يقول «أمبرتو إيكو»: (من لا يقرأ يعيش حياة واحدة، أما القارئ فيعيش آلاف الحيوات) ولطالما كانت صورة الشخص الذي يقرأ آسرة وجاذبة منذ أن قال «أبو الطيب «: (أعز مكان في الدجى سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب) أبو الطيب الذي عاش في زمن ازدهار حوانيت بيع الكتب والمنقول، و حتى الآن وها نحن في زمن الفوضى الإلكترونية والكتب التي يسهل الوصول إليها بضغطة زر، وبكل صيغها ورقية كانت أم على الشاشات بقيت الصورة الذهنية عن القارئ أنه (العارف) ولقب قارئ لقب لامع ويوحي بوجود شخص منهمك في التعلم بشكل دائم ومنشغل بذاته، حتى أصيب عدد لا بأس به من البشر بحمى القارئ فباتو يستعرضون سنوياً حصيلتهم من القراءة والتي قد تتجاوز المئة كتاب أحياناً، مما يجعل من القراءة فعلاً استهلاكياً أكثر من كونه معرفياً، فالقراءة ليست مجرد هواية نمارسها في عزلة وهدوء؛ بل هي واحدة من أكثر الأنشطة تعقيدًا، لأنها تُشغّل شبكة واسعة من المناطق العصبية في وقت واحد، و القراءة بانتظام تجعل الدماغ يعيد تشكيل نفسه فعليًا، حيث تتقوى الروابط بين مناطق اللغة أو الفهم ومناطق الخيال أو التصور، كما أن القراءة العميقة تزيد كثافة المادة الرمادية في مناطق التفكير والتحليل و المادة الرمادية هي أحد المكوّنين الأساسيين للجهاز العصبي، إلى جانب المادة البيضاء، و هي الجزء الحيّ النشط الذي تتم فيه المعالجة الفعلية للمعلومات، وللقراءة الطويلة والعميقة أثر بالغ في إعادة تدريب الدماغ على الانتباه المستمر، ومقاومة نمط الاستهلاك السريع، وهذا مهم لأن الدماغ اليوم يتعرض لتآكل في التركيز بسبب المحتوى السريع. قبل أيام كنت أُحَضِر لحديث خفيف في جلسة ثقافية حول القراءة ومواضيعها، ما لذي تحدثه القراءة فينا وتشكله؟ وكيف تفعل ذلك عند آخرين دون غيرهم ؟ وتساؤلات أخرى كثيرة حول الوعي بالقراءة والقراءة بوعي، وحول ممارسة القراءة كفعل بطيء وتأملي في زمن التصفح السريع والاستهلاكي، لكن أكثر ما علق بذهني من حينها فكرة عظيمة عن البقاء حراً أمام كل شيء، البقاء حراً حين تقرأ مثلاً؛ تاركاً ما يكفي من المسافة ما بينك وبين ما تقرأ، مسافة تسمح لك بالاختلاف والرفض واتخاذ المواقف مع الكاتب وما يكتبه، لا أن تسلم نفسك كلياً لفكرة أو لكاتب، وهذا هو جوهر القراءة والسبب في تحويلها من مجرد نشاط ذهني إلى آداه فكرية، كم من القراء ذلك الذي يقرأ وهو حر دون أن يتحول لآداة طيعة لفكرة الكتاب وكاتبه؟ هذا ما تسبب لنا في كثير من العته والتخلف والتبعية لأشباه المفكرين وأفكارهم المدمرة و الشيطانية وهنا تكمن العبودية، ما أعظم أن تكون حراً حين تقرأ لكاتبك المفضل، حراً حين تستمع إلى مطربك المفضل، وموسيقاك المفضلة، وحراً أمام عمل سينمائي صنعه عظماء السينما، حر حين تمشي في الطبيعة، حُر تماماً أمام كل شيء، لك جوهرك، وحقيقتك، وهويتك، ورأيك وقرارك، تتأمل الأشياء وتحبها أو ترفضها، فلا تمتلكها ولا تمتلكك وتحافظ على نفسك حراً مع كل شيء .. هذه الفكرة حادة وخطيرة لدرجة الجنون، أن تحافظ على نفسك حراً أمام الأشياء يعني أن تسمح لنفسك بتذوقها، وخوضها و فهم معناها، دون أن تتحول إلى جزء منها وبهذا فقط تكون أفكارك الخاصة ورؤاك وأسئلتك ،ما القراءة إلا فعل تأملي خالص، حالة من الاختلاء والاصطفاء وهنا تكمن روعتها، لكن الأكمل أن يكون القارئ مستمراً في القراءة حتى حين يترك الكتاب من بين يديه ويخرج إلى الحياة، قارئاً للوجوه، للمواقف، للحياة، للكون .. وهنا يصبح القارئ قارئاً حقيقياً يمارس القراءة كسلوك يتغذى عليه طوال الوقت، وغير مقيد بوقت القراءة الورقية فقط، إستمرارية التأمل في الوجود وإدراك أن القراءة في الكتاب الصغير هي جزء بسيط من القراءة الحقيقية في كتاب الكون .. فالقارئ الحقيقي من وجهة نظري هو الذي يمارس القراءة كسلوك دائم وكجزء من طبيعته، وكذلك أن يبقى حراً محتفظاً بنفسه ما ستطاع إلى ذلك سبيلاً.