اليقين الضال.. حين تظن أنك بلغت الحقيقة.

ليست المشكلة أن الإنسان يجهل، بل حين يجهل أنه يجهل، وينام قرير العين مغتبطًا بجهله، مكتفيًا باليقين الذي ينضج قبل أوانه. وأمر من ذلك أن يغلق المرء نوافذ عقله. وهكذا، بدل أن يكون اليقين خاتمة الفهم، يصبح وسيلة للهرب منه. وقد تطرق القرآن الكريم إلى “اليقين الضال “ بقوله تعالى (قُل من يرزقكم من السماواتِ والأرضِ، قُل الله، وإنا وإياكم لعلى هُدًى أو في ضلال مبين 24 قُل لا تُسألون عَمَّا أجْرَمْنا ولا نُسأل عما تعملون 25) سورة سبأ. قال “سقراط 470 ق م. – 399 ق م.” (إنني أعرف أنني لا أعرف). وقال الفيلسوف الألماني “إيمانويل كانط 1704 -1804م.” (إننا لا نعرف الأشياء كما هي في ذاتها، بل كما تظهر لنا عبر بُنية عقولنا). أما عالم النفس الاجتماعي/ الأمريكي “ليون فيستنغر 1919 – 1989م” فقد كان من أكثر المفكرين وضوحًا في مسألة “اليقين الضال” حيث قال (الإنسان لا يتمسك باليقين لأنه صحيح، بل لأنه يحميه نفسيًا). الحقيقة ثقيلة، وجارحة أحيانًا، وغير مريحة في كثير من الأحيان. لا سيما عندما تفرض على المرء أن يهدم ما بنى، وأن يعترف بأنه كان مخطئًا. ولهذا تجده لا يطلب الحقيقة، بل يطلب ما يشبهها. هذا وإن ما نسميها “قناعة” في كثير من الأحيان، ليست إلا خوفًا متماسكًا. خوف من ألا نعرف. وخوف من أن نكتشف أن ما بنيناه طوال سنوات كان قائمًا على جرفٍ هار. ولأن هذا الخوف لا يُحتمل، فإنه يتخفّى في هيئة يقين. العقل البشري ليس وسيلة للبحث عن الحقيقة، بل آلة دفاع عن الذات. إنه لا يسأل: هل هذا صحيح؟ بل يسأل: هل هذا يناسبني؟ فإن ناسبه، صدّقه. وإن أزعجه، أعاد تفسيره، أو تجاهله، أو حاربه. وهكذا، لا يرى الإنسان العالم على حقيقته، بل كما يحتمل، أو يود أن يراه. الإنسان لا يخدع الآخرين بقدر ما يخدع نفسه. بل إنه، في كثير من الأحيان، لا يستطيع أن يستشعر خداعَهُ أصلًا. لأنه لا يرى من الخارج، بل ينظر من الداخل. الذي يبدو فيه كل شيء منطقيًا، ومتماسكًا، بل واضحًا كل الوضوح وهنا تكمن المشكلة، ولذلك، فإن أشد الناس خطأً ليسوا الجهلة، بل الواثقون. أولئك الذين لا يسألون، لأنهم في قرارة أنفسهم يملكون الإجابة. ولا يصغون، لأنهم يرون أنهم سبق أن فهموا. ولا يترددون، لأن الشك – في نظرهم – ضعف. هؤلاء لا يتعلمون، لأنهم لا يرون أنهم بحاجة إلى المعرفة. وحين يتفق عدد كافٍ من الناس على نفس الوهم، يتحول إلى “حقيقة” لا لأنه صحيح، بل لأنه شائع. ومن يخرج عليه، لا يُناقش، بل يُستغرب، ثم يُقصى، وربما يُدان. وهكذا، لا تُبنى الثقافة على الحقيقة، بل على ما يُتَفَقُ عليه. كما قال”فريدريك نيتشه 1844 – 1900م.” (الحقيقة أوهام، نسينا أنها كذلك). عندما تتصادم الحقيقة والسردية، تفوز السردية. لماذا؟ لأن السردية تلامس الخوف المتغلغل في أعماق النفس البشرية، وتُرضي الغرور المالغ، أو تمنح المُسَكِّن الخادع. السردية لا تتطلب جهدًا، ولا تفرض شكًا. أما الحقيقة، فهي كالسلحفاة في بطئها، وكالغزال في ترددها، وغالبًا تكون غير مُحَبَبَة. ولهذا لا تصمد، بل تنهزم أمام السردية المفبركة. وهنالك ينتصر” اليقين الضال” لماذا؟ لأنه لا يحتاج إلى أساس متين كي يبقى، بل إلى راحة مصطنعة. والمفارقة الأكثر قسوة أن هذا اليقين يمنح صاحبه شعورًا بالتفوق. فهو لا يرى نفسه مخطئًا، ولا يشك في فهمه، بل ينظر إلى الآخرين ضالين ومٌضلين، ومن هنا ينشأ غرور غريب: غرور لا يقوم على معرفة، بل على غياب الشك. في الختام، لا شيء أكثر خسرانًا من عقلٍ كاد أن يصل حافة العقل ثم توقف، ولا شيء أبلغ خداعًا من يقينٍ يعتقد أنه قد وصل إلى نقطة النهاية فاستراح. إن أخطر أنواع الضَلال ليس أن تفقد الطريق، بل تجزم أنك وصلت.