وحدة المجتمع خط أحمر..

الحزم يواجه النعرات القبلية.

في وطنٍ قامت دعائمه على التلاحم، وترسخت أركانه على العدالة والوحدة والتكافل، تبقى وحدة المجتمع من الثوابت الكبرى التي لا تقبل المساومة ولا تحتمل العبث. فالمجتمعات القوية لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد، بل بما تحمله من وعي، وما تحافظ عليه من تماسك، وما ترفضه من دعوات الفرقة والانقسام. ومن هنا فإن قيمنا المجتمعية الأصيلة تقف بوضوح وحزم ضد كل أشكال التعصب، وتنبذ النعرات القبلية والمناطقية وكل خطاب يسعى إلى تمزيق النسيج الوطني أو إشعال الفتن بين أبناء الوطن الواحد. لقد تجاوز وطننا منذ عقود طويلة كل مفاهيم العصبية الضيقة، وانطلق نحو بناء دولة حديثة يكون معيارها الكفاءة، وميزانها العدالة، ومظلتها المواطنة المتساوية. لذلك فإن العودة إلى لغة القبيلة كأداة صراع، أو استخدامها للإساءة والتفاخر المذموم والتحريض، لا تمثل تاريخ القبائل الحقيقي ولا أخلاق المجتمع السعودي المعروف بالمروءة والنخوة واحترام الآخر، بل تمثل سلوكاً مرفوضاً يتنافى مع روح العصر، ويصطدم مباشرة مع قيم الدولة وهيبتها ونظامها العام. إن القبائل في المملكة كانت وما زالت جزءاً أصيلاً من البناء الوطني، ساهمت في التأسيس، وشاركت في التنمية، وقدمت الرجال والإنجازات في كل الميادين. لكنها لم تكن يوماً مشروع انقسام، ولا عنواناً للتعالي على الآخرين، بل كانت رافداً من روافد الوحدة الوطنية. ومن يحاول استغلال الانتماءات الاجتماعية لبث الكراهية أو تأجيج الجماهير، فإنه يسيء إلى القبيلة قبل أن يسيء إلى المجتمع، ويشوّه إرثاً قائماً على الشهامة والتسامح والتكاتف. ومع اتساع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الكلمة أخطر من أي وقت مضى؛ فعبارة واحدة قد تثير الرأي العام، ومقطع قصير قد يشعل خلافاً واسعاً، ومنشور متعمد قد يزرع فتنة يصعب احتواؤها. ولهذا فإن المسؤولية اليوم مضاعفة على الجميع: أفراداً ومؤسسات وإعلاميين ومؤثرين، في رفض المحتوى المسيء أو التشكيك في نسب قبيلة أو أفراد، وعدم التفاعل مع خطابات التحريض، والإبلاغ عن الحسابات التي تتعمد بث الكراهية أو تأجيج العصبيات. فالصمت عن هذا النوع من المحتوى يمنحه مساحة، بينما مواجهته بالوعي تجفف منابعه. وفي المقابل، فإن ‏وزارة الداخلية حازمة في حماية السلم المجتمعي، ولن تسمح لأي جهة أو فرد أن يعبث بأمن المجتمع أو يهدد استقراره الفكري والاجتماعي. لذلك تُتخذ الإجراءات النظامية بحق المتورطين في نشر محتوى يثير التعصب القبلي ويمس بالسلم والأمن المجتمعي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في رسالة واضحة بأن حرية التعبير لا تعني الفوضى، وأن القانون يقف بالمرصاد لكل من يتجاوز حدود المسؤولية أو يحاول المساس بوحدة الصف الوطني. إن ما يجمع أبناء الوطن أكبر من أي انتماء ضيق؛ يجمعهم الدين، والتاريخ، والقيادة، والمصير المشترك، والطموح نحو مستقبل أكثر ازدهاراً. وفي زمن رؤية السعودية 2030 والتحول الوطني والتنمية الشاملة، لا مكان للأصوات التي تعيش على خلافات الماضي أو تراهن على تمزيق المجتمع. فالوطن اليوم يبني اقتصاداً عالمياً، ويصنع مستقبلاً تنافسياً، ويحتاج إلى العقول والسواعد، لا إلى مثيري الفتن ومروجي التعصب. إن وحدة المجتمع خط أحمر، لا يجوز تجاوزه قولاً أو فعلاً أو تلميحاً. وكل من يظن أن بإمكانه صناعة حضور عبر إثارة النعرات، سيكتشف أن وعي المجتمع أكبر من ألاعيبه، وأن الأنظمة أشد من عبثه، وأن الوطن الذي جمع أبناءه تحت راية واحدة، سيظل أقوى من كل دعوات الفرقة. وسيبقى مجتمعنا، بإذن الله، نموذجاً في التماسك والاعتزاز بالتنوع، متوحداً في ولائه، ثابتاً في قيمه، ماضياً بثقة نحو مستقبل يليق بتاريخه ومكانته. حفظ الله وطننا وقادتنا، وأدام علينا نعمة الأمن والوحدة والاستقرار.