كاتب سعودي يتقصى آثار «بني هلال» النجديين في تونس..

حضور لافت للرواية السعودية في معرض تونس الدولي للكتاب.

بدعوة كريمة من د. محمد صالح القادري، رئيس معرض الكتاب الدولي بتونس، ورئيس اللجنة المنظمة للبرنامج الثقافي المصاحب للمعرض، توجهت قافلتي إلى تونس، لأنيخ «فيلق الإبل» في ديارٍ استقبلت بني هلال النجديين منذ قرون، فذهبت أتقصّى آثارهم، مستغلًا هذه المناسبة الثقافية؛ لتكون رحلة عبور إلى بلدٍ بأكمله، يفتح أبوابه للضيف كأنه يعود إلى بيتٍ يعرفه منذ زمن. في الفترة من 28 أبريل إلى 5 مايو، حللتُ ضيفًا على جمهورية تونس للمشاركة في فعاليات معرض تونس الدولي للكتاب، فوجدتني أمام تجربةٍ ثقافية وإنسانية وسياحية ثرية، امتزجت فيها الكلمة بالمكان، والتاريخ بالوجوه، والندوة بالمقهى، والكتاب بالحجر القديم. منذ لحظة الوصول، كان الاستقبال التونسي عنوانًا أولَ للرحلة. حفاوة صادقة، وترحيب دافئ، وكرمٌ لا يتكلّف نفسه. استقبلتنا وزارة الثقافة التونسية بوجهها البهيّ، ممثّلةً في الأستاذة مروة، والأستاذ محمد المؤدّب، والأستاذة وئام، وبحضور مرافق الرحلة هادي وطبان (أبو يوسف)، الذي أحاطنا بلطفه واهتمامه منذ اللحظة الأولى، حتى أوصلنا إلى مقر الإقامة في أحد أفخم فنادق تونس، في قلبها النابض: شارع الحبيب بورقيبة، حيث تقيم المدينة على إيقاعها اليومي بين حركة الناس وذاكرة المكان. وبقي على ذات الروح العالية حتى أوصلني إلى المطار يوم المغادرة، ولم يزده ذلك إلا مزيدًا من المحبة والالتزام والوفاء. كان شارع الحبيب بورقيبة، في تلك الأيام، أكثر من شارعٍ رئيسي؛ كان ممرًّا إلى روح تونس الحديثة، حيث المقاهي المفتوحة، والوجوه الكادحة، وامتداد الأشجار، وحضور المدينة في أكثر صورها أُلفة. ومن هناك بدأت الرحلة، كأن تونس تقول لضيفها: اقرأني أولًا في وجوه الناس، ثم اقرأني في كتبي وآثاري وأسواقي. وجاءت مشاركتي في ندوة “الأدب والتاريخ: تكاملٌ أم تنافر؟” واحدةً من أبرز محطات الزيارة. كانت المداخلة تجربة شخصية في كتابة روايتي التاريخية «فيلق الإبل»، وقد حاولت من خلالها أن أستعيد المسافة التي قطعتها الرواية منذ شرارة فكرتها الأولى حتى صارت عملًا سرديًا مكتملًا. بدأت الحكاية من مقالٍ للكاتب محمد الساعد عن قصة ثمانية عشر سعوديًا شاركوا في حرب الوحدة الأمريكية، وهي معلومة بدت في أول وهلة أقرب إلى الخيال منها إلى التاريخ، لكنها أيقظت سؤالًا ظلّ يلحّ: كيف يمكن لمعلومةٍ صغيرة أن تفتح بابًا واسعًا على تاريخٍ منسي؟ ومن تلك الدهشة بدأت رحلة البحث. انتقلت من القراءة الصحفية إلى المكتبات، ومن المصادر المحلية إلى المصادر الأمريكية التي تتصل بالحرب الأهلية الأمريكية. وكان لافتًا أن المعلومة، رغم غرابتها، لم تكن متداولةً حتى لدى بعض المهتمين بالتاريخ، الأمر الذي منح الرواية بعدًا آخر: أن تكون عملًا سرديًا، وفي الوقت ذاته دعوةً إلى إعادة النظر في الهامش، وفي الحكايات المنسية التي لم تأخذ نصيبها من الضوء. في الندوة، تحدثت عن العلاقة الدقيقة بين الوثيقة والتخييل التاريخي؛ فالرواية التاريخية لا تستطيع أن تتخلى عن التاريخ، ولا يجوز لها أن تتحوّل إلى وثيقة جامدة. إنها تقف في المنطقة الوسطى، حيث تمنح الوثيقةُ النصَّ صلابته، ويمنحه الخيالُ روحه. ومن هنا جاء تخطيط «فيلق الإبل» على خطّين متوازيين: خطّ تاريخي يستند إلى الوقائع الممكنة، وخطّ إنساني يتابع مصائر الشخصيات. فالتاريخ يقدّم الحدث، أما الرواية فتبحث عن الإنسان داخله. ولم تكن فعاليات المعرض محصورة في ندوة واحدة؛ فقد أتاح لي البرنامج الثقافي حضور العديد من الندوات، ومن أهمها ندوة فكرية حول الذكاء الاصطناعي والإبداع، شارك فيها عدد من المثقفين والأدباء من تونس والعالمين العربي والأوروبي. كان السؤال المركزي هناك شديد المعاصرة: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل العلاقة بين الإبداع الإنساني والأداة التقنية؟ وقد دار النقاش حول حدود الآلة أمام الذات الكاتبة، وحول ما يمكن أن تنتجه الخوارزميات من نصوص، وما تعجز عنه من ذاكرة وجدانية وشرارة إنسانية. خرجت من تلك الندوة بقناعةٍ أكثر رسوخًا بأن التقنية قد تساعد الكاتب، لكنها لا تستطيع أن تعيش تجربته، ولا أن تمنح النص ذلك الارتجاف الخفي الذي يولد من الألم والدهشة والحب والذاكرة. وكانت اللقاءات الأدبية الجانبية إحدى أجمل ثمار الرحلة. على مائدة إفطار في الفندق، جمعتني المصادفة بالأديب والروائي اليمني حبيب عبدالرب سروري، القادم من باريس، فكان اللقاء حديثًا دافئًا عن اليمن والسعودية والمنفى والرواية وتحولات الكتابة. وفي أروقة الفندق، كان اللقاء الخاطف بالروائي الكبير إبراهيم نصر الله، لحظةً قصيرة في زمنها، غنيةً في معناها، حيث حضرت «فيلق الإبل» بوصفها جسرًا للتعارف والتواصل بين كتّاب ينتمون إلى جغرافيا عربية واسعة، تجمعهم الكلمة وتقرّبهم الحكاية. والتعرّف على الروائية الجزائرية د. راوية يحياوي، أستاذة اللغة العربية وآدابها واللغات الشرقية في جامعة تيزي أوزو بالجزائر. كما جمعتنا إحدى أمسيات الرحلة على مائدة عشاء في حي البحيرة بالعاصمة التونسية، مع نخبة من الأصدقاء الجدد: الأديب حبيب عبدالرب سروري، والأستاذ محمد الشقاع المقيم في لندن، والكاتب المسرحي شريف، والفنان فواز كريم، والشاب صالح الزلفى الهذلي، المبتعث السعودي في جامعة تونس. كان الحديث يتنقل بين الأدب والتراث والمسرح وأسئلة الثقافة، في أمسيةٍ تداخلت فيها المعرفة بالمودة، والطعام بروح الضيافة التونسية الأصيلة. وتقاطعت أيام المشاركة في المعرض مع فعاليات مهرجان قرطاج الدولي للمونودراما، فكان الحضور المسرحي إضافةً نوعية إلى الرحلة. في الفندق ذاته كان اللقاء بالأستاذ الدكتور سامي الجمعان، الباحث والكاتب والممثل والمخرج المسرحي المعروف، وقد شرّفني بدعوته إلى حفل توقيع كتابيه: “المجموعة الكاملة للأعمال المسرحية” و“حضور ألف ليلة وليلة في المسرح العربي” في دار الثقافة ابن رشيق. هناك بدا المسرح مجالًا آخر للحوار، حيث يلتقي النص بالخشبة، والتجربة بالرؤية، قبل أن يكتمل المشهد بحضور أحد عروض المهرجان، في تجربةٍ أعادت التذكير بسحر المسرح وقدرته على اختزال الحكاية في جسدٍ وصوتٍ وحضور حي. ومن اللطائف الجميلة في هذه الزيارة أن نشرت نشرة معرض تونس الدولي للكتاب حوارًا أدبيًا معي، أجرته الإعلامية عواطف بلدي. كان الحوار فرصةً لاستعادة بعض ملامح تجربتي السردية، والحديث عن علاقتي بالتاريخ، واشتغالي على الذاكرة، وكيف يتقاطع التخييل مع الواقع لصناعة نصٍّ يحمل شيئًا من الإنسان وشيئًا من زمنه. وقد سعدت بهذا الحضور، ورأيته امتدادًا جميلًا لحضور الرواية السعودية في فضاء عربي يقرأ ويتحاور ويتفاعل. ولأن تونس لا تُقرأ في قاعات المعرض وحدها، فقد كان للسياحة الثقافية نصيبها الأجمل. في جولةٍ حرّة في قلب العاصمة، بدأت الخطو من شارع الحبيب بورقيبة، ثم وقفت أمام تمثال المؤرخ عبدالرحمن بن خلدون، كأن المدينة تذكّر زائرها بأن العمران يبدأ من فهم الإنسان قبل فهم الحجر. ومن باب بحر، دخلت إلى السوق العربي المسقوف، حيث تضيق الأزقة وتتسع الحكايات، وتنبعث روائح الشرق القديم، وفيها شيء من أسواق الشام، وقيصرية الإحساء، وظلال السوق المصري في تركيا، ولمسات قيصريات مدن الأندلس. هناك اشتريت بعض الهدايا للأهل، محمّلةً بروح المكان وذاكرته، ثم استرحت في مقهى ومطعم المرابط، حيث التصميم التراثي يجعل الجدران نفسها تشارك في الحكاية. وفي صباحٍ تونسي مشبع بزرقة السماء، خرجنا من ضجيج المعرض إلى فسحةٍ أخرى من التاريخ. كانت البداية من قرطاج، حيث يمشي الزائر فوق طبقات من الزمن، ويشعر أن كل خطوة تلامس ذاكرةً أقدم من ذاكرته. بين الأعمدة والأقواس والمسرح الروماني، بدا المكان كأنه يهمس بما عبر عليه من حضارات. وقفنا في حضرة الفراغ المهيب، بين مدرجات حجرية لا تزال تحتفظ بصدى جمهورٍ غاب منذ قرون، والتاريخ حاضر لا يموت، ولا يتغيّر فيه إلا صوت غنائه. ثم كانت ضاحية سيدي بوسعيد؛ تلك القصيدة البيضاء المكتوبة بالأزرق. هناك يتصالح البصر مع الجمال دون مقاومة. الأبواب لوحات، والنوافذ تطل على البحر كما لو أنها امتداد لذلك الاتساع. في الأزقة الضيقة تختلف رائحة الزمن، ويصير المشي تأملًا، والحديث نغمةً خفيفة بين الأصدقاء. جلسنا في مقهى يطل على الأفق المفتوح، والبحر أمامنا يمدّ خطّه الأزلي، كأنه دعوةٌ إلى اتساع داخلي لا ينتهي. ومثلما بدأت الرحلة بالاستقبال، انتهت بالوداع. في مطار قرطاج الدولي، حيث تختلط خطوات الراحلين بذكريات العابرين، تجدّد لقاءٌ إنساني جميل مع سائح سعودي اسمه عثمان الشهري، أبو محمد، القادم من النماص، جنوب السعودية، وقد اختار أن تكون إجازته في تونس هادئةً كنسمة، صافيةً كصباحٍ على شرفة مطلّة. حدثني عن قرطاج وسيدي بوسعيد، وعن متعته في صحبة نفسه، وعن زيارته لمعرض الكتاب واقتنائه بعض العناوين، فبدا لي أن الرحلة قد منحت كل واحدٍ منا حكايته الخاصة. هكذا غادرت تونس، وفي سويداء القلب شيءٌ منها لا يغادر. غادرتها وأنا أحمل امتنانًا عميقًا لوزارة الثقافة التونسية، ولإدارة معرض تونس الدولي للكتاب، وللأصدقاء الذين جعلوا من الأيام القصيرة ذاكرةً طويلة. كانت الزيارة مشاركةً ثقافية، ولقاءً عربيًا، وقنطرةً إلى التاريخ، ورحلةً في أدب المكان والإنسان. وكما قال نزار العظيم قبل خمسة وأربعين عامًا: “يا تونس الخضراء جئتكِ عاشقًا وعلى جبيني وردةٌ وكتابُ” يا تونس الخضراء، جئناكِ ضيوفًا على رفّ كتاب، فاستقبلتنا مدينةٌ كاملة. وغادرناكِ ونحن نعرف أن بعض الرحلات لا تنتهي عند بوابة المطار، لأنها تواصل إقامتها في الذاكرة إلى مدى الحياة. *كاتب وروائي سعودي.