تسليع الثقافة والمثقف المفقود.
العمق الثقافي ليس ترفاً، إنه الدرع الذي يحمي الهوية الوطنية من الذوبان في مستنقع العولمة الاستهلاكية، وهو الضمان لجودة حياة فكرية تليق برؤية طموحة. خلال السنوات الماضية جرى قولبة الثقافة كأداة ترفيهية فقط مع ظهور مصطلح الإقتصاد الإبداعي، وهذا مخالف للسياسات الثقافية الرصينة التي لاتقيس الثقافة فقط بفوائدها الاقتصادية، إنما بقيمتها الاجتماعية. الثقافة حق إنساني واجتماعي، حتى لو انهارت المؤسسات الثقافية في نهاية المطاف في مواجهة هذا التسليع المعولم، يبقى دور المثقف بإعتباره صانع السياسات محاربة الاستهلاك الثقافي العابر ومناضلا لبناء الوعي الثقافي المستدام. يعد كتاب “Cultural Policy Beyond the Economy” للدكتورة ديبورا ستيفنسون (Deborah Stevenson) من أهم المراجع الحديثة التي تعيد تعريف السياسة الثقافية في العصر الحالي، الكتاب يمثل تمرداً فكرياً على فكرة “تسليع الثقافة” أو حصر قيمتها في الأرقام والمكاسب المادية. تجادل ستيفنسون بأن السياسات الثقافية منذ التسعينات انحرفت لتصبح مجرد أداة اقتصادية، أصبحنا نقيس نجاح الثقافة بـ: كم وظيفة وفرت؟ كم جذبت من السياح؟ كم ساهمت في الناتج المحلي الإجمالي؟ المؤلفة تؤكد إن هذا التوجه يقتل الجوهر الإبداعي ويحول المبدع إلى مجرد “ترس” في ماكينة اقتصادية، مما يؤدي لتهميش الفنون التي لا تدر ربحاً سريعاً لكنها تبني وعي المجتمع. تطرح ستيفنسون مفهوم الثقافة كبنية تحتية اجتماعية (Social Infrastructure)، مثلما يحق للمواطن الحصول على تعليم ورعاية صحية، يحق له الحصول على ثقافة تعبر عن هويته وتاريخه، لذلك ينبغى أن تُصمم السياسات الثقافية لخدمة المواطنة والعدالة الاجتماعية، وليس لخدمة المستهلك فقط. ترى المؤلفة أن أجمل ما في الثقافة هو “ما لا يمكن قياسه” (The Incommensurable Value)، تقصد بذلك التماسك الاجتماعي، صياغة المعنى، والقدرة على التفكير النقدي، الكتاب يدعو المثقفين والمخططين للدفاع عن هذه القيم غير الملموسة أمام ضغط لغة الأرقام والميزانيات. تنتقد ستيفنسون النماذج القديمة التي تعتمد على رعاية الدولة للثقافة بشكل فوقي، وتدعو إلى سياسات قائمة على المشاركة المجتمعية، بدلاً من أن تقرر المؤسسة ما هو ثقافي، ينبغى أن يساهم المجتمع في تعريف ثقافته، ودعم المؤسسات الثقافية الحاضنة لظهور ثقافة أكثر أصالة وقرباً من الناس. المثقف صانع المعنى يرفض مجاراة المقاولاتية، وأن يكون مقياس نجاح المبادرات الثقافية عدد “اللايكات” أو الأرباح فقط، لأنه يدرك مدى عمق الأثر الذي يسعى إليه، ولذلك يطالب بالاستدامة لا الربحية عند مخاطبة الجهات المانحة لأن دعم الثقافة استثمار في رأس المال الاجتماعي طويل الأجل. نحن في حاجة إلى إعادة تعريف النجاح في المجال الثقافي، النجاح هو خلق مساحة للحوار الحر والرصين، حتى لو كان لعدد قليل من القراء المخلصين، لأن هؤلاء هم من سيقودون الوعي لاحقاً. المشهد الثقافي الراهن يميل أكثر نحو التسليع الاقتصادي، ولايوجد هناك مساحة للمثاقفة كما يوجد في موقع X، لذلك تبرز أهمية استعادة الفضاء العام في ظل انهيار المؤسسات التقليدية، ويتحول دور المثقف من اللامنتمي إلى “منظم مجتمعي” (Community Organizer) في وقت تعاني فيه الثقافة من التسليع المعولم. تحولت الثقافة إلى صناعات إبداعية (Creative Industries) حيث يتم قياس كل شيء بالأرباح، وهو ما تعتبره ستيفنسون تضييقاً لنطاق السياسة الثقافية، ولا بد من إنصاف الفنانين والمثقفين الذين يعملون خارج الإطار المؤسسي، ونعتبر عملهم ذا قيمة اجتماعية حتى لو لم يظهر في جداول البيانات الاقتصادية. السياسات المبنية على الاقتصاد فقط تميل لدعم البرجوازية التي تستطيع الاستهلاك، بينما تهمش الثقافات الشعبية والمستقلة، وهذا ينطبق على أي دولة تمر بتحولات نيوليبرالية مثل دول الخليج حالياً، حيث يجري دمج الثقافة في خطط التنمية الاقتصادية بشكل مكثف، بينما يبحث المثقف عن فرصة لاستعادة لغة القيمة الإنسانية في عالم لا يتحدث إلا بلغة السوق. تشرح ستيفنسون كيف أن السياسات الحديثة تضع تراتبية المشروعية (Hierarchy of Legitimacy) للفنون التي تدر دخلاً مثل المهرجانات الكبرى، السياحة الثقافية في أعلى الهرم، بينما تضع الفنون النقدية، المجلات الرصينة، أو الأبحاث الثقافية في أسفل الهرم لأنها غير منتجة اقتصادياً، ويبدو جليا أن انهيار المؤسسات الرصينة نتيجة لتبني تراتبية مشروعية التى مارست الإقصاء بحق المحتوى الفكري العميق لصالح المحتوى الاستهلاكي. وتعارض الأدواتية الاقتصادية (Economic Instrumentalism) أى تحويل الثقافة إلى أداة لتحقيق أهداف غير ثقافية مثل تنشيط السياحة أو تحسين صورة المدينة، لأن هذا يفرغ الثقافة من معناها الجوهري، وتشدد على ذلك بقولها: “يجب أن نتجاوز الأدواتية الاقتصادية للثقافة، لنتعامل معها كبنية تحتية ضرورية لوعي المجتمع.” وتقترح مفهوما بديلا للمستهلك، وهو المواطنة الثقافية (Cultural Citizenship) التي تعني حق الفرد في المشاركة في صياغة السردية الوطنية، والوصول إلى المعرفة، والتعبير عن هويته دون قيود السوق، موضحة: “ إن دعم المجلات الرصينة هو حق من حقوق المواطنة الثقافية، وليس مجرد خدمة لزبائن يبحثون عن الترفيه.” تجادل ستيفنسون بأن الثقافة ليست حدثاً (Event) إنما بيئة (Environment)، والانهيار المؤسسي الذي تصفه هو انهيار في البنية التحتية الاجتماعية التي تسمح للمثقف بالبقاء، وتضيف: “نحن لا نحتاج لمهرجانات موسمية فقط، نريد بنية تحتية اجتماعية مستدامة تدعم الإنتاج الفكري المستقل.” وتشير إلى قدرة المثقف أو الفاعلية الثقافية (Cultural Agency) على إحداث تغيير وتشكيل الذوق العام بعيداً عن إملاءات السوق، وتقول: “ في ظل انهيار المؤسسات، تبرز أهمية الفاعلية الثقافية للمثقف المستقل لملء الفراغ ببدائل رصينة.” في وقت تهيمن فيه الأدواتية الاقتصادية على المشهد، وتُدفع فيه الثقافة الرصينة إلى قاع تراتبية المشروعية، نطمح إلى مبادرات لاستعادة المواطنة الثقافية، لانريد تقديم سلعة ثقافية فقط، نرغب في تشييد بنية تحتية اجتماعية تعيد للمثقف المفقود فاعليته وسط ركام المؤسسات التقليدية.