التراث الفني.. توثيق هوية المجتمع.
تشهد المملكة اليوم تحولات متسارعة، يتقدّم معها الاهتمام بتحقيق توازن واعٍ بين الانفتاح والتحديث من جهة، والمحافظة على الموروث الثقافي من جهة أخرى. ومن هذا المنطلق، يأتي مهرجان الفنون التقليدية 2026، الذي أُقيم الشهر الماضي في الدرعية، بوصفه مساحة حية لاستعادة الفنون الأدائية وتقديمها للأجيال الجديدة، بما يعزز حضورها في الوجدان، ويؤكد استمراريتها ضمن مسار التنمية الثقافية. منذ تأسيس وزارة الثقافة وهي تعمل على إبراز الموروث المجتمعي (المادي والمعنوي) على السواء؛ حيث تأسست عدة هيئات وكيانات فرعية تعمل كأذرع للوزارة في عدة مسارات تمثّل تعريف المعنى الثقافي الذي انفتح مؤخراً ليشمل الفلكلور والأزياء والطهي والمعمار ...إلخ. إحدى هذه الهيئات الجديدة هي هيئة المسرح والفنون الأدائية، وتضطلع هذه الهيئة بأدوار في غاية الأهمية، فداخلياً: تقوم الهيئة على تشكيل فرق استعراضية لكافة أنواع الرقص الشعبي الفلكلوري من جميع مناطق المملكة استعداداً لإقامة الفعاليات والنشاطات الثقافية المتعددة، ومنها مهرجان الفنون التقليدية 2026 الذي أقيم مؤخراً. وخارجياً: تقوم الهيئة بالتنسيق مع هيئة الموسيقى، ووزارة الخارجية من جهة أخرى، بإقامة الفعاليات خارج المملكة؛ وذلك للتعريف بالموروث الثقافي والشعبي السعودي حول العالم، وهي ليست فعاليات عادية بل ربما يمكن تصنيفها في المستوى الدبلوماسي؛ حيث يحضر كثير من الشخصيات السياسية الرفيعة في ذلك البلد المستضيف، إلا أنها بصبغة ثقافية، وبتنظيم من وزارات الثقافة أو الكيانات الثقافية الشبيهة في التمثيل الثقافي في ذلك البلد. فعاليات الفنون التقليدية ليست من قبيل الترف، أو لمجرد إحداث مناسبة ترفيه فقط، وإنما تأتي أهمية ترسيخ المعنى الوجداني للموروث في إطار تعزيز وحماية الهوية الجمعية للمجتمع والدولة. لقد أدركت القيادة في المملكة، ومنذ وقت طويل، منذ حقبة مهرجانات «الجنادرية»، ضرورة تعزيز الهوية المجتمعية من خلال إبراز التعددية الثقافية والتنوع الفلكلوري الجميل للمجتمع، والمتنوع بتنوع تضاريس هذه الأرض، والممتد بامتدادها القارّي الشاسع، والمتجذر بتجذر تاريخها القديم والأصيل. وكل هذا الكم الثري من الإرث الثقافي والشعبي من اللائق أن يحتفى به كما يجب، دعماً ونشراً وصوناً مستمراً في كل زمن. وهذا ما تقوم عليه الدولة، وبشكلٍ شامل ومتكامل بين كل الوزارات المعنية، ومنها التعليم التي تعمل حالياً على تهيئة أجيال لديها المعرفة الفنية والثقافية اللازمة لتحمل معها ملامح هويتها إلى المستقبل.