عزّت خطّاب.. أستاذ جيل ورائد مؤسس وباحث مؤصّل وأديب مبدع.
تستغرقنا الاهتمامات النقدية في الكتابة عن الطلائع الشابّة و الأعمال الناجزة للمعاصرين من الأدباء ، وربما استبدّ بنا الشعور بالواجب نحوهم ؛ خصوصاً ونحن من جيل شهد تحوّلات جذرية في الحركة الثقافية العربيّة منذ بدايات النصف الثاني من القرن الماضي التي بدأت تباشيرها تظهر منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى ، في أوائل العشرينيّات منه ، وربما همّشنا مقولة (المعاصرة حجاب) ظنّا منّا - وبعض الظن إثم فيما يتعلق بما قصده النص القرآني الكريم – ولكنه فيما يختص بالمتابعات النقدية ذو شأن آخر مختلف ؛ ومن واجبنا وقد تتلمذنا على أساتذة كبار من الجيل الرائد المؤسس و المؤصّل وزاملنا من هم أحدث سنّا منهم - أن نلتفت إلى ريادات شامخة و إنجازات باذخة من باب الوفاء أولاً، ومن قبيل التكريم ثانياً، و الاعتراف بالجميل ثالثاً - أن نفي بحق ذلك الجيل الرائد فنذكّر بإنجازاتهم ومآثرهم ، ومنهم رائد في مجال أدبيٍّ حيويٍّ وهو الدكتور عزت عبد المجيد خطاب في ومضة وفاء مستحقّة لواحد من أهم رواد النقد والأدب المقارن في المملكة العربية السعودية ، بوصفه أول أكاديميٍّ سعوديٍّ يتخصّص في قسم اللغة الإنجليزية، فقد مثّل همزة الوصل المتينة بين الثقافة العربية والمنجز النقدي الغربي، وهو مجال يتجاوز البعد الأكاديمي المحض إلى الفضاء الحضاري الإنساني الرحب. ليس من باب التعريف ؛ فالمعروف لا يعرّف ؛ ولكن من باب التذكير فمعروف أن نجم الدكتورعزّت خطاب لمع منذ أن تخرّج حاملا شهادة الدكتوراه ، والتحق بجامعة الملك سعود عضواً في هيئتها التدريسية ، وقد بدأت هذه الرحلة منذ أن شرع فيها طالباً للعلم في المدينة المنوّرة في أجوائها الروحانيّة التي عبقت بعطر النبوة، ثم انطلق منها إلى رحاب قدسيّة أخرى في كنف البيت الحرام في مكة المكرمة ، في (مدرسة تحضير البعثات) ومن ثمّ إلى صرحٍ جامعيٍّ كبير مقصد البعثات العلمية و موئل المعرفة المبتغاة في جامعة القاهرة فحاز على درجة الليسانس (البكالوريوس) في مرحلة توهّجت فيها أنوار الثقافة في حراك دؤوب في عقد التحوّلات و المنعطفات الخمسينيات الميلادية ، ومنها إلى أرض الله الواسعة حيث المُغتَرب فيما وراء البحار بما يضطرب فيه من حراك ودأَب ، وما يواجهه الشاب الشرقي المغترِب من مفاجآت لم تكن بالحسبان ، حيث التحوّل الشامل عمّا هو مألوف إلى عالم مكتظ بالمغريات و الغرائب ؛ ولكن الدكتور عزت بما جُبل عليه من تربية في كنف النبوة في مدينته المنورة وما اكتسبه من خبرة وما أحيط به من حصانة الخُلق و العقيدة عكف على ما قصد إليه من اكتساب للمعرفة وانكباب على الدرس كان اتّصف بالاعتدال في الرؤيا والتوسّط في النهج ؛ وهذه المناقب الرفيعة أهّلته للنهوض بمهام الدور القيادي الريادي الذي انتُدب له ، فلم يكون تِرساً في عجلة التعليم الجامعي ، أو مجرد محاضر يطّلع بمهام التعليم فحسب ؛ بل تسنَّم ذروة قياديّة رفيعة تمثلت في رئاسته لقسم اللغة الإنجليزية في الجامعة ، وتسلّم مهام القيادة في مركز البحوث بكلية الآداب، وترأّس تحرير مجلتها العلمية ، وامتد نشاطه ليغطّى فضاءً ثقافيّا اجتماعياً في في النادي الأدبي بالرياض لعقدين من الزمان ، وحين أتحدّث عن هذا الصرح الثقافي أذكر شرف المثول في حِراكِه النّشِط أكثر من مرة معتزّا بذلك ، محاضراً عن نظرية القصة و مشاركاً في مؤتمر نقدي، يُذكَر للدكتور عزت خطاب دوره الكبير في مدّ جذور التواصل بين الجامعة - بما تنطوي عليه من رصانة و وقارٍ علمي - والمجتمع الثقافي الرّحب في اختراقٍ رائدٍ لجدار العزلة الذي أحيطت به الجامعة مهابةً و وقاراً وتعدديّة الرؤى و الأفكار و رحابة الإبداع ومرونة التلقّي في الثقافة الحرّة في فضائها الواسع . في كتابيه “حوارات النص: دراسات في الأدب المقارن” و”قلق المقارنة”. لم يكن الدكتور عزت خطاب عالةً على للنظريّات الغربية، بل كان دارساً ثبْتاّ و محلّلاً عميقاً للخطابات و النصوص ، و مقيّما عدْلاً لما جاء فيها من آراء و ما انطوت عليه من رؤى و نظريات ، لايسلم لها قياده و لم يكُ منساقاً وراءها دون بصر أو بصيرة ، لا يدلي فيها برأيٍ إلّا بما صحّ لديه بعذ طول نظرٍ و إمعانٍ وبحثٍ مستقصٍ ، يستنطق و يتساءل و يحاور ، ويقلب الأمر على وجوهه المتعدّدة و مناحيه المختلفة . أما فيما يتعلق بالترجمه - وهو ميدان رحب ضرب فيه بسهم وافر - فقد نظر إليها بعيني صقرٍ وبصيرة فيلسوفٍ فرآها ارتياداً لمنتجعات ثقافية جديدة ومصدر إثراءٍ لمعرفة مذخورة ، وليس مجرد تحويل براغماتيّ من لغة إلى أخرى ، فلم تغوِه التراكيب و تستهلك جهده المصطلحات ؛ وأبرز مثالٍ على ذلك ترجمته العميقة لكتاب لويز روزنبلات “الأدب عملية استكشاف”، الذي استنبت في حقله رؤية نافذة ومساراً ثبتا نحو تطويع مناهج النقد الغربية الحديثة ليفيد منها النقاد العرب في مقاربة نصوصهم دون شطحات التغريب و تلفيقات التقليد ؛ثم كان إبداعه الشعري “الحجر وقصائد أخرى” (الذي كُتب باللغة الإنجليزية) مُعبراً فيه عن عميق مشاعره في مُغتربه بلغةٍ غير لغة قومه بكفاءة واقتدارمُفصحاً عما يدور في خلده وما يحدو هواجسه مكرّساً تفوّقه في النفاذ إلى ذخائر الإبداع وأسراراللغة الإنجليزيّة في ذروة تألّقها لدى أعلامها الكبار من الشعراء . ولم يكن ناقلاً ولا مقلداً؛ بل صاحب رأي يذود عنه شارحاً و مُحلّلا ً ومُتأمّلاً ، له مواقفه النقدية ومناهجه في الأداء ومهاراته في قر اءة النصوص، كما يتضح ذلك في كتابيه : “قراءة ثانية” و”على ضفاف النصوص”بالإضافة إلى حواراته الصحفيّة والأدبية ، لم تستهوه سفسطة الجدل حول الحداثة إبان احتدامها ، ولا اعتصام المقلدين في قلاعهم الحصينة متمترسين في خنادق الدفاع عن التراث ، فلم يكن منجرفاً في مع تيار التيارات المندفعة بحماس محتدم لهذا الطرف أو ذاك، أو ممسكاً من العصا في منتصفها ؛ بل هادئاً يبسط القول فيما يراه حقّاً دون التفات إلى ما يحدثه من صدى ؛ بلينطق بما تمليه عليه اقتناعاته بعد البحث و التحرّي. في كتابه (حوارات النص) - الذي سبق أن قدمت قراءة موجزة له (في اليمامة الغرّاء) - عمل على تفكيك عقدة طالما أقضّت مضجع المختصّين في الأدب المقارن ، واحتلت مساحة كبيرة فيما دار حوله ؛ فقد اشتغل على تفنيد مقولات ما عرف ب(المدرسة الفرنسية التقليدية في النقد المقارنة التي تتكيء على مقولة (التأثر و التأثير) الذي يحكم المباحث النقدية المقارنة والتماس الأدلة والبراهين بهذا الشأن و تبحث عن الأدلة المادية وتاريخ اللقاءات، إذ يقول : «إن النقد المقارن المعاصر لم يعد معنياً بحراسة الحدود بين الآداب، أو البحث التعسفي عن صكوك التأثير والتأثر التي كرّستها النزعة التاريخية؛ بل أصبح معنياً باكتشاف القرابات الروحية والفنية، وفتح آفاق التناص بين النصوص، حتى وإن تباعدت أزمنتها وأمكنتها، ولم يثبت بين مبدعيها أي لقاء تاريخي أو صلة مباشرة.» كما جاء في كتابه (“حوارات النص”، مقدمة الكتاب والتوطئة النظرية) وقد عمل على تأكيد رؤيته التي مفادها أن النصوص العظيمة تتحدّث لغة إنسانية واحدة رغماً عن اختلاف الألسن ؛ إذ يقول :”إن النصوص الأدبية لا تنغلق على ذاتها في جزر معزولة، بل تظل مشرعة على نصوص أخرى في حوار دائم لا ينقطع، هذا الحوار النصّي ينبع في جوهره من وحدة التجربة الإنسانية العميقة؛ فالإنسان، في كلّ ثقافة يواجه ذات القضايا الوجوديّة الكبرى من قلق وموت واغتراب، وبحث عن المعنى، وهذا ما يجعل النصوص تتحاور تلقائياً استجابةً لهذا الهم المشترك.» فالدرس المقارن حوار متصل له طابعه الفكري وليس مجرد تقليد أكاديمي صارم كما ورد في المبحث الخاص بتقاطع النصوص و الهم الإنساني في كتابه المذكور (حوارات النص)). ولا يستسلم في كتابه حوارات النص للأُطر النظرية و المقولات الفلسفية ، وإنما عكف على القراءات النقديّة النصيّة المعمّقة في نماذج تتعامل مع النصوص العربية والأجنبية بوصفها إبداعاتٍ أصيلة لها جذورها الراسخة في الآداب الإنسانية بعيداً عن عن الهيمنة وادعاءات التقليد في حوارٍ متكافيء ؛ فلكلِّ نصٍّ قواعده وجمالياته وخصوصيته الرؤيوية دون اعتبار للمركزيّة الغربية وادّعاءات صاحب مقولات فوكوياما ففي كتابه (نهاية التاريخ) الذي يزعم فيه أن الحضارة الغربية نهاية المطاف في التحضّر الإنسانيّ فهو يقول «حين نضع نصاً أدبياًّ عربياً في مواجهة نص غربي على طاولة الدرس المقارن، فإننا لا نفعل ذلك لنقيس مدى محاكاة الأول للثاني أو تبعيته له، بل لنخلق فضاءً حوارياً نِدياً وفعالاً في هذا الفضاء، يضيء كل نصٍ مساحاتٍ قد تكون معتمة في النص الآخر، وتتجلّى فيه عبقرية كل لغة وخصوصيتها الثقافية في تشكيل الاستجابة الجمالية.» كما جاء في (“حوارات النص”، مداخل القراءات التطبيقية) ولطالما عانى المشتغلون من عقدة المركز و الهامش ؛ بمعنى أنهم كانوا ينظرون أن كل ما يُنتَج في العالم الثالث يأتي تقليداً لها ويقع على هامشها فكان للدكتور خطاب رؤية من شأنها تبديد هذا الوهم وإشعال فتيل القلق في أذهان المشتغلين في هذا الميدان ، وتحريضهم على مطاردة هذا الاعتقاد الخاطيء وتأكيد الندّية والتمايز في التعبير عن الوجدان الإنساني في آداب الشعوب . وهو يؤكد بذلك ضرورة تجاوز الشائع و المألوف في المقارنات الشكلية و السطحية بين الآداب وضرورة التعمق في فهم السياقات المختلفة، وما تنطوب عليه من أنساق متباينة ، وهذا ما يؤجّج القلق و يدفع إلى الحفرعميقاً في نخاع القضايا التي يثيرها النقد المقارن والتقاط الخصوصيّات المبهرة في الرؤى و الجماليّات وهذا ما جعل من (حوارات النص) و(قلق المقارنة) مسألتين متكاملتين ، وما أكد الموقف النقدي للدكتور عزت خطاب في هذا الصدد ، متجاوزاً للمدرسة الفرنسية التي تركز على التوثيق و التواصل و التماثل ؛ إذ يتعالق مع المدرسة الأمريكية حيث تتقاطع النماذج النصية في دوائرها الثلاث المتن النصي والموضوعي و الجمالي ؛ فضلاً عمّا أشرت إليه من قبل فيما يتعلق بالندّية و التكافؤ ، وهذا ما كان له أثره البيّن في تصحيح المسار الأكاديمي ومساقاته، وصقل الذائقة النقديّة وتحديثها وتأكيد خصوصية الهويّة القومية ، ووضوح المتطلبات المعرفية و أسئلتها. و يتقاطع هذا الفهم لأسس الأدب المقارن ونقده لدى الدكتور خطاب مع نظرته للترجمة توأم المقارنة ؛ فقد صحّح المفاهيم الدراجة التي تعد المترجم مجرّد ناقل و وسيط إلى انفتاح على المعرفة في آفاقها الفسيحة ، في إطار توجّه ثقافيٍّ منفتح يتجاوز المناقلة إلى المفاعلة، و الاستكشاف لثلاثيّة : الاستزادة المعرفية و الصقل الذوقي و المنهجية البحثية والاستقبال التفاعلي للنص الأجنبي ،مع ثقافة اللغة و ما تنطوي عليه من خصائص فكريّة و وجدانيّة ؛ فالترجمة إبداعٌ موازٍ وتفاعلٌ منتج بين الذائقة الجماليّة للغتَين ومدخراتهما الدلالية ، كما جاء في (مقدمة المترجم والإطار الفلسفي لكتاب “الأدب عملية استكشاف”) إصدارات جامعة الملك سعود، 1998).وكما ورد في (المداخل التطبيقية والتوطئة النظرية، كتاب “حوارات النص: دراسات في الأدب المقارن”، دار المفردات). و في كتابه التأسيسي “حوارات النص: دراسات في الأدب المقارن”، يرفض الدكتور خطاب النظرة الدونيّة لأيّ نصٍّ في مقابل نصٍّ آخر، ويحارب فكرة التبعية المطلقة ويؤكّد في طيات دراساته التطبيقية أن النصوص عندما تنتقل عبر حواجز اللغة، فإنها تدخل في “فضاء حواري نِدّي”. ويتجلى إيمان خطاب بالترجمة والانتقال اللغوي كفعل إبداعي موازٍ في محاربته لـ “المركزية الثقافية” (كما أوضح في طروحاته حول “قلق المقارنة”). ولعل التطبيق العملي الأبرز لهذه الرؤية يكمن في إبداعه الشخصي؛ حيث أصدر ديوانه الشعري باللغة الإنجليزية (“الحجر وقصائد أخرى”). إن هذه الطروحات الموثّقة في مسيرته تؤكد أن عزت خطاب لم يرَ في الترجمة وظيفة آلية لنقل الحمولة اللفظية، بل رآها فعلاً نقدياً وإبداعياً يعيد تشكيل العالم من خلال لغة جديدة، مانحاً النص الأصلي حياة موازية تليق باستضافته في بيئة ثقافية مغايرة. أما الميدان الثالث الذي أبدع فيه عزت خطاب وهو البحث العلمي فيتّصل اتصالاً و ثيقاً بالمحورين السابقين (المقارنة و الترجمة) فالترجمة في جوهرها صياغة جديدة وتشكيل مماثل لجماليات النصوص في تحوّلها من لغة إلى أخرى تكتسب خصائصها بمثابة القيمة المضافة للأصل، وليس مجرد نقل حرفي من وضع لغوي إلى آخر يقتصر على المعاني الدقيقة ؛ فهو لا ينقل دلالة فحسب بل يعيد تشكيل التجربة الفنية بما توحي به من حالة وجدانية وفكرية ، وتمنحها خصوصية جديدة مُثرية مستثمرة فيها المخزون الثقافي و المعرفي و العاطفي للّغتين في تفاعلهما الحميم كما يُفهم من سياقاته التي جاءت في كتبه حول هذا الموضوع ؛إذ رأى أن المترجم لا ينقل معنىً فحسب، بل ينقل “حالة انفعالية وجمالية” فالترجمة عنده صقل مستمر للذائقة، لأنها تضع المترجم في مواجهة حادّة مع طاقات لغته الأم ومخزونها البلاغي لإنتاج نصٍّ يوازي جماليات النص الأصلي ولا يقلده تقليداً أعمى. وفي مجال البحث العلمي في ارتباطه الوثيق بالترجمة على نحو من الأنحاءعمد الدكتور خطاب إلى تأكيد المنهجيّة العلميّة و تأصيلها في صرامة بعيدة عن دوجمائية الفكر (صرامة المصطلح ودقة النقل) إذ يدرك أن فوضى الترجمة تؤدّي حتماً إلى الفوضى في البحث العلمي، ولذلك اتخذ من الترجمة أداة لضبط المنهجية الأكاديمية. والترجمة كما يراها تمرين شاقٌّ على الدقة و الالتزام في البحث العلمي ، حيث تأخذ بعين الاعتبار مختلف السياقات و تقاطعها وتآزرها فيما يتعلق بالمصطلح ؛ فاختيار النصوص للترجمة يتطلب وعياً منهجيّاً كما هو واضح في اختياره لترجمة كتاب “الأدب عملية استكشاف” (Literature as Exploration) للويز روزنبلات؛فقد اختاره بوعي الباحث عن مردود هذه الترجمة ، وما تفضي إليه من نتائج تنعكس على وعي الباحثين بالمناهج العلمية الحديثة . وفي مجال البينيّات (العلوم البينيّة ) تتمثل فلسفته في التراسل بين المجالات المعرفية ومن مهام الترجمة و المترجمين أن ينهضوا بهذا العبء ، ففي هذه الدائرة تتواصل هذه الحقول في النصوص الأدبية ومناهج قراءتها حيث تتقاطع العلوم الإنسانية فتتعالق المعارف وتتكامل، وذلك في إطار تكريسه للرؤية البحثية العلمية التي تتأسّس على مناهج واضحة المعالم متراتبة الإجراءات من خلال تدجين هذه المناهج الغربية وإعادة إنتاجها ، بما يتوافق مع خصوصيتنا موضوعيّا وبراجماتياً و نهضويّاً وفي مجال الثقافة في أفقها الواسع منبريّاً و وصحفيّاً ومؤسئساتيّاً كان للدكتور عزت خطاب بصماته الوضحة عبر نادي الرياض الأدبي ، فقد نهض بدور كبير في سد الفجوة بين المؤسسة الأكاديمية و النشاط الثقافي العام خارج أسوار الجامعة فضخّ دماء الحياة في الشرايين الواصلة بين هذين الفضاءين عبر دوره الإداري في النادي ، وذلك من خلال تنظيمه لأوجه النشاط المختلفة فيه منبرياً وإعلامياً وعبر الندوات و المؤتمرات ، حيث عمل على تجسير الفجوة: بينهما واستطاع من خلال موقعه في إدارة النادي أن يمد جسوراً متينة بين الصرامة الأكاديمية وحيوية النشاط المنبري. ليس هذا فحسب ؛ بل كان مُنشِئاً و مبدِعاً وباحثاً فشارك في تحرير المقالات التي نشرها في الصحف الأدبية و الملاحق الثقافية والحوارات حول القضايا الحيويّة التي استطاع أن يحوّلها من مجرد محاور للبحث الأكاديمي إلى ساحات النشاط الثقافي العام المقالة الثقافية من خلال مشاركاته في الملاحق الثقافية والصحف،إذ نقل النقاشات حول الحداثة، والأدب المقارن، وحوار الثقافات، من قاعات الدراسات العليا إلى طاولة القارئ المثقف العادي. وبالإضافة إلى ذلك كان له دوره التعليمي و التربوي و التثقيفي في رعاية ناشئة الأدباء و المبدعين وقراءة إنتاجاتهم و توجيههم ومتابعتهم حتى يبلغوا أشدهم ؛ فكان معلماً ومربياً أخذ بأيدي جيل من المثقفين ليلج بهم إلى آفاق التراث الأدبي الإنساني وتشجيعهم على الانفتاح على الثقافات العالمية في وسطيّة واعتدال . ليس هذا فحسب ؛ كان تواصل الدكتور خطاب مع المؤسسات العلمية و الثقافية العالمية دور في حضور الإبداع العربي في المملكة العربية السعودية في المحافل الثقافية العالمية فكان تمثيله حضوراً باذخا لبلاده ولوطنه العربي الكبير. ولست بمستوفٍ لمآثره ودوره في هذه المقالة ؛ ولكنها محاولة للوفاء بشيء مما قدم للثقافة العربية في المملكة العربية السعودية و العالم العربي .