تبادر هذا السؤال إلى ذهني في نهاية يومٍ طويل، حين شعرت بتعبٍ وإرهاق لا يراه أحد. جلست أفكر: كم من الأشخاص “العاديين” يعيشون هذا التعب نفسه كل يوم؟ ألا يستحق هذا الجهد الصامت من يكتبه؟ ألا يستحق هذا السباق اليومي من يصفق له؟ ربما لا يوجد “عاديون” في هذه الحياة كما نظن. فلكل إنسان سباقه الخاص، وصراعه الذي لا يراه أحد. لكل واحد آلامه وآماله، وجراحه الصغيرة التي يخفيها، وسعادته التي لا يلاحظها أحد. في كل يوم، يخوض معاركه الخاصة، وينجو من حروبٍ قد لا تبدو عظيمة للآخرين… لكنها بالنسبة له، كل شيء. أتخيل رجلًا يقف كل صباح أمام باب منزله، يعدّل ياقة قميصه على عجل، ينظر إلى الساعة، ثم يخرج مسرعًا. لا أحد يعرف أنه لم ينم جيدًا، ولا أنه يحمل قلقًا لا يفارقه، ولا أنه يحاول كل يوم أن يكون أفضل مما كان عليه بالأمس. يعود في المساء متعبًا، يجلس بصمت، ثم يستعد ليومٍ آخر يشبهه. حياته قد تبدو عادية… لكنها بالنسبة له، معركة مستمرة. كل ما في الأمر أن الضوء يُسلَّط على البعض، بينما يبقى الآخرون في الظل. وليس لأن من في الضوء أفضل، أو أكثر قيمة، بل لأن الصدفة—أحيانًا—تمنح أحدهم لحظة لامعة، فيلتفت إليه الجميع. بينما قد يحمل من بقي في الظل قصصًا أعمق… لكنها لم تُرَ. إذا تأملنا أغلب السير الذاتية، سنجدها تدور حول الناجحين، والمؤثرين، والمشاهير. وغالبًا ما تُروى من زاوية واحدة: زاوية الإنجاز. لكن الحقيقة أن لا أحد ناجح في كل شيء، ولا أحد فاشل في كل شيء. نحن فقط نختار جانبًا واحدًا من حياة الإنسان… ونضيئه. ولا نُخبر القارئ كم مرة حاول هذا الشخص وفشل، وكم طريقًا سلكه قبل أن يصل. حين نتجاهل حياة “العاديين”، نخلق صورة مشوهة للحياة. نجعل الجميع يرغب أن يكون استثنائيًا دائمًا، بطلاً خارقًا، تحت الضوء. وننسى أن الحياة، في جوهرها، تُبنى من التفاصيل الصغيرة، من المحاولات، من الأيام التي لا يصفق لها أحد. ننسى الدروس الموجودة في حياة الإنسان البسيط—تلك الدروس التي قد تشبهنا أكثر، وتعلمنا كيف نواجه ما سيمر بنا. ففي كل إنسان، مهما بدا عاديًا، عمق لا يُرى، وحكاية تستحق أن تُروى. وربما المشكلة الحقيقية ليست في “العاديين”… بل في نظرتنا إليهم. أنا نفسي لم أفكر يومًا أن أكتب عن حياة شخص عادي. لكن الآن… ربما أفعل. ففي حياة كل منا ما يستحق أن يُحكى، ويُخلَّد، ويُصفَّق له. وأنت، يا عزيزي القارئ… هل ترى نفسك عاديًا؟ أم أنك فقط لم تُروَ بعد؟