حين تضيق الأبواب.!
لم يكن المعهد العقاري السعودي عند انطلاقته مجرد جهة تقدم دورات، بل كان نافذة مفتوحة على وعي مهني طال انتظاره، يلتقط احتياج السوق، ويقدم محتوى يلامس واقع الممارسين، دون تعقيد أو اشتراطات تُقصي من هم في الميدان فعلاً. كان أقرب إلى منصة تثقيف، تُقاس قيمتها بمدى وصولها، لا بعدد من يُسمح لهم بالعبور إليها. ومع اتساع الدورات وتنوعها، بدأ شيء آخر يتشكل بصمت، انتقال غير معلن من مفهوم “الإتاحة” إلى “الانتقاء”، ومن باب مفتوح للجميع إلى أبواب لا تُفتح إلا بشروط لا تنتمي لطبيعة تلك الدورات. هنا لا يقف السؤال عند حدود التنظيم، بل يتجاوزه إلى جدوى هذا التحول، وما إذا كان يخدم السوق فعلاً، أم يعيد تشكيله وفق تصورات لا تعكس واقعه. حين تُطرح دورة في “الاستشارات العقارية” ويُشترط لها تخصصات بعينها كالهندسة أو إدارة الأعمال، بينما تُفتح دورة “التحليل العقاري” دون هذا القيد، فإن الصورة لا تبدو مكتملة. ليس لأن أحد المسارين أولى من الآخر، بل لأن المنهج ذاته غير مستقر. هل هذه مهارات يمكن اكتسابها بالتدريب؟ أم تخصصات لا يُقبل فيها إلا من مر عبر مسار أكاديمي محدد؟ التردد بين هذين الخيارين يخلق حالة لا تقنع الممارس، ولا تطمئن المتابع. ثم إن ربط هذه الدورات القصيرة بتخصصات جامعية محددة يثير تساؤلاً آخر أكثر عمقاً، فحملة الهندسة أو إدارة الأعمال أو الشريعة أو القانون، هم في الغالب منخرطون في مساراتهم المهنية الأساسية، ولديهم من الالتزامات ما يجعلهم أبعد عن التفرغ لدورات لا تمنحهم مساراً أكاديمياً موازياً ولا قيمة مهنية تضيف إلى تخصصاتهم الأصلية. فكيف تُغلق هذه البرامج أمام من يحتاجها فعلاً، وتُفتح - نظرياً - أمام من قد لا تكون ضمن أولوياته العملية؟ الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل يمتد إلى دورات لا تتجاوز مدتها أسابيع معدودة، ومع ذلك تُعامل وكأنها بوابة تخصصية مغلقة. وهنا تتسع المفارقة؛ فالدورة القصيرة بطبيعتها مكثفة، هدفها نقل المعرفة التطبيقية، لا إعادة تشكيل الخلفية العلمية للمتدرب. فإذا كانت لا تمنح درجة أكاديمية، ولا تندرج ضمن مسار تعليمي معتمد، فبأي منطق تُربط بشروط جامعية ضيقة؟ وفي جانب آخر، يبرز التباين بين ما يُشترط نظرياً، وما يُمارس عملياً. في موضوع كالتسجيل العيني، نجد أن الإجراءات في الميدان تسير عبر منصات رقمية بخطوات واضحة، تُنجز في وقت قصير، ويتعامل معها كثير من العاملين في مكاتب الخدمات بكفاءة عملية. فهل يعقل أن يكون التطبيق بهذه البساطة، بينما يُحاط التدريب عليه بسياج أكاديمي لا ينسجم مع طبيعته؟ السوق العقاري اليوم يتسع، ويتحول رقمياً بوتيرة متسارعة، تحت إشراف الهيئة العامة للعقار، التي تسعى - بحسب توجهاتها المعلنة - إلى رفع كفاءة الممارسين وتوسيع قاعدة المشاركة في القطاع. ومن هنا، فإن أي اشتراطات تدريبية لا تنسجم مع هذا التوجه، قد تُفهم على أنها تضييق غير مقصود، أكثر من كونها تطويراً منشوداً. ليست المشكلة في وجود شروط، فكل عمل منظم يحتاج إلى ضوابط، لكن الإشكال يبدأ حين تتحول هذه الشروط إلى حواجز لا تُبررها طبيعة المحتوى، ولا تقابلها مخرجات علمية تستحق ذلك القيد. عندها، لا يكون التنظيم تطويراً، بل تضييقاً في غير موضعه. الحل لا يبدو معقداً كما قد يُظن؛ فإما أن تُصنّف هذه البرامج ضمن مسار أكاديمي واضح، بشروط تخصصية مبررة، ومخرجات علمية معتمدة كدبلوم مهني يمكن البناء عليه، وإما أن تبقى دورات قصيرة مفتوحة، يُقاس فيها المتقدم بقدرته على الفهم والتطبيق من خلال اختبارات كفاءة، لا بشهادته السابقة. يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بهدوء: ماذا يريد المعهد أن يكون؟ جهة تدريبية تفتح المعرفة لمن يحتاجها، أم مؤسسة أكاديمية تُغلق أبوابها إلا بشروط؟ بين هذين الخيارين مساحة رمادية، تبدو اليوم أكثر اتساعاً مما ينبغي، وتحتاج إلى مراجعة تعيد التوازن بين الهدف والوسيلة. فالمعرفة، حين تُحاط بقيود لا تبررها، لا ترتفع قيمتها.. بل تضيق مساحتها.