تولى الإمامة والخطابة فيه عدد من كبار العلماء بالمملكة..

جامع الدلم الكبير .. أيقونة الخرج العلمية.

تُعد الدلم المركز الإداري الرئيس لإقليم الخرج، ومقراً لأمراء الخرج خلال القرون الأخيرة، حتى نشأة مدينة السيح عام ١٣٥٤هـ مع بداية مشروع الخرج الزراعي الذي أسسه الملك عبدالعزيز -طيّب الله ثراه- فعندما يشير المؤرخون القدماء إلى الخرج فإنهم يشيرون غالباً إلى الدلم. وفي الدلم كان مقر القضاء لكافة مدن وقرى الخرج حتى تأسيس محكمة السيح عام ١٣٦٢هـ، ثم بعد ذلك بسنوات تأسست محكمة الخرج. ويبرز في الدلم جامعها الكبير الذي يعد من أشهر جوامع منطقة نجد، فقد كان منارةً علمية، وصرحاً دينياً خرّج أجيالاً كثيرة من العلماء والقضاة والمعلمين والمربين ورجال الحسبة. وهنا أتناول بإيجاز عن تاريخ هذا الجامع وموقعه ودوره وأعلامه، خلال القرون الأخيرة. أما نشأة الجامع فلا يعرف تحديداً تاريخ نشأته، إلا أنه تأسس بالتأكيد في مراحل مبكرة من انتشار الدين الإسلامي في الجزيرة العربية، والدلم مجملاً قديمة التكوين السكاني وقبل الرسالة المحمدية. أما موقع الجامع وبناؤه فقد كان في موقعه القديم في حلّة الدلم القديمة (حليّة) ثم نُقل من هناك إلى موقعه الحالي في (الديرة) بجوار الإمارة والسوق، ونقلت أخشابه وأبوابه من موقعه بحليّة إلى موقعه الحالي، ثم جُدد بناؤه عدة مرات حيث كان مبناه من الطين وخشب الأثل والجريد، ثم جُدد في عام ١٣٢٥هـ، وتم تجديده كذلك في عام ١٣٥٨هـ بإشراف سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، حيث تم هدم الجامع كاملاً لوجود سناطي تحمل السقف مما يعيق دخول ضوء الشمس لإنارته، فبنى في هذه المرة على أعمدة من الحجر الدائري وجعل له نوافذ. في عام ١٣٩٢هـ هُدم بناء المسجد الطيني وبنى بالخرسانة المسلحة وتم تركيب المكيفات الصحراوية مثبتة في جدرانه الشمالية والجنوبية، وقد بني على نفقة الشيخ عبدالله بن عثمان رحمه الله. وفي عام ١٤١٣هـ تم ترميمه ترميماً شاملاً وجددت الإضاءة فيه والدهانات وفُرش من جديد، وتم تكييفه بمكيفات منفصلة وذلك على نفقة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان عبد العزيز آل سعود رحمه الله. برز الدور العلمي والشرعي لجامع الدلم من خلال العلماء والقضاة المشهورين الذين تولوا الإمامة والخطابة في هذا الجامع الكبير، وبرزت أسماء مضيئة من كبار العلماء والقضاة -رحمهم الله جميعاً- كان لهم دور في الإمامة والخطابة والدروس الشرعية والعلمية، ولنعرف مكانة المهمة والمقام فإن قضاة الخرج (الدلم) وخاصة في الدولة السعودية الأولى والثانية وبداية الدولة السعودية الثالثة كانوا من كبار علماء البلاد، ويتم اختيارهم وتكليفهم بعناية من قبل أئمة الدولة السعودية وملوكها، وهم من يتولون إمامة وخطابة الجامع حتى وقتٍ متقدم. ونستعرض بإلماحة عن أبرزهم وأشهرهم، فمنهم الشيخ القاضي علي بن محمد البسّام الحنبلي، قدم من بلدة أشيقر واستقر في الدلم وتولى القضاء بها في حدود عام 1080هـ أي قبل قيام الدولة السعودية الأولى، والشيخ القاضي أحمد بن محمد بن عسكر -الشافعي مذهباً- والشيخ القاضي العلاّمة راشد بن محمد بن خنين -الحنفي مذهباً- كان له دور مؤثر وكبير في الحركة العلمية من خلال الدروس المكثّفة التي يقيمها في الجامع، ومن خلال الكتب والمخطوطات والمدوّنات والمكاتبات، واحتضنت دروسه طلاب علمٍ كثر من الدلم ومن خارجها، هذا كان قبل أن تكون (الدلم) الخرج تحت لواء الدولة السعودية الأولى. وبلا شك أن هناك أئمة وخطباء للجامع لم تصلنا أسماؤهم، ولم ترو سيرهم، فلم تذكرهم كتب تاريخ المنطقة، ولم ينقلها الرواة الثقاة. وفي عام ١٢١١هـ زمن الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود -رحمه الله- الإمام الثاني للدولة السعودية الأولى، أصاب المنطقة سيل عظيم، هدم (حلًة) الدلم القديمة، فانتقل أهل الدلم من (حليّة) إلى الدلم الحالية (الديرة)، وانتقل جامع الدلم من موقعه القديم إلى موقعه الجديد بجوار الإمارة وسوق المسحب، وحُملت أخشابه وأبوابه. استمرّ جامع الدلم يؤدي دوره الديني والعلمي، من خلال الخطب ودروس القضاة والعلماء الكبار ، وكان قاضي الخرج (الدلم) هو إمام وخطيب الجامع ومفتي المنطقة، ومن أبرز من تسنّم هذه المكانة والمسؤولية الشيخ القاضي محمد بن عبدالله بن سويلم العريني، ثم الشيخ القاضي علي بن حمد بن راشد العريني، ثم الشيخ القاضي العلامة عبدالرحمن بن حسين بن محمد بن عبدالوهاب، ثم الشيخ القاضي حمد بن علي بن عتيق، ثم الشيخ القاضي عبدالله بن محمد بن معيذر، والشيخ القاضي محمد بن إبراهيم بن عجلان المطرفي، ثم الشيخ العلّامة حمد بن علي بن عتيق، ثم تولّى القضاء العالم الجليل الواعظ الموسوعي صاحب الخطب المشهورة الشيخ عبدالله بن حسين المخضوب قادماً من منفوحة، فكان له أثر كبير في المنطقة حيث ازدهرت الحركة العلمية من خلال دروسه المكثّفة بالجامع فزاد عدد طلابه وقاصدي دروسه، بعد وفاته تولى أحد أبرز تلاميذه قضاء الخرج وهو الشيخ العلّامة عبدالعزيز بن صالح الصيرامي، وذلك في عام ١٣١٥هـ، وهو قاضي الدلم المعروف في بداية عهد الملك عبدالعزيز حتى وفاته عام ١٣٤٥هـ، ثم الشيخ القاضي عبدالرحمن بن عبدالله بن سالم، ثم الشيخ القاضي العلاّمة عبدالرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ، وتأتي النقلة التعليمية والعلمية الكبرى عندما تولى قضاء الخرج (الدلم) سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز وذلك في العام ١٣٥٧هـ، فغدا جامع الدلم جامعةً ومنارةً علمية واحتضن مئات من طلاب العلم من إقليم الخرج وخارجه، بل وفد إلى دروس الشيخ طلاب من خارج المملكة من اليمن وسوريا والعراق وفلسطين وغيرها، وأعد وأقام لهم الشيخ رباطاً يسكنون فيه بدعمٍ سخي من الملك عبدالعزيز، فتخرج على يديه عدد كبير من العلماء والقضاة والمسؤولين والمعلمين حتى عام ١٣٧١هـ، ثم توالى القضاة من بعده يتسنمون منبر الجامع ودروسه ومنهم أصحاب الفضيلة المشايخ: صالح بن أحمد الخريصي، عبدالرحمن بن محمد الفارس، محمد بن عبدالعزيز المطوع، محمد بن ردن البداح، علي بن سليمان الرومي، عبدالعزيز بن حمّاد بن ركيّان، عبدالرحمن بن عبدالعزيز بن سحمان رحمهم الله جميعا. في عام ١٣٩٩هـ عُيًن الشيخ الفقيه عبدالرحمن بن عبدالعزيز الجاسر -رحمه الله- إماماً وخطيباً لجامع الدلم، بعد أن كان هذا التكليف مقصوراً على القضاة، فتولّى الجاسر الإمامة والخطابة مع قيامه بالدروس العلمية في الجامع يحضرها كثير من طلاب العلم وكبار السن. وممن تولى الإمامة والخطابة في الجامع الشيخ القاضي عبدالرحمن بن عبدالعزيز الدريهم، والشيخ إبراهيم بن عبدالرحمن بن حسين، وبالمناسبة الشيخ إبراهيم بن حسين وحسب التتبع السابق، هو صاحب أكثر مدة تولاها خطيب في تاريخ الجامع، بواقع 33 عاما وذلك من عام 1414هـ حتى الآن، حفظه الله وأعانه وسدده. هذا ما تيسر لي جمعه وبحثه وبالله التوفيق.. * باحث ومؤرخ * أمين اللجنة الثقافية بالخرج التابعة للنادي الأدبي بالرياض * عضو الجمعية التاريخية السعودية المصادر .......................................... * كتاب: الدلم في مائة عام أ. عبدالعزيز بن ناصر البرّاك * كتاب: علماء الدلم وقضاتها أ. عبدالعزيز بن ناصر البرّاك * الصور من أرشيف أ. علي بن عمر الصبران يرحمه الله