خلف الحربي.. مِن سخريّة الهامش..إلى صناعة المشهد .

من الصعوبة أن تكتب عن (ساخر) دون أن تقع في فخّ السخرية نفسها. لأنك، في لحظة ما، ستكتشف أنك تحاول أن تشرح ما لا يُشرح, تلك القدرة الغامضة على أن تجعل الضحك طريقاً للفهم، لا للهروب. وخلف الحربي، في هذا المعنى، ليس مجرّد كاتب ساخر، بل حالةٌ متحوّلة، كلما ظننت أنك أحطت بها، انتقلت إلى طور آخر. قبل أن يصبح اسماً يومياً في ذاكرة القرّاء، كان خلف الحربي يختبر صوته في القصة. هناك، في البدايات التي لا يلتفت إليها كثيرون، كان يتعلّم كيف يُمسك بالمعنى من أطرافه الهاربة. القصة لم تكن محطة مؤقتة، بل كانت تمريناً عميقاً على الاقتصاد في اللغة، وعلى بناء المفارقة دون إعلانها. وهذا ما سيبقى لاحقاً، حتى وهو يكتب عموداً صحفياً يُقرأ على عجل. كان يحمل معه دائماً ذلك النفس القصصي: أن تترك فراغاً صغيراً، وأن تثق بأن القارئ سيملؤه. وحين دخل إلى «عكاظ»، لم يدخلها بوصفه كاتب رأي تقليدياً، بل بوصفه راوياً يمارس الكتابة اليومية. في زاويته «على شارعين»، لم يكن يكتب عن حدث بعينه، بل عن تلك المسافة الرمزية بين شارعين، بين ما نعيشه وما ندّعيه، بين اللغة التي نستخدمها والواقع الذي نتجاهله. كانت السخرية عنده لا تُطلق ضحكة مباشرة، بل تُؤجلها. تقرأ النص، تمضي، ثم تعود إليك الفكرة كأنها وخزةٌ خفيفة: آه.. كان يقصد هذا. وهنا تكمن حرفيته، حين يجعل القارئ شريكاً، لا متلقياً. أن يُخفي المعنى في طبقة ثانية، لا في السطر الأول. ولذلك، لم تكن شعبيته قائمة على الطرافة اللحظيّة، بل على تلك الثقة المتبادلة بينه وبين قارئه. قارئ يعرف أن خلف لن يمنحه الإجابة جاهزة، بل سيضعه في منتصف السؤال. لكن الكتابة اليومية، مهما بلغت من عمق، تبقى في نهاية الأمر ممارسة فردية. الكاتب هنا يتحدّث، والآخرون يستمعون. عندما انتقل خلف الحربي إلى رئاسة تحرير «شمس» - طبعاً كان ذلك قبل كتابته اليومية في عكاظ -، في هذا الانتقال تغيّر موقعه بالكامل. لم يعد الصوت الفردي كافياً، بل صار عليه أن يُدير أصواتاً أخرى، أن يُوازن بين الرأي والخط التحريري، بين الحرية والمسؤولية. وهنا، تبدأ مفارقة جديدة، كيف يحافظ الساخر على حساسيته، وهو يجلس على كرسي المؤسسة؟ ليست المسألة بسيطة. لأن السخرية، بطبيعتها، تقف دائماً على مسافة من السلطة، حتى لو كانت سلطة تحريرية. ومع ذلك، لم يتحوّل خلف الحربي إلى إداريّ جاف، ولم يتخلّ عن نبرته. بل يمكن القول إنه نقل تلك الحساسية الساخرة إلى مستوى آخر، حيث لم تعد في النص فقط، بل في اختياراته، في زاوية نظره للمشهد الإعلامي، في محاولته أن يجعل الصحيفة نفسها أقرب إلى الحياة، لا إلى القوالب. غير أن التحوّل الأبرز لم يكن في الصحافة، بل في الانتقال إلى الدراما. هنا، لم يعد النص يُقرأ، بل يُشاهد. ولم تعد الكلمة وحدها تكفي، بل صارت جزءاً من منظومة كاملة ومتكاملة: صورة، ممثل، إيقاع، موسيقى، توقيت. وفي هذا الانتقال، كان على خلف الحربي أن يُعيد اكتشاف أدواته. السخرية التي تنجح في عمود من 500 كلمة، قد تفشل في مشهد من 30 ثانية، إذا لم تُصغ بشكل مختلف. في أعمال مثل «سيلفي»، و»مخرج 7»، بدا واضحاً أن خلف الحربي لا يكتفي بنقل أسلوبه الصحفي إلى الشاشة، بل يحاول أن يُعيد صياغته. هنا، تصبح المفارقة أكثر مباشرة، لأن الجمهور أوسع، ولأن الزمن أقصر. لكن، في الوقت نفسه، تظل هناك محاولة للاحتفاظ بشيء من العمق، أن لا تكون النكتة هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلةً لكشف خلل (ما). الدراما، بهذا المعنى، لم تكن خروجاً من السخرية، بل توسيعاً لها. لكنها أيضاً وضعت الكاتب أمام اختبار جديد، حين تصل إلى جمهور بالملايين، هل تستطيع أن تبقى كما أنت؟ أم أنك مضطرٌ لتبسيط الفكرة، وربما تسطيحها أحياناً، لتصل؟ هذا السؤال لا يخصّ خلف الحربي وحده، بل يخص كل كاتب يعبر من النخبة إلى الجمهور. غير أن ما يميّز تجربته هو أنه لم يتوقف عند هذا الحد. مع تأسيس شركته الخاصة، دخل مرحلة أخرى، إذ لم يعد يكتب النص فقط، بل يشارك في صناعته من البداية إلى النهاية. صار جزءاً من القرار الإنتاجي، من اختيار الفكرة، إلى تنفيذها، إلى تسويقها. وهنا، تتضاعف الأسئلة: ماذا يبقى من الكاتب حين يصبح منتجاً؟ هل تظل الكتابة هي المركز، أم تتحوّل إلى عنصر ضمن عناصر أخرى؟ وهل يمكن للساخر أن يحافظ على تلك المسافة النقدية، وهو منخرطٌ في صناعة المحتوى بكل تفاصيلها؟ ربما لا توجد إجابة واحدة. لكن ما يمكن ملاحظته هو أن خلف الحربي، في كل هذه التحولات، لم يفقد تلك النبرة الأساسية، نبرة المراقب الذي يرى المفارقة في التفاصيل الصغيرة. سواء كتب قصة، أو عموداً، أو مشهداً درامياً، أو حتى أشرف على عمل كامل، يظل هناك خيطٌ رفيع يربط كل ذلك، رغبةٌ في فهم هذا العالم عبر تناقضاته. في «بوصلة» خلف الحربي، لا تشير الإبرة إلى اتجاه واحد، بل تتحرّك بين أكثر من مجال، وأكثر من تجربة، وأكثر من دور. وهذا ما يجعل قراءته صعبة وممتعة في آن واحد. لأنه لا يمنحك صورة ثابتة، بل يتركك أمام سلسلة من التحولات، عليك أن تربط بينها بنفسك. هو ليس كاتباً بقي في مكانه، ولا هو أيضاً من أولئك الذين يغيّرون جلدهم بالكامل مع كل مرحلة. بل يمكن القول إنه احتفظ بجوهره، وغيّر أدواته. من القصة إلى الصحافة، ثم من الصحافة إلى الدراما، من الفرد إلى المؤسسة، ومن النص إلى الصناعة.. مسار يبدو متشعّباً، لكنه في العمق، يدور حول فكرة واحدة، هي: كيف يمكن للكتابة أن تواكب الحياة، دون أن تفقد قدرتها على نقدها؟ وهذا، في النهاية، هو التحدي الحقيقي لأي كاتب. ليس أن يكتب جيداً فقط، بل أن يظل قادراً على رؤية ما لا يُرى، وعلى قول ما لا يُقال، حتى وهو يغيّر موقعه، وأدواته، وجمهوره. خلف الحربي لم يكن يوماً ثابتاً بما يكفي ليُختصر، ولا متحوّلاً بما يكفي ليفقد هويته. هو، ببساطة، يكتب المسافة بين ما نحن عليه.. وما نعتقد أننا عليه. (!) (*) كاتب وصحافي سعودي