بين ضفتي «بوند ستريت» وسحر الصحراء..

قراءة في مزاد الاستشراق بسوثبيز لندن 2026.

بينما كانت أجراس فعاليات لندن الربيعية تعلن عن انطلاق أسبوع الفن في قلب (مايفير)، وفي ظل صخب (نيو بوند ستريت) الذي لا يهدأ، هيئت دار (سوثبيز) العريقة ردهاتها لاستقبال نوع مختلف من الضوء؛ ضوء الشرق الذي أسَرَ مخيلة الرحالة الغربيين قبل قرنين من الزمان، ويعود اليوم ليأسر قلوب كبار المقتنين في مزاد (فن الاستشراق) لموسم ربيع 2026. لم يكن المعرض الذي افتتح أبوابه للجمهور قبل موعد المزاد، مجرد عرض لمقتنيات فنية عابرة، بل كان أشبه باستعادة بصرية لذاكرة جغرافية وتاريخية تشكل وجدان المنطقة الممتدة من ضفاف النيل إلى أسوار القسطنطينية. في هذه النسخة من المزاد، تبدو الأعمال المختارة، وكأنها تتجاوز الجدل التقليدي حول الاستشراق، بوصفه نظرة خارجية، لتتحول إلى وثائق جمالية بالغة الدقة. نحن أمام مشهد يتسم بنضج استثماري لافت؛ حيث لم يعد المقتني العربي أو العالمي يبحث عن الغرائبية فحسب، بل ينشد الأصالة والدقة التاريخية التي برع فيها فنانون من طراز جان ليون جيروم ولودفيك دويتشه. كما أن الأعمال المعروضة تؤكد أن فن الاستشراق لم يعد مجرد صنف منسيّ في تاريخ الفن، بل هو عملة ثقافية صعبة تزداد قيمتها كلما زاد الحنين إلى الجذور. شفيق جبر: المقتني الذي حول اللوحة إلى جسر دبلوماسي لا يمكن الحديث عن سوق فن الاستشراق اليوم دون ذكر اسم رجل الأعمال المصري المرموق شفيق جبر، رئيس “مجموعة أرتوك للاستثمار والتجارة”. فبالنسبة لجبر، لم تكن جمع اللوحات مجرد هواية لجمع التحف، بل مشروعاً فكرياً متكاملاً بدأه منذ أوائل التسعينيات ليجمع تحت سقف مجموعته (The Shafik Gabr Collection) مئات اللوحات النادرة التي توثق رحلات المستشرقين إلى الشرق. ولشفيق جبر نظرة فلسفية تجاه مجموعته؛ فهو يرى في هؤلاء الفنانين أمثال (جيروم، وبريدجمان، ودويتشه)، أول مراسلين عالميين نقلوا صورة الشرق إلى الغرب بصدق وبحثوا عن المعرفة والفهم، لا عن الصدام. ولعل أبرز إسهاماته الثقافية هي مبادرة “الاستشراق من أجل التغيير” (East-West: The Art of Dialogue)، وهي مؤسسة أطلقها مستلهمًا حياة أولئك الرحالة، تهدف إلى رعاية الحوار بين الشباب من الشرق والغرب وبناء جسور تفاهم تتجاوز الصور النمطية السياسية. فمن ينظر إلى اللوحات المعروضة في مزاد سوثبيز، وتنتمي لمدرسة أو ذوق يفضله شفيق جبر، فهو لا ينظر إلى فن فقط، بل إلى جزء من رؤية رجل استطاع أن يجعل من الفن الاستشراقي وسيلة دبلوماسية شعبية عابرة للحدود. عبقرية الظل والضوء “في قرية الأبيار” تتصدر مشهد المزاد لوحة الفنان الأمريكي فريدريك آرثر بريدجمان(1847-1928)المعنونة بـ (في قرية الأبيار، الجزائر (In a Village at El Biar, Algiers)، والأبيار إحدى ضواحي الجزائر كانت ملاذاً للفنانين بسبب إطلالتها وهوائها العليل، وكان بريدجمان مفتوناً ببيوتها المترابطة. وهي عمل يجسد ذروة النضج في أسلوب بريدجمان الاستشراقي. في هذه اللوحة، لا يكتفي الفنان بنقل مشهد مكاني، بل يحبس أنفاس الزمن في لحظة جزائرية خالصة. تتجلى عبقرية بريدجمان في تعامله مع (الضوء المتوسطي الساطع)؛ حيث تضرب أشعة الشمس الجدران البيضاء لقرية الأبيار، لتعكس وهجاً يكاد يشعر المشاهد بحرارته. لكن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في التباين الدرامي بين هذا البياض الناصع وظلال الزقاق الضيق التي تمنح اللوحة عمقاً هندسياً مذهلاً. وبالنظر إلى التفاصيل الدقيقة، يبدو أن بريدجمان رسم الشخوص بلمسة إثنوغرافية غاية في الأمانة؛ من طيات الملابس التقليدية إلى حركة أيدي النساء وتموجات المياه في بركة الحوش، مما يمنح العمل قيمة توثيقية تتجاوز البعد الجمالي. إن اختيار سوثبيز لهذه القطعة تحديداً يعكس ذكاءً في تقدير ذائقة المقتني المعاصر، الذي يبحث عن أعمال بريدجمان ليس فقط لجماليتها، بل لقدرتها على نقل روح المكان وهدوء الحياة اليومية بعيداً عن التكلف أو المبالغة الدرامية. ومن المتوقع أن تشهد هذه اللوحة منافسة شرسة(القيمة التقديرية للوحة بين150-200 ألف جنيه استرليني)، نظراً لندرة أعمال بريدجمان التي تتميز بهذا المستوى من الحيوية في الألوان والتماسك في التكوين. هذا التقدير المرتفع لا يعكس فقط براعة بريدجمان التقنية، بل يشير إلى ندرة وجود أعمال بهذا الحجم والجودة في السوق حالياً. إن تجاوز حاجز الـ 150 ألف باوند كقيمة افتتاحية يبعث برسالة واضحة للمقتنين: “نحن أمام قطعة ليست للعرض الجمالي فحسب، بل هي استثمار تاريخي رصين في أحد أكثر فصول الفن الاستشراقي صدقاً وعمقاً.” خارطة الإبداع: عمالقة الاستشراق والقيمة التجارية لا يقتصر زخم مزاد سوثبيز لهذا الموسم على لوحة بعينها، بل يمتد ليشمل كوكبة من “أساطير الاستشراق” الذين جابوا الشرق بحثاً عن الضوء والحقيقة. يتصدر المشهد رواد المدرسة الفرنسية والنمساوية والأمريكية، حيث تُعرض أعمال لأسماء لا تخطئها عين المقتني المحترف، مثل جان ليون جيروم ولودفيج دويتشه ورودولف إرنست. وتتراوح القيم التقديرية لهذه الأعمال في المزاد الحالي ما بين خمسين ألف جنيه إسترليني للتخطيطات والدراسات الزيتية الصغيرة، وصولاً إلى أرقام تتجاوز 300 ألف جنيه إسترليني للوحات الزيتية الكبيرة التي تتميز بتفاصيل معمارية معقدة. هذا التنوع في الأسعار والمستويات الفنية يعكس استراتيجية سوثبيز في استقطاب شريحتين من المقتنين: “المستثمر الجديد” الذي يبحث عن موطئ قدم في عالم الفن، و”المقتني النخبوي” الذي يطارد القطع المتحفية النادرة التي قلما تظهر في الأسواق، مما يجعل القيمة الإجمالية للمزاد تُقدر بملايين الجنيهات الإسترلينية. استعادة الشرق بريشة الحداثة يظل السؤال القائم في أروقة “سوثبيز” يتجاوز حدود الأرقام القياسية والمنافسات المالية؛ هل ما زال فن الاستشراق قادراً على محاورة إنسان القرن الحادي والعشرين؟ الإجابة تكمن في تلك التفاصيل التي خلدها فنانون مثل بريدجمان وإرنست؛ فهي ليست مجرد توثيق لزمن مضى، بل هي استعادة لجماليات كادت أن تمحوها الحداثة المتسارعة. إن الاهتمام المتزايد من قبل المقتنين والمؤسسات الثقافية في منطقة الخليج والعالم العربي بهذه الأعمال، يحولها من “نظرة غربية للشرق” إلى “إرث شرقي مستعاد” يُعاد قراءته اليوم بعيون أصحاب الأرض أنفسهم. في نهاية المطاف، سيهدأ ضجيج المزايدات وتستقر لوحة “في قرية الأبيار” وغيرها في مجموعات خاصة أو متاحف عالمية، لكن القيمة الحقيقية لهذا المزاد تظل في قدرته على مد الجسور بين ضفتي المتوسط، وفي تذكيرنا بأن الفن هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة لتنقل سحر الضوء الجزائري أو روحانية جوامع القاهرة إلى قلب لندن. وبغض النظر عن اسعار المزاد، يبقى اليقين الوحيد هو أن الشرق بروعته وتفاصيله سيظل دائماً بوصلة الجمال التي لا تخطئ في سوق الفن العالمي. * لندن