في رواية «سادن» لجريدي المنصوري..

حينما يتحدث المكان.

تُعدّ الرواية واحدة من الأجناس السردية التي يمكن قراءتها بوصفها نصًا أنثروبولوجيًا، إذ تتجاوز كونها حكاية أدبية لتغدو حقلًا يعكس مرجعيات الشعوب، ويكشف عن أنساقها الثقافية وأنماط عيشها وطرائق تفكيرها، في تداخلٍ بين الماضي والحاضر. ومن هذا المنطلق، أصبحت الرواية وسيطًا ثقافيًا يربط بين الأجيال، وينقل تحوّلات الوعي الاجتماعي عبر الزمن. وهذا ما جسّده الكاتب جريدي المنصوري في رواية «سادن» التي اتخذت من الطائف فضاءً سرديًا وذاكرةً ثقافية حية. الرواية تنطلق من قصة حب تجمع جهار بابنة عمته، في مسار عاطفي يتداخل مع بنية أعمق من الصراع؛ إذ يعيش البطل حالة شدٍّ بين ما يرغبه ذاتيًا وما تفرضه عليه الحياة من شروط، في صورة تعكس توتر الفرد داخل نسقه الاجتماعي. ويتجلّى هذا التوتر أيضًا في صراعٍ معرفي بين ما يمتلكه من علم، وما ينساق إليه من خرافات في لحظات غفلة، وكأن الرواية ترصد هذا التذبذب بوصفه جزءًا من تشكّل الوعي في المجتمعات التقليدية. وعلى مستوى التمثيل الأنثروبولوجي، تقدّم الرواية وصفًا ثريًا لبيئة قبائل الطائف قديمًا، حيث تتجلى العادات والتقاليد بوصفها أنساقًا ناظمة للحياة اليومية. وتبرز من خلال الرواية طقوس الزواج بوصفها منظومة ثقافية متكاملة؛ إذ يظهر الفن الأدائي كـ«المجرور» تعبيرًا جماعيًا عن الفرح، إلى جانب ضرب النساء على الدفوف (الطار) في مشهد يعكس البعد الاحتفالي النسوي. كما تمتد هذه الطقوس في بعض المناطق لعدة أيام، في دلالة على قيمة الكرم والتكافل الاجتماعي، حيث يُكرم الضيف وتُقدّم الذبائح، ويُعدّ الخبز من الدخن مع السمن والعسل، في صورة تجسد دلالات الضيافة والهوية الغذائية للمجتمع. ولا تقل الجغرافيا حضورًا عن الإنسان، بل تتجاوزه لتصبح عنصرًا فاعلًا في تشكيل المعنى؛ إذ تتحوّل جبال الطائف ووديانها إلى فضاء تتقاطع فيه الحكايات الواقعية والأسطورية. حيث يستدعي الكاتب آثار بني هلال وعلاقتهم بالمنطقة، وما ارتبط بهم من معتقدات وخرافات تناقلتها الأجيال، في طرح يكشف كيف يُعاد تشكيل التاريخ داخل الوعي الشعبي، بين ما هو موثّق وما هو متخيَّل، وكيف يصنع الإنسان معنى المكان عبر الحكاية. ولا ينحصر هذا التمثيل في الإطار المحلي، بل يمتد ليعكس وعيًا بالقضايا العربية، وفي مقدّمتها قضية فلسطين، حيث تُبرز الرواية إدراكًا مبكرًا لدى تلك المجتمعات لعلاقتها بما يجري حولها. كما تتناول نظرتهم إلى بعض المؤرخين الأوروبيين الذين قدموا لدراسة المنطقة، في طرحٍ يكشف عن وعيٍ نقدي تجاه الآخر، وإدراكٍ بأن خيرات الأرض وكنوزها هي حقّ لأهلها. من المفارقات التي في الرواية هي عندما يصبح سلاح الفقد هو ذاته سلاح النجاة، وكذلك ما نسعى إليه بجوارحنا ليس بالضرورة أن نحصل عليه و إنما يُفتح لنا أبواب أخرى أكثر رحابه و إتساع. ورغم هذا الثراء في التمثيل، برأي يمكن ملاحظة أن تعدد المسارات بين العاطفي والتوثيقي والفكري قد يؤثر أحيانًا في تماسك الحبكة، إذ تتقدّم التفاصيل الوصفية على حساب تعميق بعض اللحظات المفصلية في الصراع الداخلي للبطل. ومع ذلك تظل «سادن» تجربة لافتة في قدرتها على الجمع بين السرد الأدبي والرؤية الأنثروبولوجية، مقدّمة نصًا يتجاوز الحكاية إلى مساءلة المجتمع، ورصد تحوّلاته بين موروثه الثقافي وأفقه المعرفي. * ماجستير في الأدب المسرحي.