطاة بسلك فضي، مطلي بالذهب، ويستهلك الحزام والستارة ١٢٠ كيلو من هذه الأسلاك. تقليد تغيير الكسوة سنويا لا زال قائما منذ زمن طويل، وهو كرم من الحكومات الإسلامية انفردت به السعودية منذ أيام الملك المؤسس، وربما اليوم بعد وصول الكسوة إلى إبداع لا مزيد عليه، يمكن إعادة استعماله بعد أن تتم صيانته سنويا. مبنى الكعبة مكعب طوله ٤٠ وعرضه ٣٥ ، وارتفاعه ٥٠ قدما، يتكون من حجر رمادي اللون، جُلب من الجبال المحيطة بالكعبة، و تقوم الكعبة فوق قاعدة من المرمر يبلغ ارتفاعها عشر بوصات، أما أول مئذنة أقيمت في المسجد الحرام فكانت في عصر الخليفة العباسي المنصور، وقد دُمرت الكعبة بحجارة المنجنيق العشرة التي أطلقها الجيش الأموي على جيش عبدالله بن الزبير عندما احتمى عبدالله وجيشه بالمسجد الحرام، وأعيد بناء الكعبة عام ٦٥ ه ، وفي عام ١٦٣٠ م تصدع بناء الكعبة بسبب السيول الغزيرة، فحُمل إليها من مصر ما يلزم لإعادة بنائها، وقدم مهندسون من مصر لإعادة بنائها بشكل هندسي يتم من خلاله تصريف السيول دونما تأثير على الكعبة. تتعرض مكة بين حين وآخر لسيولٍ هائلة رغم أن حرارتها في أجواء الصيف ترتفع حتى لتتحول صخورها إلى أفران تصلح لشواء اللحوم. تتميز عمارة مكة القديمة بطراز عربي اسلامي هو مزيج من العناصر المحلية والتأثيرات التي نقلها الحجاج من مناطق العالم الإسلامي مع تأثر ظاهر بالطرازين المملوكي والعثماني. ويقوم مركز أبحاث الحج بإرساء معايير للعمارة المحلية لمكة، تتضمن المقاييس الدقيقة للطراز العربي، والمحافظة على الآثار الإسلامية وعلى الأماكن ذات القيمة المعمارية. ومكة مدينة عالمية حتى في سكانها، فإن قدوم الناس للحج وتلقي العلم في الحرم والتجارة والمجاوَرة في الحرم أدى إلى تشكيل نمط سكاني يضم العنصر المحلي، مع اليمنيين وأهل الملايو الذين يُعرفون باسم الجاوة، وتضم مصريين وسوريين ومغاربة وأتراك، وكذلك سكان من أصول إيرانية وأفغانية وتتارية وكردية وبخارية. واكتسب هذا المزيج السكاني إعجاب زوار مكة، يقول ابن بطوطة: “لأهل مكة الأفعال الجميلة والمكارم التامة، ومن مكارمهم أنهم إن صنع أحدهم وليمة يبدأ بإطعام الفقراء المنقطعين المجاورين. وهم أهل ظرف ونظافة، وأكثر لباسهم البياض، يستعملون الطيب كثيرا، ونساء مكة فائقات الحسن، بارعات الجمال، ذوات صلاح وعفاف، وهن يكثرن من التطيب، حتى أن إحداهن لتبيت طاوية وتشتري بقوتها طيبا، ويقصدن الطواف بالبيت في كل ليلة جمعة، فيأتين في أحسن زي، فتغلب على الحرم رائحة الطيب، ثم تذهب المرأة منهن فيبقى طيبها عبِقا”. تصور الكاتب أنه سيجد عند كل موقف من مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم التاريخية أثرا يدل عليه ويشهد له ولكنه لم يوفق للاهتداء لعدد كبير من هذه الآثار، وهذا غريب فلم يستطع أحد أن ينافس المسلمين الأوائل بحفظ أدق التفاصيل عن كل حادث في حياة رسول الله، فقد قام علماؤنا بتسجيل أسماء وأدوار نحو اثني عشر ألفا من الصحابة، حتى لتكاد تعرف كل سكان مكة عند فجر الدعوة الإسلامية، وذلك في وقت فجر نظام التأليف، وبطريقة دقيقة لا يصل إلى مستواها حياة أي إنسان آخر من قبل، نُقلت الأحداث المتعلقة بالأعوام الثلاثة الأخيرة فقط من حياة المسيح عليه السلام التي استمرت ثلاثة وثلاثين عاما. لو عاد الكاتب إلى مكة هذه الأيام لوجد الكثير من العمل الذي يعيد إظهار هذه الآثار ويحتفى بها ضمن الرؤية لعام ٢٠٣٠م. المكانة الرفيعة لمكة أغرت كثيرين بمحاولة الوصول إليها بشتى الحيل، بعض الرحالة منهم المنصفين مثل كريستيان نيبور، وأوركهارت وبيرتون ومنهم الأفاقين الذين كتبوا عن غرائب حقيقية أو موهومة مثل الإيطالي فريدريكو فارسيما . أيام الحروب الصليبية حاول الصليبي رينو دي شاتيون بعد أن استولى على قلاع شرق الأردن الاستيلاء على عقر دار الإسلام، فتوغل في جزيرة العرب حتى وصل إلى تيماء، وكان يأمل في الاستيلاء على المدينة ونبش قبر رسول الله، فأعد خمس سفن حربية تحمل كل منها ألف جندي، وصل إلى ساحل جدة، وهاجم رابغ وينبع وباب المندب، وأخيرا تصدى له صلاح الدين الأيوبي فهزمه، ومن المعروف أن البرتغاليين قد وصلوا إلى جدة لنفس المحاولة ولكن المماليك ثم العثمانيين أجبروهم على التقهقر. ينتقل الكاتب من المدينتين المقدستين، مدينتي الخلافة الراشدية حيث النموذج الإسلامي للحكم إلى دمشق الخلافة الأموية، وهنا يستوقفك جمال تصويره للبيت الدمشقي ولجبل قاسيون وللمسجد الأموي، الذي تقودك إليه كل دروب دمشق القديمة، في البُقعة التي يقوم عليها المسجد توجد آثار ثلاثة عصور، من معبد جوبيتر الوثني إلى ضريح يوحنا المعمدان (يحيى عليه السلام)، والمسجد الأموي، ومن حيث المكانة التاريخية فإنه المسجد الرابع بعد الحرمين والأقصى، وأهم ما يميز الجامع تلك اللوحات التي رسمها الفنان المسلم فوق جدرانه وعلى أعمدته، وهي لوحات من الفسيفساء تمثل كل القرى والمدن التي تحف بها الأشجار والرياض والأنهار، والتي كانت تغطى سائر جدران الجامع وأقواسه، فنٌ ولد تحت أنظار الدمشقيين، واستمد إيحاءاته من عالم النباتات والكائنات الحية الأخرى، وعالم الأشكال الهندسية، وعالم الحرف الذي كتب به القرآن الكريم. تعددت التفسيرات حول لوحات المسجد الأموي، فبعضها يقول إنها مشاهد من مدينة دمشق على مر العصور، والبعض يقول إنها مشاهد نعيم الجنة كما وردت في القرآن الكريم، فقد صور الفنان العربي القصور التي تجرى من تحتها الأنهار. وتظهر هذه الرسوم مذهبةً ومرصعةً بالأحجار الكريمة، وقد ترك لنا العالم الجغرافي” المقدسي “ وصفا لتلك اللوحات التي لم تقو على مغالبة الزمن، فقد جاء أحد الحكام فسترها بطلاء من طين، وبقيت محجوبة إلى أن كُشف عنها عام ١٩٢٨، وقد دمرت عندما تغلبت النظرة المتخلفة للفن، تلك التي صاحبت عصور الانحطاط والتدهور في التاريخ العربي. وهكذا تمضي بنا الرحلة حتى تنتهي في اسطنبول، نجد أن كمال أتاتورك قد حرر أرض تركيا الحالية من جيوش الاستعمار وانتصر على الجيوش اليونانية التي دخلت آسيا الصغرى، ولكنه سلم بحق الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى في أن تتصرف في الأقاليم غير التركية من أراضي الدولة العثمانية ، فقدم نموذجا لما صار يُسمى بالواقعية السياسية، أصبح لزاما على تركيا الجديدة أن تتخلى عن ارتباطها بالخلافة، وتحولت تركيا إلى قلعة متقدمة للغرب في مواجهة الاتحاد السوفيتي. يقدم مصير الدولة العثمانية درسا بليغا، كيف يمكن أن تتغير الأفكار والمبادئ والعقائد بتغير موازين القوى، وتؤكد أن من يريد المحافظة على عقائده لا بد أن يحافظ على قوته. وللمدن حديث طويل مستحق، لا تسعه هذه المساحة، ولا شك أن القراء في أنحاء العالم الإسلامي يعتبرون المدن التي ذكرناها مدنهم أنى كانوا، فهي لا تختص بالقطر الذي تقع فيه ولا بالقطر الذي يعيشون فيه.