ما تشهده منطقة الخليج العربي من حروب وتوترات وما يهدّد دولها اليوم من أخطار ناجمة عن تقاطع المصالح الدولية والإقليميّة مع اعتبارات الجغرافيا السياسية، إنّما يعكس اختلالا واضحا في موازين القوى بين دول الخليج العربيّة منفردة من جهة، والقوى الإقليميّة المؤثّرة في المنطقة من جهة أخرى، ويمكن رؤية ذلك في العدوان والتهديد الإيراني المستمر منذ بداية القرن العشرين إلى اليوم، والابتزاز الغربي والتغوّل الصهيوني الإسرائيلي الذي برز بعد انتصار الغرب في الحرب الباردة وتفرّد الولايات المتحدة بقيادة العالم. ولو تأمّلنا التحوّلات التي برزت بعد حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد ايران وحرب إسرائيل على غزّة؛ سواء تلك المرتبطة بسلوك إيران العدواني تجاه دول الخليج العربيّة، أو تنامي الدور العسكري والأمني العدواني لـ إسرائيل في المنطقة، لوجدنا إن الثابت الوحيد كان تضرر دول الخليج العربيّة، رغم حرصها على النأي بنفسها عن تلك الصراعات وسعيها إلى منعها أو احتوائها، فالايرانيّون يدّعون إنّ دول الخليج العربيّة طرف في الحرب ضدّهم والأمريكان بدورهم يسرّبون في الإعلام بخبث إنّ الخليجيين حلفاء لهم في هذه الحرب ومتعاونون معهم، ثم تضرب إسرائيل والولايات المتحدة منشآت ايران لتضرب إيران المنشآت الخليجيّة وكلا الطرفان يعلمان ويتعمدان ذلك، فعندما هددت الولايات المتحدة ايران بتدمير محطات الكهرباء والجسور، ردّت ايران بأنّها ستدمّر الجسور والمحطات في دول الخليج بل وبدأت فعليا بقصف بعض المحطات والتسبب في مقتل المدنيين، وأغلقت ايران مضيق هرمز فتوقّفت صادرات دول الخليج من النفط والغاز من موانئها على الخليج العربي، وردّا على ذلك وسّعت الولايات المتحدة الحصار على هرمز وأعطت انطباعا إنّها غير مستعجلة في فتحه ليزداد الوضع سوءا في الخليج، بينما ترتفع أسعار النفط والغاز وتزداد مبيعاته لصالح المنتجين في الولايات المتحدة. أمّا إسرائيل فتبرهن كل يوم قدرتها على تنفيذ تهديداتها الخطيرة ضدّ دول المنطقة وشعوبها كافّة دون رادع أو تردد أو اعتبار للقوانين الأمميّة والقيم الإنسانيّة، وما قامت به من إبادة جماعيّة في غزّة واغتيالات وتدمير للبنى التحتيّة المدنيّة والمستشفيات والجامعات والمدارس وما ارتكبته من عدوان وقتل عشوائي متعمّد للمدنيين في لبنان وسوريا والضفة الغربيّة وفي إيران أمر مهول ويُعد سابقة في تاريخ الدول الحديثة، وبقصفها للعاصمة القطريّة في 9 سبتمبر 2025م، أرادت أن تثبت لدول الخليج العربيّة إنّها هي الأخرى ليست بمأمن من فتكها وغدرها، ولم تكن لتستطع فعل ذلك كلّه دون موافقة ودعم الولايات المتحدة، فشكرا لحلفائنا وجيراننا ياله من وفاء وحسن جيرة! ومن الواضح من تصريحات الجانبين المتحاربين ودعاياتهما إنّهما يريدان حشر دول الخليج العربيّة وإسرائيل في قارب واحد ودق اسفين بين الدول الخليجيّة وعمقها العربي والإسلامي، وقد أتت هذه السياسات الخبيثة أكلها فيما رأيناه من بعض المواقف السلبيّة أو الباردة من العدوان الإيراني على دول الخليج لدى بعض الأخوة العرب الذين لا يعلم أكثرهم عمّا وراء الأكمة، وهذا السلوك العدواني غير المبرر ضد دول الخليج من قبل ايران وإسرائيل يمكن أن يتكرر في أيّ وقت في المستقبل، فإيران يمكن أن تتسبب في وقف الملاحة في المضيق مستقبلا بمجرّد التهديد من أجل الإبتزاز، وكذلك بالنسبة لإسرائيل بإمكانها قصف أي دولة خليجيّة لا يعجبها سلوكها في المستقبل بالرغم من وجود قواعد الولايات المتحدة، بل ومن الممكن أن تدخل الرادارات والأسلحة الدفاعيّة الأمريكيّة الصنع في سبات عندما يكون المهاجم إسرائيل كما فعلت عندما قُصفت الدوحة في سبتمبر الماضي، وإذا أخذنا كل ذلك في الحسبان وإنّه حصل في ظل وجود اتفاقيات حماية أمريكيّة وغربيّة مفترضة مع بعض دول الخليج، فإنّ الواقع يشير إلى أن نموذج “الحماية الأجنبيّة مقابل المصالح والولاء” الذي ساد في منطقة الخليج لعقود لم يعد كافيًا لوحده، فالتحديات الحديثة لم تعد تقليدية، بل تشمل تهديدات سيبرانية، وحروبًا غير مباشرة؛ اقتصاديّة ومعنويّة واستهدافًا للبنى التحتية الحيوية، والأمن لم يعد يُقاس بالقواعد العسكرية والمعاهدات الأمنيّة مع دول أجنبيّة أو صفقات السلاح، بل بمدى القدرة على إنتاج قوة ردع محلّيّة كافية وإدارتها بفاعلية والصمود لأطول فترة ممكنه في أيّ حرب، وهذا لا يمكن ضمانه الّا بالاعتماد على النفس في القوى البشريّة وفي القدر الأكبر من المجهود الاقتصادي والصناعي الحربي والمدني، لتأمين وفرة في الذخيرة وقطع الغيار والسلاح ووجود جيش قويّ في العدّة والعتاد، ومرونة إقتصاديّة. ومع إن دول الخليج العربيّة تملك الموارد، إلّا إن خياراتها كدول منفردة صعبة ومتجددة من أجل الحفاظ على السيادة والأمن في محيط إقليمي متوتّر، دون الوقوع في فخ الارتهان لتحالفات خارجية ليست بذات جدوى ويمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط وابتزاز، والتحدي الكبير أمام دول الخليج العربيّة اليوم هو في كيفيّة تحويل الموارد إلى قوة استراتيجية منسّقة بدلا من بقائها قدرات متفرقة، وتوحيد القوى والامن الجماعي وتطوير منظومة ردع وأدوات قوة كافية تجعل أي عدون أو ابتزاز خارجي أقل تأثيرًا وأدنى خطورة، إضافة إلى تنويع الشراكات بدلا من معاهدات الحماية التي خلقت فجوة في الإستقلال الأمني رأيناه فيما حصل في الدوحة في 9 سبتمبر 2025م، ممّا يعني عدم الإعتماد على طرف معيّن وفي نفس الوقت عدم رفضه بالكامل، بل السعي لاستقلالٍ في القرار يجعل الجانب الخليجي شريكًا في أي اصطفاف للقوى لا تابعًا، والاستقلال الحقيقي يرتكز على بناء قدرة ذاتية عبر مسارين مترابطين: أوّلهما تعزيز قوّة ردع واحتواء خليجيّة موحّدة، وثانيهما تطوير مجلس التعاون الخليجي نحو صيغة اتحاديّة أكثر تماسكا وقوّة. بناء قوّة ردع واحتواء خليجيّة موحّدة: دول مجلس التعاون الخليجي تعيش في منطقة عالية المخاطر تزخر بشتّى الأزمات القابلة للإشتعال فجأة وفي أي وقت، وتجاور أمما ذات بأس شديد وتراث امبراطوري امبيريالي عريق؛ كالفرس والترك والأحباش، وتواجه طموحات قوى استعماريّة عدوانيّة توسّعيّة خطيرة كالاستعمار الصهيوني الإسرائيلي، وبسبب موقعها الجيوسياسي الحسّاس على مفترق طرق الطاقة والتجارة العالميّة ستستمر في مواجهة الضغوط نتيجة لتنافس القوى الكبرى وطموحات الدول الإقليميّة، ومع إنّ القدرات الدفاعية لدول الخليج العربيّة متقدمة لكنّها تفتقر للتصنيع العسكري المحلّي ولديها نقص في عدد السكّان ممّا يجعلها بحاجة لتطوير صناعاتها العسكريّة وتبنّي نظام مناسب يضمن تزويد الجيش بالعناصر الكافية والمناسبة، كما إن القدرات الدفاعية الخليجيّة لا تزال متفرّقة وبحاجة لتنسيق وتوحّد وتقاسم للأعباء الماليّة بدلا من تركيزها على دول بعينها، لتتحوّل القدرات الدفاعيّة من أدوات متفرقة إلى منظومة أمن جماعي متكامل وقوّة ردع ذاتيّة وقيادة موحّدة وعقيدة مشتركة تستطيع رفع كلفة أي اعتداء بشكل ملموس يجعله غير مغرٍ، وفي ضوء التحولات الحاليّة أصبحت قوّة الردع الخليجيّة الموحّدة ضروريّة وملحّة لفرض الاستقرار في المنطقة وحماية الممرات الحيويّة وموارد الطاقة والبنى التحتيّة من التهديد والإبتزاز أو التدمير، وموازنة نفوذ القوى الإقليميّة والحد من تدخلاتها وتعزيز الإستقلال الاستراتيجي وتقليص الإعتماد على الحماية الخارجيّة. وبناء هذه القوّة وجعلها فعّالة سيتطلّب من دول الخليج توافقا استراتيجيّا واضحا وجاهزيّة ومصداقيّة، وتعريفا موحّدًا لتهديدات وأولويّات الأمن الجماعي، وبدون ذلك ستبقى أي قوّة مشتركة شكليّة لا تغيّر ميزان القوى على أرض الواقع. وسيكون من المهم مع بناء قوّة الردع اتباع سياسة الإحتواء بدل الصراع عن طريق تنويع العلاقات الدولية وبناء شبكة علاقات مع قوى متعددة (آسيوية وأوروبية)، وإعادة تعريف العلاقة مع الحلفاء التقليديين على أساس المصالح المتبادلة لا الاعتماد المطلق، وتجنب الاصطفاف الحاد الذي يحوّل المنطقة إلى ساحة صراع بالوكالة، ممّا يتيح هامش مناورة أوسع، ويقلل احتمالات الابتزاز السياسي أو الأمني. *عضو مجلس شورى سابق